مستقبل التحرير الجيني في الزراعة المستدامة

سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (59)

شبكة بيئة أبو ظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 28 سبتمبر 2026
تواجه الزراعة سؤالًا يزداد إلحاحًا: كيف ننتج غذاءً كافيًا في ظل ارتفاع الحرارة، وندرة المياه، وتدهور بعض الأراضي، وانتشار الآفات؟ لا تكفي زيادة المساحات المزروعة وحدها للإجابة؛ فالأرض والماء موردان محدودان. ومن هنا يبرز التحرير الجيني أداةً واعدة لتطوير محاصيل تتكيف مع هذه الضغوط، وتستخدم الموارد بكفاءة أكبر. لكن قيمة هذه الأداة لن تُقاس بما يحدث في المختبر، بل بما تحققه في الحقل وعلى مائدة المستهلك.

ما المقصود بالتحرير الجيني؟
يتيح التحرير الجيني، ومن أشهر أدواته نظام «كريسبر»، إجراء تغيير محدد في المادة الوراثية للنبات. فقد يعطّل الباحثون جينًا يزيد قابلية النبات للإصابة بمرض، أو يعدّلون جزءًا يتحكم في صفة مرغوبة. وبعض هذه التغييرات لا يتطلب إدخال جين من نوع آخر. ومع ذلك، لا تعني دقة استهداف موضع معين أن النتيجة مضمونة سلفًا؛ فالجينات تتفاعل بعضها مع بعض ومع البيئة، ولذلك يحتاج النبات الناتج إلى فحص وتجارب قبل اعتماده.

محاصيل أقدر على مواجهة المناخ
حين تضرب موجة حر حقل قمح، أو يتأخر وصول مياه الري إلى محصول، قد يهبط الإنتاج حتى لو بقي النبات حيًا. ولهذا لا يكفي أن نصف صنفًا بأنه «يتحمل الجفاف» لأنه نجا من العطش داخل غرفة تجارب. المطلوب أن يحافظ على محصول مقبول وجودة مناسبة في ظروف الزراعة الفعلية. ويمكن للتحرير الجيني أن يساعد المربين على دراسة الصفات المرتبطة باستخدام الماء وتحمل الحرارة والملوحة، ثم تحسينها. غير أن هذه الصفات معقدة، ويجب اختبارها عبر مواسم ومواقع متعددة قبل الوعد بفائدتها للمزارع.

ولمصر مصلحة واضحة في هذا الاتجاه. فالسؤال البحثي المفيد ليس: «هل نستطيع تحرير جين في القمح؟» بل: «هل ينتج الصنف الجديد حبوبًا مستقرة في أراضٍ مصرية تتعرض للحرارة أو الملوحة، وبكمية ماء يمكن توفيرها؟». هكذا تبدأ الأبحاث من احتياجات المزارع، ثم تعود إليه بنتيجة قابلة للقياس.

تقليل الفاقد والاعتماد على المدخلات
قد تتيح مقاومة النبات لبعض الأمراض تقليل الخسائر، وربما تخفيض استخدام المبيدات في حالات محددة. كما تُدرس إمكانات تحسين كفاءة الاستفادة من العناصر الغذائية، بحيث ينتج النبات بصورة أفضل من الموارد المتاحة. لكن الأثر البيئي لا يُستنتج من اسم التقنية؛ بل يُقاس بعدد مرات الرش، وكمية السماد والمياه، وحجم المحصول، وما يحدث للآفات والتربة بمرور الوقت. وإذا اعتمد المزارعون على صنف واحد واسع الانتشار، فقد تتراجع فائدة المقاومة حين تتكيف مسببات المرض معه. لذلك ينبغي أن ترافق الأصناف الجديدة إدارة متكاملة للآفات وتنوع في المواد الوراثية المزروعة.

يمتد مفهوم الاستدامة إلى ما بعد الحصاد. فالمحصول الذي يتحمل النقل والتخزين بصورة أفضل قد يقلل الفاقد الغذائي، بشرط ألا يأتي ذلك على حساب الطعم أو القيمة الغذائية أو رغبة المستهلك. كذلك يمكن توجيه البحث إلى محاصيل محلية أهملها الاستثمار طويلًا، بدل حصر الجهد في عدد قليل من المحاصيل العالمية. فالزراعة المستدامة تحتاج تنوعًا يناسب البيئات والأذواق، لا وصفة واحدة للجميع.

من يملك البذرة ومن يجني الفائدة؟
هنا يظهر التحدي الاجتماعي إلى جانب التحدي العلمي. إذا ارتبط الصنف المحرر جينيًا بتراخيص مرتفعة الكلفة أو تعذر على برامج التربية المحلية استخدامه، فقد تصل فائدته إلى عدد محدود من المزارعين. ولهذا تحتاج الجامعات ومراكز البحوث العامة إلى تمويل طويل الأجل، وشراكات تسمح بالوصول العادل إلى أدوات البحث والبذور. كما يجب الإصغاء إلى المزارعين أنفسهم: فقد يفضّل أحدهم صنفًا أقل إنتاجًا قليلًا لكنه مبكر النضج، أو مناسب لخبز أسرته، أو أقل حاجة إلى الري. أثارت الأدبيات العلمية بالفعل مسألة حقوق الملكية وتوزيع المنافع بوصفها جزءًا من مستقبل التقنية الزراعية. .

سلامة تستند إلى الدليل وثقة تُبنى بالشفافية
لا يصح الحكم على جميع النباتات المحررة جينيًا بحكم واحد؛ فالتغيير المقصود والصفة الناتجة وطريقة استخدام المحصول عوامل تستحق التقييم. وينبغي أن تشمل الدراسة تركيب الغذاء، وأداء النبات، وأي آثار بيئية ذات صلة، مع نشر النتائج بلغة مفهومة. كما يحتاج الجمهور إلى شرح واضح للفارق بين تعديل جين موجود وإدخال مادة وراثية جديدة، من دون تصوير أي تقنية على أنها خالية من الأسئلة. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن التحرير الجيني يتيح فرصًا للأمن الغذائي والاستدامة، لكنه يتطلب معالجة مسائل السلامة والأثر الاجتماعي.

وقد شهد عام 2026 اعتماد الاتحاد الأوروبي قواعد جديدة للنباتات الناتجة عن بعض التقنيات الجينومية الحديثة، مع ترتيبات لتقييمها ومتابعة آثارها. وتُظهر هذه الخطوة أن النقاش انتقل من سؤال إتاحة التقنية وحده إلى كيفية تنظيمها ومراقبة نتائجها. ولكل بلد ظروفه الزراعية وقدرته المؤسسية، ولذلك يحتاج إلى إطار يناسب محاصيله ومزارعيه ويستند إلى أدلة قابلة للمراجعة.

مستقبل التحرير الجيني في الزراعة المستدامة واعد، لكنه ليس معجزة منفصلة عن بقية العمل الزراعي. قد يمنحنا أصنافًا أصلح للحرارة والملوحة والأمراض، بينما تظل كفاءة الري، وصحة التربة، وحفظ التنوع الوراثي، والإرشاد الزراعي شروطًا لنجاحها. والاختبار الحاسم بسيط في صياغته وصعب في تنفيذه: هل يحصل المزارع على بذرة آمنة وميسورة، تنتج غذاءً جيدًا بموارد أقل عبر مواسم متعاقبة؟ حين تكون الإجابة مدعومة بتجارب الحقول، يصبح التحرير الجيني إضافة حقيقية إلى مستقبل الزراعة.

المراجع العلمية:
1. Li, B., Sun, C., Li, J. et al. Targeted genome-modification tools and their advanced applications in crop breeding. Nat Rev Genet 25, 603–622 (2024). https://doi.org/10.1038/s41576-024-00720-2
2. FAO (2026) Gene editing and agrifood systems. FAO.
3. Genome editing and sustainable agriculture. Nat Sustain 7, 369–370 (2024). https://doi.org/10.1038/s41893-024-01343-5
4. European Commission (2026) EU legislation on new genomic techniques for plants. EU. https://food.ec.europa.eu/plants/new-genomic-techniques/legislation-plants_en?utm_source=chatgpt.com

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هل تُربّي القرود حيوانات أليفة؟

  سلوك عابر للأنواع يكشف جذورًا تطورية قديمة للتعاطف والرعاية سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم …

اترك تعليقاً