المكتبات عندما تتجاوز رفوف الكتب…

قراءة في المؤتمر الدولي الثالث للمكتبات من منظور المسؤولية المجتمعية، الأردن 2026

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 02 أغسطس 2026
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتزداد فيه قدرة التقنيات الحديثة على إنتاج المعلومات وتداولها، يبرز سؤال جوهري: هل ما تزال المكتبات تحتفظ بدورها التقليدي كمستودعات للكتب، أم أنها بدأت تعيد تعريف رسالتها بوصفها مؤسسات تصنع المعرفة وتبني الإنسان؟

هذا السؤال لم يكن نظرياً خلال المؤتمر الدولي الثالث لجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية، الذي عُقد تحت شعار “المكتبات والابتكار في المسؤولية الاجتماعية والاستدامة: نحو أثر مجتمعي مستدام”، برعاية وزير الثقافة مصطفى الرواشدة. ونظمته الجمعية في مدينة جرش الأردنية خلال الفترة 29 – 30 يوليو / تموز 2026 بالتوازي مع مهرجان جرش الثقافي، بل شكّل الإطار الفكري الذي منح المؤتمر قيمته الحقيقية. فقد تجاوز المؤتمر حدود النقاش المهني حول إدارة المكتبات، وقدم رؤية أوسع تضع المكتبة في قلب منظومة التنمية المستدامة، باعتبارها مؤسسة اجتماعية وثقافية قادرة على صناعة الأثر، لا مجرد تقديم الخدمات.

لقد بدا واضحاً أن قطاع المكتبات العربي يقف اليوم أمام مرحلة جديدة من التطور. فالمعيار لم يعد يقاس بعدد الكتب أو حجم المقتنيات أو مساحة المباني، وإنما بقدرة المكتبة على بناء رأس المال المعرفي، وتعزيز ثقافة التعلم مدى الحياة، وتقليص الفجوات المعرفية، والمساهمة في رفع جودة الحياة داخل المجتمع.

ومن منظور المسؤولية المجتمعية، يمثل هذا التحول تطوراً بالغ الأهمية. فالمكتبة الحديثة أصبحت مؤسسة تؤدي وظيفة تنموية متكاملة، تسهم في دعم التعليم، وتمكين الشباب، وتعزيز الشمول المعرفي، وتشجيع الابتكار، وترسيخ ثقافة الحوار، وهي جميعها أدوار تجعلها شريكاً حقيقياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ومن أكثر الرسائل التي خرجت بها من هذا المؤتمر أن المعرفة لم تعد قيمة ثقافية مجردة، بل أصبحت أحد أهم أشكال الاستثمار الوطني. فالدول التي تستثمر في المعرفة تبني مجتمعات أكثر قدرة على الابتكار، وأكثر استعداداً للتعامل مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات. وهنا تتجلى أهمية المكتبات باعتبارها بنية تحتية للمعرفة، وليست مجرد مؤسسات خدمية.

كما يعكس المؤتمر إدراكاً متقدماً بأن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لا يمثلان تهديداً للمكتبات، وإنما فرصة لإعادة صياغة رسالتها. فالتكنولوجيا تستطيع أن تسهل الوصول إلى المعرفة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدور الإنساني للمكتبات في بناء التفكير النقدي، وتعزيز الثقافة، وترسيخ قيم الحوار والانتماء.

ومن زاوية أخرى، فإن انعقاد هذا المؤتمر يؤكد أن الجمعيات المهنية العربية بدأت تنتقل من دورها التقليدي القائم على تنظيم الأنشطة والمؤتمرات، إلى دور أكثر تأثيراً يتمثل في إنتاج الأفكار، وقيادة الحوار المهني، وبناء الشراكات، وصناعة المبادرات التي تمتلك أثراً مجتمعياً حقيقياً.

ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون الإشادة بالدكتور عماد أبو عيد، رئيس جمعية المكتبات والمعلومات الأردنية، الذي قاد هذا المشروع العلمي برؤية واضحة تجمع بين الخبرة الأكاديمية والخبرة التطبيقية في مجالات المسؤولية المجتمعية والاستدامة. وتنعكس خبرته الطويلة، ولا سيما تجربته السابقة كخبير ومستشار في دائرة بلدية أبوظبي في مجال تطبيقات المسؤولية المجتمعية والاستدامة، في قدرته على توجيه المؤتمر نحو قضايا تتجاوز الإطار المهني الضيق، وتربط المكتبات بالتنمية، وبناء الإنسان، وقياس الأثر، والشراكات المجتمعية.

وقد بدا هذا التوجه واضحاً في فلسفة المؤتمر أكثر من تفاصيل برنامجه؛ إذ لم يكن الهدف استعراض تجارب منفصلة، وإنما بناء رؤية عربية جديدة لمستقبل المكتبات، تقوم على أن المعرفة مسؤولية مجتمعية، وأن المكتبة ليست مستهلكاً للمعرفة فقط، بل منتجاً لها، وحاضنة للابتكار، وشريكاً في تحقيق التنمية المستدامة.

كما يحسب لجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية نجاحها في ترسيخ موقعها كإحدى المؤسسات المهنية العربية التي تقود الحوار حول مستقبل المعرفة، وتسهم في تعزيز التعاون الإقليمي بين المختصين، وتفتح آفاقاً جديدة للتكامل بين قطاع المكتبات والجامعات والمؤسسات الثقافية والتنموية.

وبرأيي، فإن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر لا تكمن في عدد أوراقه العلمية أو المشاركين فيه، وإنما في قدرته على طرح سؤال استراتيجي حول مستقبل المكتبات العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي. فالمؤتمرات الناجحة ليست تلك التي تكتفي بعرض الخبرات، بل تلك التي تعيد صياغة المفاهيم، وتفتح مسارات جديدة للعمل، وتؤثر في السياسات والممارسات المستقبلية.

ومن المتوقع أن تنعكس هذه الرؤية خلال السنوات القادمة في توسع دور المكتبات العربية لتصبح منصات للتعلم المجتمعي، وحاضنات للابتكار، ومراكز للحوار، وشركاء في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، مع التركيز بصورة أكبر على قياس الأثر المجتمعي، وبناء الشراكات، والاستفادة من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي دون التفريط بالقيم الإنسانية التي تقوم عليها رسالة المكتبة.

وفي تقديري، فإن هذا المؤتمر يمثل محطة مهمة في مسيرة تطوير قطاع المكتبات العربي، لأنه انتقل بالنقاش من إدارة المرافق إلى إدارة الأثر، ومن حفظ المعرفة إلى توظيفها في خدمة الإنسان، ومن قياس النشاط إلى قياس القيمة المجتمعية.
وهذا هو جوهر المسؤولية المجتمعية في معناها الحقيقي: أن تتحول المعرفة إلى خدمة عامة، وأن تصبح المكتبات فضاءات تصنع الإنسان قبل أن تحفظ الكتب، وتبني المستقبل قبل أن توثق الماضي. فحين تحقق المكتبات هذه الرسالة، فإنها تصبح إحدى أهم مؤسسات القوة الناعمة، وشريكاً أساسياً في بناء مجتمعات المعرفة التي تتطلع إليها دولنا العربية.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية شريكاً استراتيجياً في «جائزة المؤشر العربي للمسؤولية الاجتماعية»

اختيار من اتحاد الغرف العربية يؤكد المكانة الإقليمية للشبكة ودورها في ترسيخ ثقافة الاستدامة وقياس …

اترك تعليقاً