عماد سعد:
• عشية COP31 في أنطاليا… هل يستطيع العالم كسر الحلقة المفرغة للتعهدات المناخية والانتقال إلى منظومة دولية تحاسب على النتائج؟
• لماذا تتكرر التعهدات المناخية في كل قمة، بينما تظل نتائج التنفيذ أقل بكثير من حجم التحديات التي يواجهها كوكب الأرض؟
• إن أزمة المناخ لا تنتظر القمة التالية، ولا تعترف بالنجاحات الدبلوماسية ما لم تتحول إلى نتائج بيئية وإنسانية ملموسة.
• كفى إعادة تدوير الوعود المناخية… لقد حان وقت المساءلة عن التعهدات، وتحويل القرارات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى أثر مستدام في حياة الإنسان والطبيعة.
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 03 نوفمبر 2026
ثلاثون قمة من المفاوضات… فهل حان وقت المساءلة؟
مع اقتراب انعقاد الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31)، التي تستضيفها مدينة أنطاليا التركية خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال جوهري لم يعد من الممكن تجاهله: لماذا تتكرر التعهدات المناخية في كل قمة، بينما تظل نتائج التنفيذ أقل بكثير من حجم التحديات التي يواجهها كوكب الأرض؟
تكاد كل رئاسة جديدة لمؤتمر المناخ تعلن، بصورة أو بأخرى، عزمها الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، ومن الطموحات إلى النتائج. ومع انتهاء المؤتمر، تصدر البيانات الختامية، وتُعلن المبادرات، وتُحتفى بالاتفاقات، قبل أن ينتقل العالم إلى الاستعداد للقمة التالية، حاملاً معه كثيراً من الالتزامات التي لم تجد طريقها الكامل إلى التطبيق.
ولا يعني ذلك أن مؤتمرات المناخ لم تحقق إنجازات. فقد أسهمت في بناء منظومة دولية غير مسبوقة للتعاون المناخي، وكان اتفاق باريس لعام 2015 محطة مفصلية في توحيد الجهود العالمية. لكن المشكلة تكمن في اتساع الفجوة بين التقدم الدبلوماسي والنتائج البيئية الفعلية.
لقد أصبح السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: ماذا ستتعهد به الدول في أنطاليا؟ بل: ماذا نفذت الدول من تعهداتها السابقة، ومن يتحمل مسؤولية التأخر، وكيف يمكن تصحيح المسار؟
الأرقام تكشف حجم الفجوة بين الطموح والواقع
تؤكد الأدلة العلمية أن وتيرة الاستجابة العالمية لا تزال غير كافية. فوفقاً لتقرير فجوة الانبعاثات لعام 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن استمرار السياسات الحالية قد يقود إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بنحو 2.8 درجة مئوية خلال هذا القرن، بينما قد يؤدي التنفيذ الكامل للمساهمات المحددة وطنياً، مع استمرار جهود مماثلة لاحقاً، إلى حصر الاحترار عند نحو 2.6 درجة مئوية.
ويشير التقرير إلى أن الوصول إلى مسار يتيح العودة إلى مستوى 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، بعد تجاوز مؤقت لهذا المستوى، يتطلب تخفيض الانبعاثات العالمية بنسبة 45% بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات عام 2025، إلى جانب تحولات اقتصادية وتكنولوجية واسعة النطاق.
هذه الأرقام لا تعكس فشلاً مطلقاً للعمل المناخي، لكنها تكشف أن وتيرة التغيير لا تتناسب مع حجم المخاطر.
فالعالم يمتلك المعرفة العلمية والتقنيات والحلول اللازمة لتسريع التحول، لكنه يواجه صعوبات سياسية واقتصادية ومؤسسية في تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج مستدامة.
وهنا تتجلى المفارقة: كلما ازدادت دقة المعرفة العلمية بشأن تغير المناخ، ازدادت الحاجة إلى آليات تنفيذ تتجاوز لغة التعهدات التقليدية.
لماذا تتعثر التعهدات المناخية؟
يمكن تفسير استمرار الفجوة بين التعهد والتنفيذ من خلال ثلاث اختلالات مترابطة.
1.أولها اختلال المساءلة. إذ يقوم اتفاق باريس على المساهمات التي تحددها الدول بنفسها، وعلى آليات الشفافية والمراجعة والتقييم الجماعي، دون وجود نظام عقوبات دولية مباشرة على عدم تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الوطنية.
ورغم أهمية هذا النهج في تشجيع المشاركة الدولية، فإنه يترك مساحة واسعة بين إعلان الالتزام وتحقيقه.
2.وثانيها اختلال التمويل. فالكثير من الدول النامية تواجه تحديات مالية ومؤسسية تحول دون تنفيذ خططها المناخية، في حين تتداخل التعهدات المالية الدولية مع القروض والاستثمارات والتمويل المشروط، بما يجعل الوصول إلى الموارد المطلوبة أكثر تعقيداً.
3.أما الاختلال الثالث فهو ضعف الاستمرارية المؤسسية. فمع انتقال رئاسة مؤتمر المناخ سنوياً بين الدول، تتغير الأولويات السياسية والبرامج الإعلامية، بينما تحتاج المشروعات المناخية إلى سنوات طويلة من التمويل والمتابعة والتقييم.
وهكذا تتراكم القرارات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على تنفيذها.
من دبلوماسية التعهدات إلى حوكمة التنفيذ
إن تجاوز هذا المأزق يتطلب تحولاً في فلسفة إدارة العمل المناخي الدولي، بحيث تصبح مساءلة الدول عن التقدم المحرز جزءاً أساسياً من العملية التفاوضية. ولتحقيق ذلك، يمكن تبني ست مسارات متكاملة.
1. مراجعة التعهدات السابقة قبل الإعلان عن تعهدات جديدة
ينبغي أن تبدأ مؤتمرات المناخ بمراجعة منظمة لما تحقق من الالتزامات السابقة، بدلاً من التركيز الإعلامي والسياسي على إعلان مبادرات جديدة. وتشمل هذه المراجعة مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية، وتحديد أسباب التأخر، وتقييم كفاءة السياسات والتمويل. ولا يتطلب ذلك بالضرورة إنشاء جهاز بيروقراطي جديد، بل يمكن تطوير آليات الشفافية والمراجعة الفنية القائمة ضمن اتفاق باريس.
2. تحويل الالتزامات إلى خطط تنفيذ وطنية قابلة للقياس
لا يكفي الإعلان عن تحقيق الحياد المناخي بحلول منتصف القرن دون تحديد الإجراءات التي ستُنفذ خلال السنوات القليلة المقبلة. فكل التزام مناخي ينبغي أن يرتبط بخطة واضحة تتضمن مؤشرات أداء، وجدولاً زمنياً، ومصادر تمويل، وجهات مسؤولة عن التنفيذ. إن الانتقال من الأهداف بعيدة المدى إلى نتائج مرحلية قابلة للتحقق يمثل أحد أهم شروط استعادة الثقة في العمل المناخي الدولي.
3. بناء منظومة شفافة للمساءلة عن التعثر
المساءلة المناخية لا ينبغي أن تعني بالضرورة فرض العقوبات، وإنما توفير معلومات موثوقة تسمح بتحديد أسباب النجاح والإخفاق. ويمكن تطوير آلية دولية تنشر تقارير دورية مبسطة حول التقدم المحرز، وتكشف فجوات التنفيذ، وتقترح إجراءات تصحيحية تراعي القدرات المختلفة للدول. ويجب أن تميز هذه الآلية بين الدول التي تتأخر بسبب نقص الموارد والتكنولوجيا، وتلك التي تمتلك الإمكانات لكنها لا تتخذ الإجراءات الكافية.
4. قياس التمويل المصروف لا التمويل الموعود
أصبح من الضروري إعادة تعريف النجاح في ملف التمويل المناخي. فالإعلان عن تخصيص مليارات الدولارات لا يعني بالضرورة وصولها إلى المشروعات والمجتمعات المستهدفة. وينبغي أن تعتمد التقارير المالية على التمييز بين الأموال المتعهد بها، والمعتمدة، والمصروفة فعلياً، مع تقييم أثرها في خفض الانبعاثات وتعزيز التكيف والمرونة المناخية. كما ينبغي تطوير أدوات تمويل عادلة لا تزيد أعباء الديون على الدول الأكثر هشاشة.
5. إشراك المدن والمجتمع المدني في تقييم الأثر
لا يمكن تحقيق التحول المناخي بالاعتماد على الحكومات الوطنية وحدها. فالمدن والبلديات والجامعات والمؤسسات الاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني تمتلك أدواراً أساسية في تنفيذ السياسات وتحويلها إلى نتائج محلية. ومن هنا تبرز أهمية المسؤولية المجتمعية بوصفها إطاراً مؤسسياً يربط التزامات الشركات والمؤسسات بالأهداف المناخية، وينقلها من المبادرات الموسمية إلى الاستثمار في الأثر طويل المدى. ويجب أن يصبح قياس التحسن في جودة الحياة، وكفاءة استخدام الموارد، وحماية النظم البيئية، وقدرة المجتمعات على التكيف، جزءاً من تقييم نجاح العمل المناخي.
6. ضمان استمرارية التنفيذ بين القمم
من أبرز الإصلاحات المطلوبة الانتقال من دورة المتابعة السنوية المرتبطة بالمؤتمر إلى برامج تنفيذ متعددة السنوات. ويمكن اعتماد آلية متابعة مشتركة بين رئاسة القمة الحالية والرئاسات اللاحقة، بحيث لا تنتهي المسؤولية السياسية بانتهاء المؤتمر. كما يمكن إصدار تقارير تقدم نصف سنوية حول المبادرات الرئيسية، مع تحديد الاختلالات والإجراءات التصحيحية المطلوبة. إن استمرارية المتابعة أهم من استمرارية الشعارات.
ميثاق أنطاليا للمساءلة والتنفيذ المناخي… مقترح عملي
في ضوء هذه التحديات، يمكن لقمة COP31 أن تشكل فرصة لإطلاق مبادرة نوعية بعنوان “ميثاق أنطاليا للمساءلة والتنفيذ المناخي 2026–2030”. ويمثل هذا الميثاق مقترحاً إصلاحياً، وليس وثيقة معتمدة أو مبادرة معلنة من رئاسة المؤتمر.
وتقوم فكرته على خمس مرتكزات: إنشاء سجل دولي واضح للتعهدات ونتائج تنفيذها؛ واعتماد خطط وطنية مرحلية محددة المسؤوليات؛ وتعزيز شفافية التدفقات المالية؛ وتطوير مراجعة فنية مستقلة لفجوات التنفيذ؛ وضمان المتابعة المستمرة بين مؤتمرات الأطراف.
ويمكن بناء هذه المبادرة على إطار الشفافية المعزز والتقييم العالمي لاتفاق باريس، بدلاً من إنشاء مؤسسات موازية أو مضاعفة الأعباء الإدارية على الدول.
أما نجاح الميثاق فيتطلب توافقاً دولياً حول معايير القياس، وتوفير الدعم للدول الأقل قدرة، واحترام مبدأ المسؤوليات المشتركة وإن كانت متباينة، وفقاً للظروف والقدرات الوطنية.
العدالة المناخية شرط لنجاح المساءلة
من الخطأ التعامل مع جميع الدول باعتبارها تمتلك القدرات نفسها لتنفيذ التزاماتها المناخية.
فالدول الأقل إسهاماً تاريخياً في الانبعاثات غالباً ما تواجه تحديات أكبر في التكيف مع آثار التغير المناخي، خصوصاً في مجالات المياه والغذاء والصحة والبنية التحتية.
ولهذا ينبغي ألا تتحول المساءلة المناخية إلى أداة ضغط إضافية على الاقتصادات الهشة، بل إلى وسيلة لتحديد الاحتياجات، وتوجيه التمويل، وتعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات. فالعدالة المناخية ليست قضية أخلاقية فحسب، وإنما شرط عملي لنجاح التعاون الدولي واستدامته. ومن دون معالجة اختلالات التمويل والقدرات، ستظل بعض الدول مطالبة بتحقيق أهداف لا تمتلك الموارد الكافية لتنفيذها.
كيف نقيس نجاح قمة أنطاليا؟
لا ينبغي اختزال نجاح مؤتمر المناخ في عدد المشاركين، أو حجم التغطية الإعلامية، أو عدد المبادرات المعلنة، أو حتى مجرد التوصل إلى اتفاق ختامي. فالنجاح الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة مستويات من القياس.
الأول هو الأثر البيئي، من خلال التحقق من اتجاه الانبعاثات الفعلية، والتقدم في التحول الطاقي، وحماية النظم البيئية.
والثاني هو الأثر المالي والمؤسسي، من خلال قياس حجم التمويل الذي وصل إلى الجهات المستحقة، وكفاءة استخدامه، ومدى تحويل الخطط إلى مشروعات.
أما الثالث فهو الأثر الإنساني والمجتمعي، من خلال تقييم التحسن في قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة وغيرها من المخاطر المناخية.
وبطبيعة الحال، لا يمكن نسبة التغير في الانبعاثات العالمية إلى مؤتمر واحد، ولا تظهر جميع النتائج خلال أشهر قليلة. لذلك ينبغي تقييم نجاح القمة من خلال جودة القرارات التنفيذية التي تتبناها، ثم متابعة آثارها خلال السنوات اللاحقة.
هل يحتاج العالم إلى قمم أكثر أم إلى تنفيذ أفضل؟
لقد أدت مؤتمرات المناخ دوراً تاريخياً مهماً في بناء الإجماع الدولي حول خطورة التغير المناخي، لكنها تواجه اليوم اختباراً مختلفاً. لم يعد التحدي مقتصراً على إقناع العالم بوجود الأزمة، بل أصبح متعلقاً بقدرته على إدارة التحول الاقتصادي والبيئي والاجتماعي المطلوب لمواجهتها.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إلغاء المؤتمرات أو التقليل من أهمية التفاوض الدولي، وإنما إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تصبح متابعة التنفيذ في صدارة جدول الأعمال. إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الوثائق التي تؤكد خطورة التغير المناخي بقدر حاجته إلى مؤسسات وسياسات وتمويل وشراكات قادرة على تحويل المعرفة إلى قرارات، والقرارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى نتائج قابلة للقياس.
الخاتمة: لا قمة ناجحة بلا أثر ملموس
قد تكون قمة أنطاليا فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة في منظومة العمل المناخي الدولي، شريطة ألا تكتفي بتكرار الوعود التي سمعها العالم خلال العقود الماضية.
فالتحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح الدول مستعدة لمراجعة ما لم تنفذه بالجدية نفسها التي تعلن بها التزاماتها الجديدة.
ويبدأ أيضاً عندما يصبح التمويل المناخي وسيلة لصناعة الأثر، لا مجرد رقم في بيان ختامي، وعندما تتحول العدالة المناخية من مبدأ تفاوضي إلى واقع ينعكس على حياة المجتمعات الأكثر هشاشة.
إن أزمة المناخ لا تنتظر القمة التالية، ولا تعترف بالنجاحات الدبلوماسية ما لم تتحول إلى نتائج بيئية وإنسانية ملموسة.
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تحملها قمة أنطاليا إلى العالم واضحة: “كفى إعادة تدوير الوعود المناخية… لقد حان وقت المساءلة عن التعهدات، وتحويل القرارات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى أثر مستدام في حياة الإنسان والطبيعة”.
المراجع العلمية والمؤسسية
1. برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، تقرير فجوة الانبعاثات 2026: نقطة العودة، أكتوبر 2026.
https://www.unep.org/en/publications/report/emissions-gap-report-2026
2. برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، تقرير فجوة الانبعاثات 2025.
https://www.unep.org/en/publications/report/emissions-gap-report-2025
3. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، الموقع الرسمي لمؤتمر COP31 في أنطاليا.
https://unfccc.int/cop31
4. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، اتفاق باريس وآليات تنفيذه.
https://unfccc.int/process-and-meetings/the-paris-agreement
5. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، إطار الشفافية المعزز لاتفاق باريس.
https://unfccc.int/Transparency
6. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، التقييم العالمي لاتفاق باريس.
https://unfccc.int/topics/global-stocktake
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز