نخلة التمر.. ثروة الصحراء التي تنتظر حلول المختبر

 

الدكتور عبد الباسط عودة إبراهيم

  • الإجهاد الحراري والمائي يؤثر في نمو الثمار ونضجها.. والبحث الزراعي مطالب بتقديم حلول ميدانية سهلة التطبيق ومناسبة التكلفة.

• النخلة منظومة غذائية وبيئية متكاملة.. ومستقبل القطاع يتطلب بحوثاً تطبيقية تصل إلى المزارع وتساعده على تحسين الإنتاج والجودة بتكلفة مناسبة.

حوار خاص بشبكة بيئة أبوظبي، بصفتها شريك إعلامي لكونجرس نخيل التمر بالمملكة المغربية، 02 اكتوبر 2026
رغم ما تتمتع به نخلة التمر من قدرة طبيعية على التكيف مع البيئات الصحراوية، فإن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف ونقص المياه باتت تشكل تحديات مؤثرة في نمو الثمار وجودتها، وهو ما يضع استدامة الإنتاج الزراعي أمام متطلبات متزايدة تتعلق بإدارة الموارد المائية وتطوير الممارسات الزراعية.

وفي حوار خاص أجرته شبكة بيئة أبوظبي على هامش كونجرس نخيل التمر بالمغرب، تناول الدكتور عبد الباسط الأهمية الغذائية والبيئية لنخلة التمر، وخصائصها الطبيعية التي تساعدها على تحمل الإجهادات المناخية، موضحاً أبرز التأثيرات الفسيولوجية للحرارة والجفاف في نمو الثمار وتطورها.

كما سلط الضوء على الفجوة القائمة بين نتائج البحوث العلمية والممارسات الفعلية في مزارع النخيل، مؤكداً أهمية توجيه البحث العلمي نحو معالجة المشكلات الزراعية الميدانية، وتقديم حلول واقعية يستطيع المزارع تطبيقها بتكلفة مناسبة.

السؤال الأول: تواجه زراعة النخيل في المناطق الجافة ظروفاً متزايدة من الحرارة والجفاف والإجهاد المائي؛ كيف تؤثر هذه الضغوط في فسيولوجيا النخلة ونوعية الثمار، وما الممارسات التي تساعد المزارع على تعزيز قدرة أشجاره على التكيف؟

الدكتور عبد الباسط:
تُعد نخلة التمر من أهم الأشجار المنتجة للغذاء في المناطق الصحراوية، وتُعرف ثمارها باسم «فاكهة الصحراء»، لما تتمتع به من قيمة غذائية عالية، وكونها مصدراً غنياً بالطاقة، فضلاً عن قابليتها للتخزين والنقل لمسافات طويلة، وتوافرها للاستهلاك على مدار العام، سواء طازجة أو مصنّعة، ودخولها في صناعات غذائية متعددة تحقق قيمة مضافة.

كما تقدم زراعة النخيل منافع بيئية مباشرة وغير مباشرة، من بينها المساهمة في استقرار النظم البيئية والاجتماعية، والحد من زحف الرمال والغبار، وحماية المزروعات والمحافظة على التنوع الحيوي.

ومن النظم الزراعية المهمة التي تؤدي فيها النخلة دوراً محورياً، نظام الزراعة متعدد الطبقات؛ إذ تشكل أشجار نخيل التمر المستوى الأعلى، تليها الأشجار المثمرة مثل العنب والرمان والتين والزيتون والحمضيات والمانجو، ثم تأتي محاصيل الحبوب والأعلاف والخضروات والنباتات الطبية في المستوى الثالث.

أما من الناحية الفسيولوجية، فتتمتع نخلة التمر بخصائص تركيبية تساعدها على تحمل العديد من الإجهادات البيئية والمناخية؛ منها انتشار مجموعها الجذري أفقياً وعمودياً للوصول إلى مناطق الرطوبة في التربة، وسماكة الوريقات وتغطيتها بطبقة شمعية، إلى جانب خصائص الثغور الموجودة على أسطح الأوراق.

غير أن قدرة النخلة على التحمل لا تعني عدم تأثر إنتاجها؛ فالارتفاع الشديد في درجات الحرارة، المصحوب بالجفاف ونقص الرطوبة، ينعكس بصورة واضحة على نمو الثمار وتطورها.

