فقدان التنوع البيولوجي، الأزمة الصامتة في ظل تداعيات تغير المناخ

شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*)خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 19 أغسطس / غشت 2026

مقدمة
يشهد العالم في العقود الأخيرة أزمة بيئية متصاعدة لا تقتصر على تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، وإنما تمتد إلى فقدان متسارع للتنوع البيولوجي، بحيث أصبحت أعداد متزايدة من الأنواع النباتية والحيوانية مهددة بالانقراض أو تشهد تراجعاً حاداً في أعدادها ومجالات انتشارها. وتكتسب هذه الأزمة خطورتها من كونها غالباً أقل ظهوراً في المجال العام من موجات الحر والفيضانات والحرائق، رغم أن آثارها قد تكون عميقة وطويلة الأمد، وقد تؤدي إلى تغيرات يصعب أو يستحيل عكسها في بنية النظم البيئية.

ويشير التقرير العالمي للتقييم بشأن التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية الصادر عن IPBES إلى أن نحو مليون نوع من الأنواع الحيوانية والنباتية يواجه خطر الانقراض، كثير منها خلال عقود، إذا لم يتم الحد من العوامل المسببة لتدهور الطبيعة. كما قدر التقرير أن نحو 25% من الأنواع التي جرى تقييمها مهددة بالانقراض.

أولاً: مؤشرات رقمية على أزمة التنوع البيولوجي
تكشف المعطيات الدولية حجم الأزمة بصورة أكثر وضوحاً. فحتى تحديثات القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN، التي تشمل جزءاً فقط من الأنواع المعروفة علمياً، وصلت إلى أكثر من 172,600 نوع في أحدث المعطيات المنشورة، مع أكثر من 48,600 نوع مهدد بالانقراض. وهذا الرقم لا يعني أن جميع أنواع الكوكب قد جرى تقييمها، بل يوضح حجم الخطر بين الأنواع التي خضعت للتقييم العلمي.

وتظهر بعض المجموعات البيولوجية هشاشة استثنائية أمام الضغوط البيئية. ففي سنة 2025، أظهرت دراسة مرتبطة بالقائمة الحمراء أن 4,294 نوعاً من أصل 23,496 نوعاً من حيوانات المياه العذبة التي جرى تقييمها تواجه خطراً مرتفعاً للانقراض، أي ما يقارب ربع الأنواع المقيمة.

ولا تقتصر الأزمة على خطر الانقراض النهائي؛ فهناك تراجع واسع في أعداد التجمعات الحيوانية. فقد أظهر تقرير الكوكب الحي 2024 للصندوق العالمي للطبيعة WWF انخفاضاً متوسطاً قدره 73% في أحجام تجمعات الحيوانات البرية الفقارية التي تمت متابعتها بين عامي 1970 و2020. وهذا المؤشر يقيس تغير حجم التجمعات التي تمت متابعتها، وليس انقراض 73% من الأنواع، وهو تمييز علمي مهم عند تفسير الرقم.

ثانياً: تغير المناخ كمضاعف لخطر الانقراض
لا يمكن فصل أزمة التنوع البيولوجي عن أزمة المناخ. فارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط التساقطات، والجفاف الممتد، وحرائق الغابات، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتحمض المحيطات، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قدرة الأنواع على البقاء والتكاثر والهجرة.

ويؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC أن مخاطر فقدان الأنواع والانقراض تكون أقل بصورة واضحة عند حصر الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستوى درجتين مئويتين. فعند ارتفاع الحرارة إلى درجتين، قد تفقد 18% من الحشرات و16% من النباتات و8% من الفقاريات أكثر من نصف نطاقها المناخي الملائم، بينما تنخفض هذه النسب عند 1.5 درجة إلى نحو 6% و8% و4% على التوالي.

وفي المناطق ذات التنوع البيولوجي المرتفع، تصبح الصورة أكثر إثارة للقلق؛ إذ خلص تقييم IPCC إلى أن نحو 44% من التوقعات المتعلقة بأكثر من 2,700 نوع في البؤر الساخنة للتنوع البيولوجي أظهرت خطراً مرتفعاً للانقراض، بينما صنف نحو 24% منها ضمن الخطر المرتفع جداً المرتبط بتغير المناخ. كما أن الأنواع المتوطنة أكثر هشاشة أمام الاحترار المتسارع.
أما النظم البحرية فتواجه بدورها ضغوطاً متراكمة. ويشير IPCC إلى أن 70–90% من الشعاب المرجانية المدارية الحالية قد تختفي حتى عند حصر الاحترار العالمي في 1.5 درجة مئوية، وهو مؤشر بالغ الدلالة على حساسية الأنظمة البحرية للتغير الحراري والكيميائي للمحيطات.

ثالثاً: لماذا تعد الأزمة “صامتة”؟
تكمن خطورة فقدان التنوع البيولوجي في أن اختفاء الأنواع لا يحدث دائماً بصورة مفاجئة؛ ففي كثير من الحالات يبدأ بتراجع أعداد الجماعات، ثم تقل مساحات انتشارها، وتتجزأ موائلها، وتنخفض قدرتها على التكاثر، قبل أن تصل إلى مرحلة الانقراض المحلي أو العالمي.

وتتفاعل في هذه العملية عدة ضغوط في وقت واحد، من بينها تدمير الموائل الطبيعية، والتوسع العمراني والزراعي، والتلوث، والاستغلال المفرط للموارد، والأنواع الدخيلة، والتغير المناخي. ولذلك فإن تغير المناخ لا ينبغي النظر إليه باعتباره العامل الوحيد في فقدان التنوع البيولوجي، وإنما باعتباره في كثير من الحالات مضاعفاً للمخاطر التي تفرضها الضغوط البشرية الأخرى.

وتكمن المشكلة كذلك في أن خسارة نوع واحد يمكن أن تؤثر في شبكة كاملة من العلاقات البيئية. فانقراض الملقحات، على سبيل المثال، يمكن أن يؤثر في النباتات التي تعتمد عليها، بينما يؤدي اختفاء بعض المفترسات إلى اختلال التوازن في السلاسل الغذائية. وبذلك يصبح فقدان التنوع البيولوجي تهديداً للأمن الغذائي والمائي والصحة والاقتصاد، وليس قضية تخص علماء البيئة وحدهم.

رابعاً: أمثلة على الأنواع التي أصبحت رموزاً للأزمة
تقدم بعض الأنواع صورة ملموسة لهذه التحولات. فقد صنفت القائمة الحمراء في تحديثات حديثة البطريق الإمبراطوري ضمن فئة الأنواع المهددة بالانقراض، كما انتقل فقم البحر القطبي الجنوبي إلى الفئة نفسها، بينما أصبح فقم الفيل الجنوبي ضمن الأنواع المعرضة للخطر. وقد ربطت IUCN هذه التحولات جزئياً بالتغيرات المناخية وتأثيراتها على الموائل والموارد الغذائية.

وتكتسب هذه الأمثلة أهميتها لأنها توضح أن تغير المناخ لم يعد تهديداً مستقبلياً مجرداً، بل أصبح عاملاً يؤثر فعلياً في تصنيف بعض الأنواع وفي قدرتها على التكيف مع التغير السريع في بيئاتها.

خامساً: المغرب أمام تحدي مزدوج
يكتسب فقدان التنوع البيولوجي أهمية خاصة في المغرب بالنظر إلى تنوع مجالاته البيئية، من السواحل المتوسطية والأطلسية، إلى المناطق الرطبة والغابات والجبال والواحات والمجالات شبه الجافة. وتواجه هذه النظم ضغوطاً متزايدة بسبب الجفاف، والإجهاد المائي، وحرائق الغابات، والتوسع العمراني، وتدهور التربة، والتلوث، والاستغلال غير المستدام لبعض الموارد الطبيعية.

وتزداد هشاشة النظم البيئية المغربية عندما تتزامن موجات الحر والجفاف مع انخفاض الموارد المائية وتدهور الموائل. ولذلك فإن حماية التنوع البيولوجي ينبغي أن تصبح جزءاً أساسياً من سياسات التكيف مع تغير المناخ، وليس ملفاً مستقلاً عنها.

ومن الضروري، في هذا السياق، تعزيز حماية المناطق الرطبة والغابات والموائل الساحلية، واستعادة النظم البيئية المتدهورة، وتحسين الربط البيئي بين المناطق الطبيعية، ومراقبة الأنواع المهددة، وتطوير برامج وطنية لرصد التغير في أعداد الأنواع، إلى جانب إدماج المعرفة العلمية والمجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية.

خاتمة
إن فقدان التنوع البيولوجي يمثل بالفعل أزمة صامتة ذات آثار استراتيجية، لأن ما يختفي من الطبيعة لا يمكن دائماً استعادته. وتؤكد المؤشرات العلمية أن البشرية لا تواجه مجرد انخفاض في أعداد بعض الحيوانات والنباتات، وإنما تحولاً واسعاً في بنية النظم البيئية وقدرتها على تقديم الخدمات التي تعتمد عليها المجتمعات.

إن الربط بين سياسات المناخ وحماية الطبيعة أصبح ضرورة علمية وسياسية. فكل عُشر درجة إضافية من الاحترار يمكن أن يزيد الضغوط على الأنواع والنظم البيئية، بينما يتيح خفض الانبعاثات، وحماية الموائل، واستعادة النظم المتدهورة، وتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك، تقليص الخسائر المستقبلية.

ومن هذا المنظور، فإن حماية التنوع البيولوجي ليست ترفاً بيئياً، بل استثمار في الأمن الغذائي والمائي، والصحة، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، وحقوق الأجيال القادمة. ويجب أن تنتقل السياسات العامة من منطق حماية الأنواع بعد وصولها إلى حافة الانقراض إلى منطق الوقاية والاستباق واستعادة الطبيعة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لمواجهة تغير المناخ وبناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود.

المراجع والمصادر العلمية

1. IPBES (2019). Global Assessment Report on Biodiversity and Ecosystem Services: Summary for Policymakers. Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services (IPBES), Bonn, Germany. IPBES — Global Assessment Report on Biodiversity and Ecosystem Services
2. IUCN (2025). The IUCN Red List of Threatened Species: Summary Statistics. International Union for Conservation of Nature (IUCN), Gland, Switzerland. IUCN — The IUCN Red List Update
3. IUCN (2025). One Quarter of Freshwater Animals at Risk of Extinction: IUCN Red List Update. International Union for Conservation of Nature (IUCN), Gland, Switzerland. IUCN — One Quarter of Freshwater Animals at Risk of Extinction
4. WWF (2024). Living Planet Report 2024: A System in Peril. World Wide Fund for Nature (WWF), Gland, Switzerland. The report documents a 73% average decline in the size of monitored vertebrate wildlife populations between 1970 and 2020. WWF — Living Planet Report 2024
5. IPCC (2018). Global Warming of 1.5°C: An IPCC Special Report on the Impacts of Global Warming of 1.5°C Above Pre-Industrial Levels and Related Global Greenhouse Gas Emission Pathways, in the Context of Strengthening the Global Response to the Threat of Climate Change, Sustainable Development, and Efforts to Eradicate Poverty. Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC), Geneva, Switzerland. IPCC — Global Warming of 1.5°C
6. IPCC (2022). Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability — Cross-Chapter Paper 1: Biodiversity Hotspots. Contribution of Working Group II to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change. Cambridge University Press, Cambridge, United Kingdom and New York, United States. IPCC — Biodiversity Hotspots
7. IPBES & IPCC (2021). Scientific Outcome of the IPBES-IPCC Co-Sponsored Workshop on Biodiversity and Climate Change. Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services (IPBES) and Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). IPBES–IPCC — Biodiversity and Climate Change Scientific Outcome
8. IPBES (2022). Thematic Assessment Report on the Sustainable Use of Wild Species of the Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services. Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services (IPBES), Bonn, Germany.
9. Convention on Biological Diversity (CBD) (2022). Kunming-Montreal Global Biodiversity Framework. Conference of the Parties to the Convention on Biological Diversity, United Nations Environment Programme (UNEP), Montreal, Canada.
10. UNEP (2021). Making Peace with Nature: A Scientific Blueprint to Tackle the Climate, Biodiversity and Pollution Emergencies. United Nations Environment Programme, Nairobi, Kenya.
11. WWF & Zoological Society of London (ZSL) (2024). Living Planet Index 2024. World Wide Fund for Nature and Zoological Society of London, London, United Kingdom.
12. Díaz, S., Settele, J., Brondízio, E. S., Ngo, H. T., Agard, J., Arneth, A., Balvanera, P., Brauman, K. A., Butchart, S. H. M., Chan, K. M. A., Garibaldi, L. A., Ichii, K., Liu, J., Subramanian, S. M., Midgley, G. F., Miloslavich, P., Molnár, Z., Obura, D., Pfaff, A., Polasky, S., Purvis, A., Razzaque, J., Reyers, B., Chowdhury, R. R., Shin, Y. J., Visseren-Hamakers, I. J., Willis, K. J., & Zayas, C. N. (2019). Pervasive Human-Driven Decline of Life on Earth Points to the Need for Transformative Change. Science, 366(6471), eaax3100.
13. Ceballos, G., Ehrlich, P. R., & Dirzo, R. (2017). Biological Annihilation via the Ongoing Sixth Mass Extinction Signaled by Vertebrate Population Losses and Declines. Proceedings of the National Academy of Sciences, 114(30), E6089

(*) مصطفى بنرامل:
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هل بدأت القارة تدفع فاتورة التغير المناخي؟ (01 – 02)

انخفاض منسوب نهري الراين والدانوب وتهديد اقتصاد أوروبا شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*)خبير بيئي، …

اترك تعليقاً