من إعادة تشكيل موازين الاقتصاد إلى بناء نموذج تنموي أكثر مرونة وعدالة
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي 11 سبتمبر 2026
لم تعد مجموعة «بريكس» مجرد تكتل اقتصادي يسعى إلى تعزيز حضور الاقتصادات الناشئة في النظام الدولي، بل باتت تتحول تدريجياً إلى منصة أوسع لإعادة التفكير في قضايا التنمية والتمويل والطاقة والمناخ، خصوصاً من منظور دول الجنوب العالمي.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في عام 2026، مع اختيار الهند لرئاستها للمجموعة شعاراً يقوم على المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة، بما يعكس انتقال مفهوم الاستدامة من ملف بيئي متخصص إلى عنصر متداخل مع الأمن الاقتصادي والطاقة والبنية التحتية وقدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات.
الجنوب العالمي أمام معادلة مختلفة
تواجه الدول النامية معضلة مركبة؛ فهي مطالبة بتحقيق نمو اقتصادي سريع، وتوفير الطاقة وفرص العمل والبنية التحتية لمجتمعات متنامية، وفي الوقت نفسه مطالبة بخفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ وحماية مواردها الطبيعية.
وهنا تبرز أهمية بريكس. فالقيمة المحتملة للمجموعة لا تكمن فقط في زيادة وزن الجنوب العالمي داخل الاقتصاد الدولي، وإنما في قدرتها على المساهمة في صياغة نموذج تنموي يسمح للدول النامية بتحقيق التنمية دون إعادة إنتاج المسار التقليدي كثيف الكربون والموارد.
وقد ظهر هذا التوجه بوضوح خلال اجتماع وزراء البيئة في دول بريكس في نيودلهي في أغسطس 2026، حيث تناولت المناقشات تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث ومخاطر الكوارث، إلى جانب التمويل المناخي والتكيف وتمكين المجتمعات المحلية. كما تبنت الدول بياناً وزارياً مشتركاً وأطلقت منتجات معرفية للتعاون في مجالات الاستدامة والمرونة البيئية.
التمويل هو الاختبار الحقيقي
لكن الانتقال من الخطاب إلى الأثر يتطلب معالجة إحدى أكبر فجوات التنمية المستدامة في الجنوب العالمي: التمويل.
وهنا يمثل بنك التنمية الجديد (NDB) أحد أهم الأدوات المؤسسية التي أنتجتها بريكس. فقد تأسس لتمويل البنية التحتية والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة والدول النامية، وتضع استراتيجيته الاستدامة في صميم عمليات التمويل. كما استهدف البنك في استراتيجيته 2022–2026 توجيه 40% من التمويل المعتمد نحو المشروعات التي تسهم في التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه، بما في ذلك تحول الطاقة.
وهذا يفتح أمام بريكس فرصة لتطوير نموذج للتمويل الأخضر أكثر استجابة لاحتياجات الدول النامية، خصوصاً في الطاقة المتجددة والمياه والزراعة المستدامة والنقل والبنية التحتية المقاومة للمناخ.
الطاقة والانتقال العادل
ويمثل تحول الطاقة اختباراً آخر لقدرة بريكس على التوفيق بين التنمية والاستدامة.
فدول الجنوب العالمي لا تحتاج فقط إلى «طاقة نظيفة»، وإنما إلى طاقة نظيفة ومتاحة وموثوقة وميسورة التكلفة. ولهذا ركز المسار الوزاري للطاقة في بريكس 2026 على أمن الطاقة والاستدامة والابتكار والوصول الشامل إلى الطاقة.
ومن هنا ينبغي ألا يُقاس نجاح التحول الأخضر فقط بعدد محطات الطاقة المتجددة أو حجم الانبعاثات المخفضة، وإنما بقدرته على خلق الوظائف، وتعزيز التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتقليل فقر الطاقة، وبناء سلاسل قيمة خضراء داخل الدول النامية نفسها.
من التعاون الاقتصادي إلى المرونة
الأكثر أهمية أن مفهوم الاستدامة داخل بريكس بدأ يرتبط بصورة متزايدة بمفهوم المرونة Resilience.
فتغير المناخ لم يعد خطراً بيئياً منفصلاً؛ بل أصبح خطراً اقتصادياً واجتماعياً يؤثر في الأمن الغذائي والمائي والطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي. وقد عكست اجتماعات بريكس لعام 2026 هذا الترابط من خلال تناول الاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد وأسواق الكربون والتكيف وإدارة حرائق الغابات ومخاطر الكوارث.
وهنا يمكن لبريكس أن تقدم قيمة حقيقية للجنوب العالمي إذا انتقلت من تمويل المشروعات إلى بناء القدرة على الصمود؛ أي مساعدة الدول على الاستشعار المبكر للمخاطر والاستعداد لها والتكيف معها والتعافي منها بصورة أسرع.
الفرصة أمام بريكس
إن توسع بريكس يمنحها وزناً متزايداً، لكنه يضع أمامها أيضاً مسؤولية أكبر. فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الدول المنضمة أو حجم اقتصاداتها فقط، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الوزن إلى أثر تنموي ملموس.
ومن وجهة نظري، تستطيع بريكس أن تقدم نموذجاً مختلفاً للتعاون في الجنوب العالمي إذا استطاعت الجمع بين أربعة عناصر مترابطة: التمويل التنموي + التكنولوجيا والابتكار + العدالة المناخية + بناء المرونة.
عندها لن تكون الاستدامة قيداً على التنمية، بل ستصبح أداة لإعادة تصميمها.
وفي عالم يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية، قد يكون السؤال الأهم أمام بريكس ليس: كم تبلغ حصتها من الاقتصاد العالمي؟ بل: هل تستطيع تحويل قوتها الاقتصادية المتنامية إلى نموذج تنموي أكثر عدالة ومرونة واستدامة لدول الجنوب العالمي؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، إلى حد كبير، القيمة الحقيقية لبريكس في النظام الدولي الجديد.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز