التعليم والتربية والمبادرات العلمية في دولة الإمارات
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 23 أغسطس 2026
أولت دولة الإمارات التعليم اهتمامًا كبيرًا لقناعتها بأنّه اللبنة الأساس لتقدّم البلاد وشعبها، فحرصت على تطويره ليضاهي أرقى المعايير العالمية، ورعت النوعية في التعليم الأساسي والجامعي، وقدّمت المخصّصات المتزايدة لتمويل خطط تطوير العملية التعليمية، ودعمها بكل ما تحتاجه لضمان تنفيذها وفق البرامج الزمنية المستهدفة. ويكفي أن نلاحظ حجم الأموال التي يتمّ رصدها لقطاع التعليم والتربية ضمن الموازنة الماليّة السنويّة العامّة، لنلمس مقدار هذا الاهتمام وتلك الرعاية.
لقد قامت الدولة بالعديد من المبادرات العلمية والتطبيقية التي تستهدف تعزيز قدرات الجامعات العاملة في الإمارات على التواصل مع نظيراتها في الخارج، ممّا شكّل نقلة نوعية للتعليم الجامعي، والارتقاء به إلى المعايير العالمية المتعارف عليها، فأسهم هذا الأمر في تعزيز الانفتاح على الجامعات العالمية المرموقة، والاستفادة من إمكانياتها العلمية، بالإضافة إلى تعزيز جهود البحث العلمي داخل الجامعات.
إنّ اهتمام الإمارات بالتعليم دفع بالعديد من الجامعات الأجنبية المرموقة لفتح فروع لها في الإمارات، مثل الجامعة الأميركية في الشارقة وفي دبي، وجامعتي باريس – السوربون في أبوظبي، وغيرها، كدلالة واضحة على مستوى التطوّر الذي يشهده التعليم الجامعي في الإمارات، والذي يخدم سياسات الدولة نحو بناء اقتصاد المعرفة الذي بات يُعتبر حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية الشاملة.
وإمعانًا في الارتقاء نحو مستويات الدول الأكثر تقدّمًا وتطوّرًا، أنشئت جامعات وكليّات ومعاهد متخصّصة تخدم خطط الدولة وأهدافها التنموية، كجامعة الهندسة النووية، ومعهد “مصدر” للعلوم والتكنولوجيا الذي يعنى بالدراسات العليا وبحوث الطاقة المتجدّدة، وغيرها الكثير من المبادرات التي تؤكّد أنّ منظومة التعليم العالي أصبحت تتفاعل مع الطموحات الوطنية الكبيرة في تبوّء الاقتصاد الإماراتي مكانة عالمية مرموقة.
أمّا في باقي قطاعات التعليم غير الجامعيّة، فقد لمسنا سنة بعد أخرى الارتفاع الملحوظ في عدد الطلاّب والمعلّمين والمدارس على امتداد مساحة الوطن. وحصلت المرأة في دولة الإمارات على المرتبة الأولى عالميًّا من حيث معدّلات التحصيل العلمي للنساء، بحسب التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين الذي أعدّه المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2012. وقد أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتدريب المعلمين حسب المتطلبات العالمية، كما أنّها تُعدّ من أوائل الدول إقليميًّا التي تطوّر التعليم الذكي من خلال التوجّه إلى التكنولوجيا الحديثة، كاستخدام الأجهزة اللوحيّة في المراحل التعليمية الدنيا والعليا،
وفي هذا الإطار تمّ في العام 2012 إطلاق برنامج محمد بن راشد للتعلّم الذكي في جميع مدارس وجامعات الدولة، وهدف هذا البرنامج خلق بيئة تعليميّة جديدة تضمّ صفوفًا ذكية في المدارس، وهو خطوة تضع المجتمع الإماراتي وأجياله الناشئة والشابّة على سلّم الارتقاء العلمي العالمي، وفي قلب تحدّيات العصر، لتكون الإمارات من الدول التي تواكب التطوّر من مختلف جوانبه.
في العام 2016، وضعت دولة الإمارات خطّة تطوير شاملة للتعليم في الإمارات، بهدف جعل جيل بأكمله يمتلك مهارات المستقبل ويواكب التغييرات في العالم، وتقوم الخطّة على عدد من المرتكزات التي تدعم المشروع الوطني الطموح لتطوير المؤسّسة التعليميّة، وشملت تغييرات كبيرة في المناهج والمهارات الطلابية ومساراتهم التعليمية وأنظمة جديدة لتقييمهم المدرسي، وتطوير متكامل لمناهج رياض الأطفال مع مراعاة مشاركة أولياء الأمور، ووضع برنامج متكامل للقراءة المتدرّجة في مختلف المراحل الدراسية، ووضع مناهج جديدة للتكنولوجيا والتصميم الابتكاري والعلوم الصحيّة والإرشاد الوظيفي ومهارات الحياة وإدارة الأعمال، وإنشاء مسار جديد يقسّم الطلاب إلى مسار عام وآخر متقدّم بدلاً من القسمين العلمي والأدبي بهدف مواكبة الميول التعليمية لهم، واعتماد “مسار النخبة” لتوفير عناية خاصّة للطلاب النوابغ في العلوم والرياضيات والذين سيتولون قيادة القطاعات العلمية والحيوية في المستقبل، وأصبحت لغة العصر من برمجة وعلوم كمبيوتر مقرّرًا دراسيًّا متدرّجًا وكاملاً من الصف الأوّل حتى الثاني عشر، انطلاقًا من أنّ الأميّة مستقبلاً هي أميّة علوم الكمبيوتر والبرمجة وما يتبعها.
كما تمّ التركيز في الخطّة الجديدة على مهارات التفكير النقدي وتطوير مهارات العمل الجماعي والابتكار وحل المشكلات باستخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وتمّ دمج مواد التاريخ والجغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع في مادّة واحدة تحت اسم “الدراسات الاجتماعية والتربية الوطنية”، ووُضعت مقرّرات للفنون التطبيقية والبصرية بهدف تطوير النقد والإقناع والبحث والتحليل والربط بين الفنون والتاريخ لدى الطلاب، بالإضافة إلى وضع منهج متكامل للفنون الموسيقية مع ربط مادة التربية الموسيقية بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة.
وتمّ أيضًا التركيز على مهارات القراءة الحرّة والتخصّصية وتكوين شخصية إماراتية منفتحة ومتسامحة وقادرة على مواكبة التغيّرات العلمية من حولها، وعلى وضع منهج للإرشاد بهدف تطوير الفكر التربوي والتعليمي والإلكتروني للطلاب والربط بين عالم المدرسة وعالم الأعمال، بالإضافة إلى تطوير مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية وإضافة منهج متكامل لإدارة الأعمال والمهارات الحياتية، وتطوير مناهج الرياضيات في كافة المراحل لتتوافق مع الاختبارات الدولية المعتمدة، ووضع منهج متكامل للتربية البدنية والصحية بهدف رفع الوعي الصحي والنشاط البدني واللياقة الطبية لدى الطلاب، وتطوير منهج متكامل للعلوم الصحية بالتعاون بين كلية فاطمة للعلوم الصحية وجامعة “موناشو” الأسترالية، ليكون الطالب المستجيب الأوّل لحالات الطوارئ التي يواجهها في الحياة، وكذلك مواءمة كتب اللغة الإنكليزية مع كتب جامعة “كامبريدج” بإشراف اختصاصيّين من وزارة التربية الإماراتية وهذه الجامعة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز