من الخيال العلمي إلى مجال بحثي متقدم..

واحات النجوم الصينية تمهد لطريق الاستدامة على القمر
الحديقة الفضائية تجمع بين التقنية الحيوية والهندسة البيئية وأنظمة دعم الحياة

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 26 سبتمبر 2026
منذ أن وطئت أقدام البشر سطح القمر لأول مرة، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإنسان يستطيع الوصول إلى عوالم أخرى، وإنما كيف يمكنه أن يبقى فيها. فالوصول إلى القمر أو المريخ يمثل تحديًا هندسيًا هائلًا، لكن إنشاء وجود بشري طويل الأمد خارج الأرض يفرض تحديات أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يكفي أن نحمل معنا الغذاء والماء والأكسجين من كوكبنا، بل ينبغي أن نتعلم كيف ننتج جزءًا من احتياجاتنا في المكان الذي نصل إليه، وأن نعيد تدوير أكبر قدر ممكن من الموارد داخل نظم بيئية مغلقة ومحكمة التحكم. ومن هنا تكتسب الزراعة الفضائية أهميتها، فهي ليست مجرد وسيلة للحصول على بعض الخضروات الطازجة لرواد الفضاء، وإنما أحد المكونات المحتملة لأنظمة دعم الحياة في الرحلات طويلة المدى والقواعد المستقبلية خارج الأرض.

وفي هذا السياق، تتحول محطة «تيانقونغ» الفضائية الصينية إلى مختبر فريد لدراسة سؤال بالغ الأهمية: هل تستطيع النباتات أن تكمل دورة حياتها وتنتج بذورًا جديدة في بيئة الجاذبية الصغرى؟ والإجابة التي بدأت تتشكل خلال السنوات الأخيرة أصبحت أكثر وضوحًا؛ فقد أثبتت تجارب صينية أن بعض المحاصيل، وعلى رأسها الأرز، يمكن أن تمر بمراحل نمو وتكاثر كاملة في المدار، بينما كشفت التجارب الجارية في عام 2026 عن تحديات أكثر دقة تتعلق بثبات الصفات الوراثية، وتكوين الحبوب، والتلقيح، وإدارة الماء والغازات داخل حيز زراعي بالغ الصغر. وهكذا لم تعد «الحديقة الفضائية» مجرد صورة من صور الخيال العلمي، بل أصبحت مجالًا بحثيًا متقدمًا يجمع بين فسيولوجيا النبات والتقنية الحيوية والهندسة البيئية وأنظمة دعم الحياة.

من إنبات البذرة إلى إنتاج جيل جديد
كان أحد أهم التحولات في أبحاث الزراعة الفضائية هو الانتقال من مجرد اختبار قدرة البذور على الإنبات في المدار إلى دراسة قدرة النبات على إكمال دورة حياته وإنتاج نسل جديد. ففي تجربة أجريت على متن محطة «تيانقونغ» عام 2022، نجح الباحثون الصينيون في زراعة الأرز خلال دورة حياة كاملة استمرت نحو 120 يومًا، من الإنبات والنمو حتى الإزهار وإنتاج البذور. ولم يكن هذا الإنجاز مهمًا من الناحية الزراعية وحدها، بل مثّل تجربة حاسمة في دراسة إمكانية استمرار التكاثر النباتي في بيئة الجاذبية الصغرى. كما أظهرت المتابعة اللاحقة على الأرض أن بذور الأرز الناتجة من التجربة الفضائية أمكن إكثارها لعدة أجيال، الأمر الذي أتاح للباحثين دراسة مدى استقرار الصفات التي ظهرت بعد التعرض للبيئة الفضائية.

وتواصل هذا الخط البحثي في عام 2026 من خلال تجربة جديدة على متن محطة «تيانقونغ» يجري فيها اختبار الأرز على دورتين متتاليتين من «البذرة إلى البذرة». وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها لا تركز على مجرد نمو النبات، وإنما على الاستقرار الوراثي والقدرة التجديدية في بيئة الجاذبية الصغرى. وتشير التقارير العلمية الصينية إلى أن الباحثين اختاروا أصنافًا مبكرة النضج وقصيرة القامة لتتناسب مع الحيز المحدود للغاية لوحدة الزراعة، التي لا يتجاوز ارتفاعها نحو 20 سنتيمترًا، ولتتلاءم كذلك مع دورات وجود أطقم رواد الفضاء على المحطة. وتكشف هذه التفاصيل عن حقيقة أساسية في الزراعة الفضائية: فالمشكلة ليست في إنبات النبات فحسب، وإنما في تصميم نبات ونظام زراعي متكاملين يتوافقان مع قيود الحجم والطاقة والماء والهواء والزمن.