وقد يؤدي الإجهاد الحراري إلى تسارع فقد الثمار لرطوبتها، وقِصر مرحلة الرطب، أو تحولها مباشرة إلى التمر دون المرور بمرحلة رطب واضحة، كما يحدث في بعض مناطق شمال السودان وجنوب مصر، حيث تصبح الثمار أكثر جفافاً وصلابة.

وتتعرض الفسائل الصغيرة المثمرة لمخاطر إضافية عندما تكون العذوق قريبة من سطح التربة، ولا سيما التربة الرملية؛ إذ تتأثر الثمار بحرارة الشمس المباشرة من الأعلى، والحرارة المنبعثة من التربة من الأسفل، ما قد يؤدي إلى ذبولها وجفافها خلال مراحل نموها.

كذلك فإن هبوب الرياح الحارة والجافة، بالتزامن مع عدم انتظام الري ونقص المياه، قد يتسبب في تجعد الثمار وانكماشها وسقوطها المبكر قبل اكتمال النضج، وقد ترتبط هذه الظروف أيضاً بزيادة بعض الاضطرابات الفسيولوجية، ومنها ظاهرة «الذنب الأبيض» (White End).

أما الإجهاد المائي الناتج عن عدم توافر مياه الري الكافية، فقد يؤدي إلى تأخر التزهير، وتساقط الثمار، وتراجع حجمها ونوعيتها، فضلاً عن بطء النمو وضعف الأشجار وجفاف نسبة من السعف. وتكون الفسائل المزروعة حديثاً أكثر عرضة للذبول والجفاف، وقد يصل الضرر إلى موتها في حالات الإجهاد الشديد.
ومن هنا، تبرز أهمية الانتباه إلى الظروف الحرارية والمائية المحيطة بالنخلة، خصوصاً خلال المراحل الحساسة من نمو الثمار ونضجها.

من المختبر إلى الحقل.. أين تكمن الفجوة؟
السؤال الثاني: بعد مسيرة طويلة جمعت بين البحث العلمي والعمل الميداني والتأليف والابتكار، أين ترون الفجوة الأكبر بين نتائج البحوث العلمية والممارسات الفعلية داخل مزارع النخيل، وكيف يمكن لمؤتمر المغرب أن يساعد في نقل المعرفة العلمية بصورة أسرع إلى المزارع؟

الدكتور عبد الباسط:
هناك فجوة كبيرة بين البحث العلمي، الذي تنتجه الجامعات ومراكز البحوث، وبين الاحتياجات الفعلية للمزارعين داخل الحقول.

فالمزارع يحتاج إلى البحث التطبيقي الذي ينطلق من مشكلة زراعية قائمة، ويسعى إلى إيجاد حلول عملية لمعالجتها، بما يساعد على زيادة الإنتاج وتحسين جودته.

ولذلك، فإن المطلوب هو التركيز على بحوث تقدم حلولاً واقعية وسهلة التطبيق وقليلة التكلفة؛ لأن المزارع يحتاج إلى نتائج علمية يستطيع تحويلها إلى ممارسة فعلية داخل مزرعته.

خلاصة الحوار
يضع هذا الحوار قضيتين مترابطتين في صدارة النقاش حول مستقبل نخيل التمر: الأولى أن التحمل الطبيعي للنخلة لا يحول دون تأثر إنتاجها وجودة ثمارها بالإجهادات المناخية، والثانية أن تطوير القطاع يتطلب تقليص المسافة بين المعرفة العلمية وواقع الممارسة الزراعية.

ومن هنا تبرز أهمية المؤتمرات العلمية المتخصصة، ومنها كونجرس نخيل التمر بالمغرب، بوصفها فرصة لفتح الحوار بين الباحثين والخبراء والمزارعين، وتشجيع توجيه البحث العلمي نحو التحديات الميدانية ذات الأولوية.

فمستقبل نخيل التمر لا يتوقف على إنتاج المزيد من المعرفة العلمية فحسب، بل على قدرتنا على تحويل هذه المعرفة إلى حلول عملية تصل إلى المزارع وتساعده على حماية إنتاجه وتحسين جودته.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

مستقبل نخيل التمر يُقاس بقدرته على مواجهة تغير المناخ

  المهندس عماد سعد: • المياه يجب أن تكون في قلب معادلة تطوير الواحات.. والهدف …

اترك تعليقاً