دراسة حول حرائق الواحات والغابات في المغرب (03 – 05)

بين الاستراتيجيات الحكومية القطاعية وتداعيات التغيرات المناخية: دراسة تحليلية مقارنة مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا.

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 27 يوليو 2026

الفصل الثاني: تقييم الاستراتيجية الحكومية المغربية في الوقاية ومكافحة حرائق الغابات في ظل التغيرات المناخية
أمام تزايد مخاطر حرائق الغابات نتيجة التغيرات المناخية، انتقلت المقاربة المغربية من التدخل بعد وقوع الحرائق إلى اعتماد سياسة وقائية متكاملة ترتكز على التنبؤ المبكر، والتعبئة المؤسساتية، والتدخل السريع، واستعمال التكنولوجيا الحديثة. ويأتي هذا التحول في إطار تنزيل استراتيجية “غابات المغرب 2020–2030″، التي جعلت من حماية الرأسمال الغابوي أحد محاورها الأساسية، بالنظر إلى ما تمثله الغابات من رصيد بيئي واستراتيجي يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والتكيف مع التغيرات المناخية (ANEF, 2024).
وتؤكد تقارير الوكالة الوطنية للمياه والغابات أن ارتفاع درجات الحرارة، وتوالي سنوات الجفاف، وزيادة تواتر موجات الحر، جعلت موسم الحرائق يمتد لفترات أطول مقارنة بالعقد الماضي، مما فرض مراجعة وسائل الرصد والوقاية والتدخل، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.

المبحث الأول: الإطار المؤسساتي والاستراتيجية الوطنية
تعتمد منظومة مكافحة حرائق الغابات بالمغرب على مقاربة متعددة القطاعات، تشارك فيها مؤسسات مدنية وعسكرية، وتقوم الوكالة الوطنية للمياه والغابات بدور المنسق الوطني، بينما تتولى الوقاية المدنية عمليات الإخماد الأرضية، وتساهم القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات الملكية الجوية في التدخل الجوي واللوجستيكي، إضافة إلى السلطات الترابية والجماعات المحلية.
كما يعتمد المغرب على اللجان الإقليمية والإقليمية المشتركة خلال موسم الصيف لتنسيق عمليات الرصد والاستجابة، مع تعبئة الموارد البشرية واللوجستية قبل بداية موسم الحرائق، خاصة في الجهات المصنفة عالية الخطورة مثل طنجة–تطوان–الحسيمة وفاس–مكناس.

المبحث الثاني: منظومة الوقاية والإنذار المبكر
أصبحت الوقاية تمثل الركيزة الأساسية للسياسة المغربية، حيث تعتمد الوكالة الوطنية للمياه والغابات على نظام متكامل لتوقع مخاطر الحرائق يعتمد على البيانات المناخية والغطاء النباتي ونماذج الرطوبة وسرعة الرياح ودرجات الحرارة، ويتم إصدار خرائط يومية تحدد مستويات الخطورة حسب الأقاليم والغابات.
كما يتم استخدام صور الأقمار الصناعية الأوروبية ضمن برنامج Copernicus، إضافة إلى بيانات EFFIS لرصد البؤر الحرارية ومراقبة المساحات المحترقة في الزمن شبه الحقيقي، وهو ما ساهم في تحسين سرعة اكتشاف الحرائق وتقليص زمن التدخل مقارنة بالسنوات السابقة.
وتعتمد الوكالة كذلك على أبراج المراقبة، والدوريات البرية، والاستشعار عن بعد، والخرائط الرقمية للمخاطر، مع نشر البلاغات التحذيرية خلال فترات الحرارة المرتفعة.

المبحث الثالث: تطور مؤشرات فعالية التدخل (2021–2025)
تشير البيانات الرسمية إلى أن المغرب تمكن من تحسين مؤشرات التدخل خلال السنوات الأخيرة، رغم الظروف المناخية الصعبة. فقد سجلت سنة 2022 أكبر مساحة متضررة خلال الفترة المدروسة، نتيجة موجات الحر الاستثنائية، في حين شهدت سنتا 2024 و2025 انخفاضاً ملحوظاً في المساحات المحترقة، وهو ما يعكس فعالية الإجراءات الوقائية والتدخل المبكر.

تحليل المؤشرات
توضح المعطيات أن سنة 2025 سجلت 418 حريقاً أتى على 1,728 هكتاراً فقط، أي بمعدل يقارب 4 هكتارات للحريق الواحد، وهو من أدنى المعدلات المسجلة خلال العقدين الأخيرين، رغم استمرار موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. كما أعلنت الوكالة الوطنية للمياه والغابات أن المساحات المتضررة انخفضت بنحو 65% مقارنة بمتوسط العقد الماضي، وهو مؤشر على تحسن الأداء الوقائي والاستجابة السريعة.
كما تركزت غالبية الحرائق في جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، التي سجلت حوالي 40% من بؤر الحرائق و89% من المساحات المحترقة خلال سنة 2025، وهو ما يعكس هشاشة الغطاء الغابوي بهذه الجهة وضرورة إعطائها أولوية في برامج الوقاية.

المبحث الرابع: تحليل SWOT للاستراتيجية الحكومية

الفرص التهديدات
الذكاء الاصطناعي تغير المناخ
الطائرات بدون طيار موجات الحر
التعاون الأوروبي الجفاف
التمويل الأخضر توسع المجال الحضري
المصدر: إعداد الخبير البيئي مصطفى بنرامل اعتماداً على تقارير حكومية (2025)

المبحث الخامس: تقييم عام للاستراتيجية
تظهر النتائج أن المغرب انتقل تدريجياً من سياسة ترتكز على إخماد الحرائق إلى مقاربة أكثر شمولاً تعتمد على الوقاية والتوقع المسبق، وهو تحول ينسجم مع التوجهات الدولية في إدارة مخاطر الكوارث. كما أسهم الاستثمار في نظم الإنذار المبكر، والمراقبة بالأقمار الصناعية، ورفع جاهزية فرق التدخل، في تقليص المساحات المتضررة خلال الموسمين الأخيرين رغم استمرار الظروف المناخية الصعبة. ومع ذلك، ما تزال هناك تحديات تتعلق بتغير المناخ، والضغط البشري على الغابات، والحاجة إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار، وتعزيز مشاركة الساكنة المحلية في الوقاية، بما ينسجم مع التجارب الرائدة في دول حوض البحر الأبيض المتوسط.

(*) مصطفى بنرامل
استشاري مغربي في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، بخبرة تفوق 25 سنة في التأطير وتطوير البرامج. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. حاصل على عدة شهادات متخصصة في تكوين المكونين وتدبير الكوارث من جامعات ومؤسسات دولية ووطنية مرموقة. ساهم في تصميم وتنفيذ برامج التربية البيئية والمناخية وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة لدى مختلف الفئات.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الغسيل الأخضر كأداة لغسيل الوعي (03 – 04)

  دراسة تحليلية نقدية مقارنة (عالمياً، عربياً، ومغربياً) شبكة بيئة ابوظبي، بقلم مصطفى بنرامل، الخبير …

اترك تعليقاً