ولعل الأرز هو النموذج الأكثر دلالة في هذه المرحلة. فقد تمكنت التجارب السابقة من الحصول على بذور من نباتات نمت في المدار، ثم أعيدت هذه البذور إلى الأرض وخضعت لعمليات إكثار وانتخاب. وأظهرت الدراسات الصينية أن بعض بذور الأرز الناتجة عن التجارب الفضائية حملت تغيرات في بعض الصفات الفسيولوجية والتركيبية، ما فتح الباب أمام دراسة ما يعرف بتربية المحاصيل الفضائية، وهي عملية تستخدم البيئة الفضائية كمصدر من مصادر الضغط البيئي والتغيرات التي يمكن أن تساعد لاحقًا في برامج التحسين الوراثي، وإن كان من المهم علميًا عدم الخلط بين ظهور تغيرات وراثية أو فسيولوجية وبين إنتاج أصناف زراعية متفوقة بصورة تلقائية؛ فهذه النتائج تحتاج إلى أجيال من الاختبارات والانتخاب والتقييم قبل الحكم على قيمتها الزراعية.

عندما تتغير قواعد الحياة النباتية
على الأرض، تطورت النباتات على مدى ملايين السنين في وجود مجال جاذبي مستمر، وأصبحت عمليات النمو وتوجيه الجذور والسيقان والإزهار والتلقيح مرتبطة بصورة وثيقة بإشارات الجاذبية والضوء والماء. أما في الجاذبية الصغرى، فإن العديد من هذه الإشارات يتغير أو يفقد تأثيره المعتاد، فتظهر استجابات فسيولوجية وجزيئية معقدة. وتوضح المراجعات العلمية الحديثة أن النباتات في الفضاء تعيد تنظيم عدد كبير من مسارات التعبير الجيني المرتبطة بجدار الخلية والاستجابة للإجهاد والاتزان التأكسدي والدفاعات النباتية، إلا أن العلاقة الدقيقة بين الجاذبية الصغرى والهرمونات النباتية، وعلى رأسها الأوكسين، لا تزال موضوعًا بحثيًا مفتوحًا ولا تسمح الأدلة الحالية باختزالها في مسار واحد بسيط.

وتظهر إحدى المشكلات الواضحة في عملية التكاثر. فعلى الأرض تساعد الجاذبية في حركة حبوب اللقاح وبعض عمليات التلقيح، بينما لا تتحرك حبوب اللقاح بالطريقة نفسها في الجاذبية الصغرى، وقد لاحظ الباحثون أن جزءًا كبيرًا منها يبقى عالقًا في الهواء بدلًا من الوصول إلى الميسم. ولهذا تمثل عملية التلقيح أحد التحديات المهمة أمام إنتاج المحاصيل التي تعتمد على التلقيح الخلطي في البيئات الفضائية، بينما تصبح النباتات ذاتية التلقيح أكثر ملاءمة نسبيًا لبعض التجارب. وتشير نتائج التجارب الصينية إلى أن التحكم في توقيت الإزهار يمثل تحديًا آخر، إذ يمكن للجاذبية الصغرى أن تؤثر في التعبير عن الجينات والمسارات المنظمة للإزهار، وهو ما يجعل فهم العلاقة بين الجينات والهرمونات والبيئة الفضائية شرطًا أساسيًا لتطوير محاصيل قابلة للإنتاج المنتظم خارج الأرض.

ولا يقتصر الأمر على الجاذبية الصغرى وحدها؛ فالبيئة الفضائية تتضمن أيضًا مستويات مختلفة من الإشعاع مقارنة بسطح الأرض، إضافة إلى اختلافات في انتقال الحرارة والماء والغازات. ولهذا فإن استجابة النبات ليست نتيجة عامل منفرد، وإنما حصيلة تفاعل معقد بين الجاذبية والإشعاع والضوء والحرارة والرطوبة وتركيب الغلاف الغازي. وتؤكد الأدبيات الحديثة أن فهم هذه الاستجابات يتطلب الجمع بين فسيولوجيا النبات وعلم الوراثة الجزيئي وتحليل التعبير الجيني، بدلًا من نسب كل تغير ملاحظ إلى «الجاذبية الصغرى» وحدها.

الزراعة من دون تربة.. حين تصبح الجذور جزءًا من نظام هندسي
إذا كان إنتاج النبات في المدار يمثل تحديًا بيولوجيًا، فإن توفير الماء والعناصر الغذائية للجذور يمثل تحديًا هندسيًا لا يقل أهمية. فالتربة التقليدية ليست وسطًا مثاليًا داخل المركبات والمحطات الفضائية؛ ليس فقط بسبب كتلتها، وإنما لأن سلوك الماء والغازات والمواد الدقيقة يختلف بصورة كبيرة في الجاذبية الصغرى. ولذلك اتجهت أبحاث الزراعة الفضائية إلى نظم الزراعة المحكومة، بما في ذلك الزراعة المائية وبعض صور الزراعة الهوائية والركائز الخاملة أو المسامية، بحيث يمكن التحكم في الماء والعناصر الغذائية والأكسجين في منطقة الجذور بدقة أكبر.

وهنا ينبغي النظر إلى الزراعة الهوائية بوصفها أحد الخيارات التقنية ضمن مجموعة أوسع، وليس باعتبارها حلًا وحيدًا أو نظامًا مطبقًا بصورة موحدة على جميع تجارب محطة «تيانقونغ». وفي الزراعة الهوائية تكون الجذور في بيئة غير غارقة في محلول مائي مستمر، بينما تصل إليها المياه والعناصر الغذائية من خلال رذاذ أو نظام توصيل مصمم بعناية. وتكمن جاذبية هذه الفكرة في إمكانية التحكم الدقيق في بيئة الجذور وتقليل الكتلة غير الضرورية، لكن نجاحها في الفضاء يعتمد على تصميم هندسي بالغ الدقة يضمن وصول الماء والعناصر الغذائية والأكسجين إلى الجذور دون تكوين قطرات طافية أو تجمعات مائية غير مرغوبة.

وتؤكد التجارب الحديثة أن إدارة الماء في الجاذبية الصغرى ليست مسألة بسيطة. ففي تجربة الأرز الجارية على «تيانقونغ» عام 2026، أشار الباحثون إلى أن قطرات الماء التي يفرزها النبات لا تسقط عن الأوراق كما يحدث على الأرض، وإنما يمكن أن تبقى عالقة داخل وحدة النمو، وهو ما يفرض الحاجة إلى جمعها وإعادة إدارتها لمنع اختلال التوازن المائي. كما أن الحيز المغلق يجعل ضبط تركيب الهواء والرطوبة وثاني أكسيد الكربون والأكسجين عملية مستمرة وحساسة. وهذه التفاصيل الصغيرة ظاهريًا تكشف لماذا تحتاج الزراعة الفضائية إلى دمج علم النبات مع الهندسة الحرارية وهندسة الموائع وأنظمة التحكم والاستشعار.

ومن هنا تظهر القيمة الحقيقية لفكرة أن النباتات يمكن أن تكون جزءًا من نظام دعم حياة مغلق أو شبه مغلق. فعملية البناء الضوئي تستهلك ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين، بينما يسهم النتح في حركة الماء داخل النظام ويمكن استعادة الماء المتبخر بالتكثيف. وتعمل نظم دعم الحياة الحيوية على الاستفادة من هذه العمليات الطبيعية ضمن منظومة هندسية أكبر، لكنها لا تجعل النبات بديلًا كاملًا عن جميع أجهزة دعم الحياة؛ فالأنظمة الفضائية المستقبلية ستظل بحاجة إلى تقنيات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية متكاملة لضمان الاستقرار والسلامة. وتوضح أبحاث ناسا في هذا المجال منذ عقود أن نظم دعم الحياة القائمة على النباتات يمكن أن تؤدي أدوارًا مهمة في إنتاج الغذاء وتجديد الهواء والمساهمة في تدوير المياه، لكنها تتطلب تصميمًا دقيقًا واستهلاكًا للطاقة ومساحات زراعية مناسبة.

من محطة «تيانقونغ» إلى الحديقة القمرية
إذا كانت محطة «تيانقونغ» تمثل مختبرًا قريبًا نسبيًا لدراسة الزراعة في الجاذبية الصغرى، فإن القمر يمثل اختبارًا مختلفًا تمامًا. فالقمر لا يقدم بيئة جاذبية صغرى مثل المدار الأرضي المنخفض، بل يتميز بجاذبية تبلغ نحو سدس جاذبية الأرض، مع غياب الغلاف الجوي الطبيعي والحماية الأرضية من الإشعاع، وتعرض السطح لتقلبات حرارية شديدة. ولذلك فإن نقل تقنيات الزراعة من المدار إلى القمر ليس خطوة مباشرة، بل يتطلب سلسلة جديدة من التجارب والهندسة.

وقد حصلت البشرية بالفعل على أول دليل رمزي ومهم على إمكانية إنبات نبات على سطح القمر خلال مهمة «تشانغ آه-4» عام 2019، عندما نبتت بذرة قطن داخل حاوية بيولوجية صغيرة حملتها المركبة إلى الجانب البعيد من القمر. ولم يكن ذلك نظامًا زراعيًا قادرًا على توفير الغذاء، لكنه كان تجربة بيولوجية محدودة أثبتت إمكانية حدوث إنبات نباتي في بيئة القمر لفترة قصيرة ضمن حاوية محكمة التحكم. ومن المهم هنا عدم تحويل هذا الإنجاز إلى ما هو أكبر من حقيقته العلمية؛ فقد كان تجربة بيولوجية صغيرة، وليس «مزرعة قمرية» أو دليلًا على أن الزراعة المكشوفة على سطح القمر أصبحت ممكنة.

أما الخطوة الأكثر تعقيدًا فتتعلق باستخدام الموارد المحلية، وعلى رأسها التربة القمرية أو ما يعرف بالـ«ريغوليث». وتشير مراجعة علمية واسعة نشرت عام 2024 إلى أن الريغوليث القمري يحتوي على عناصر يمكن أن تكون ذات قيمة للنبات، لكنه يفتقر إلى بعض العناصر الغذائية الأساسية بصورة تجعل استخدامه المباشر وسطًا زراعيًا متكاملًا أمرًا غير واقعي في الوقت الحالي. كما أن خصائصه الفيزيائية والمعدنية تتطلب دراسة دقيقة، ولذلك تركز الأبحاث الحديثة على استخدام الريغوليث المعالج أو المخاليط المحسنة، وعلى دور الكائنات الدقيقة في تحرير العناصر الغذائية وإنشاء دورات أكثر استدامة للمغذيات.

وهنا تتقاطع التقنية الحيوية الفضائية مع علم الأحياء الدقيقة بصورة لافتة؛ فالمستقبل المحتمل للزراعة خارج الأرض لن يعتمد بالضرورة على نقل جميع مكونات التربة من الأرض، وإنما قد يعتمد على بناء وسط زراعي اصطناعي أو شبه محلي، تديره النباتات والكائنات الدقيقة والعمليات الكيميائية في دورة متكاملة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن استخدام الريغوليث الزراعي ما يزال في مرحلة البحث، وأن هناك فجوات علمية كبيرة تتعلق بتوافر العناصر الغذائية، وبنية الوسط، وتوازن الحموضة، ودور المجتمعات الميكروبية، واستدامة دورات المغذيات على المدى الطويل.

القمر كمرحلة جديدة في منظومة الاستدامة الفضائية
تكتسب هذه الأبحاث أهمية إضافية مع تطور خطط الصين لإنشاء «محطة الأبحاث القمرية الدولية». ووفق التصور المعلن، من المخطط تطوير المحطة على مرحلتين، بحيث يكتمل النموذج الأساسي بحلول عام 2035 في منطقة القطب الجنوبي للقمر، بينما يجري تطوير نموذج موسع خلال أربعينيات القرن الحالي. وتشمل البنية المقترحة مرافق على سطح القمر وفي مداره وأنظمة للطاقة والاتصالات والملاحة والنقل والبحث العلمي واستغلال الموارد المحلية، بما يجعلها مشروعًا طويل الأمد يتجاوز فكرة البعثات القصيرة إلى بناء قدرة تشغيلية مستمرة.

وفي هذا الإطار تأتي مهمتا «تشانغ آه-7» و«تشانغ آه-8» بوصفهما مرحلتين مهمتين في اختبار البيئة القمرية والموارد المحلية، مع التخطيط لمهمة «تشانغ آه-8» لإجراء تجارب على استخدام الموارد القمرية في الموقع. كما أعلنت الصين خططًا لتحقيق هبوط مأهول على القمر بحلول عام 2030، وهي أهداف مرتبطة ببرنامج استكشاف القمر الصيني الأوسع، لكنها لا تعني أن إقامة منظومة زراعية قمرية مكتفية ذاتيًا أصبحت أمرًا منجزًا؛ فالانتقال من تجربة إنبات نبات إلى نظام غذائي مستقر قادر على العمل لسنوات يمثل سلسلة طويلة من التحديات العلمية والهندسية.

وهذه النقطة بالذات تستحق التأكيد، لأن عبارة «الاكتفاء الذاتي خارج الأرض» تبدو جذابة صحفيًا، لكنها علميًا لا تزال هدفًا بعيد المدى. فالقاعدة القمرية المستدامة ستحتاج إلى مصادر موثوقة للطاقة والماء والأكسجين والغذاء، وإلى إدارة النفايات، وإلى حماية من الإشعاع، وإلى أنظمة احتياطية متعددة الطبقات. وستكون الزراعة عنصرًا من هذه المنظومة وليس المنظومة بأكملها. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لتجارب «تيانقونغ» لا تكمن في أنها تبني حديقة قمرية اليوم، وإنما في أنها تساعد العلماء على معرفة أي النباتات يمكنها النمو والتكاثر في بيئات غير أرضية، وكيف يمكن التحكم في جذورها ومائها وهوائها، وما التغيرات التي تحدث في صفاتها عبر الأجيال.

ما الذي يعود به الفضاء إلى الأرض؟
المفارقة الأكثر إثارة في قصة الزراعة الفضائية هي أن فوائدها المحتملة قد تظهر على الأرض قبل أن تصبح الزراعة القمرية واقعًا يوميًا. فالتقنيات التي تُطوَّر للسيطرة على الضوء والماء والعناصر الغذائية وتركيب الغلاف الغازي يمكن أن تدخل في الزراعة داخل البيئات المحكومة والمزارع الرأسية، خاصة في المدن والمناطق التي تعاني محدودية الأراضي أو المياه. وقد ساهمت برامج أبحاث الفضاء على مدى عقود في تطوير تقنيات الإضاءة والصوبات المغلقة والزراعة المائية والتحكم البيئي، وهي تقنيات أصبحت جزءًا من قطاع الزراعة الحديثة خارج المجال الفضائي أيضًا.

كما أن دراسة النباتات تحت الجاذبية الصغرى توفر نافذة فريدة لفهم الأساس الجزيئي لنمو النبات. فحين تتغير إشارات الجاذبية، يمكن للباحثين دراسة كيفية إعادة تنظيم الخلايا والجينات والهرمونات لمسارات النمو والتطور، وهي معرفة قد تكون مفيدة في تحسين كفاءة النباتات وقدرتها على تحمل الإجهاد البيئي. لكن من الضروري كذلك تجنب المبالغة في فكرة أن «الطفرات الفضائية» ستنتج تلقائيًا أصنافًا فائقة المقاومة للجفاف أو الملوحة؛ فهذه تطبيقات محتملة تحتاج إلى برامج طويلة من الاختيار الوراثي والتقييم الزراعي، ولا تمثل نتيجة مباشرة لكل تجربة فضائية.

وتكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة بالنسبة للدول العربية التي تواجه تحديات حقيقية في المياه والزراعة والبيئات الصحراوية. فالمبدأ الذي يجمع الزراعة الفضائية والزراعة في البيئات الجافة واحد في جوهره: استخدام كل قطرة ماء وكل وحدة من المغذيات والطاقة بأعلى كفاءة ممكنة، مع إعادة تدوير الموارد وتقليل الفاقد. ومن هنا يمكن أن تصبح أبحاث أنظمة دعم الحياة المغلقة، والزراعة المحكومة، والزراعة المائية والهوائية، والاستشعار الدقيق، والتقنيات الحيوية النباتية، مجالًا للتعاون العلمي العربي لا يرتبط فقط بسباق الوصول إلى القمر، وإنما أيضًا بالتعامل مع تحديات الأمن الغذائي والمائي على الأرض.

واحة خضراء في نهاية الطريق
إن صورة النبات الأخضر وهو ينمو داخل محطة فضائية تبقى من أكثر الصور تعبيرًا عن قدرة الإنسان على نقل الحياة إلى بيئات لم تكن مهيأة لها. غير أن القيمة العلمية الحقيقية لهذه الصورة لا تكمن في جمالها، وإنما في الأسئلة التي تقف خلفها: كيف تنمو الجذور عندما تختفي إشارات الجاذبية؟ كيف تتلقى النبتة الماء والعناصر الغذائية دون أن تغرق جذورها؟ كيف يحدث التلقيح عندما لا تسقط حبوب اللقاح؟ كيف يحافظ النبات على استقراره عبر الأجيال؟ وكيف يمكن تحوي هذه المعرفة إلى منظومة قادرة على توفير الغذاء والهواء والماء في مكان يبعد مئات الآلاف من الكيلومترات عن الأرض؟

تقدم الصين من خلال محطة «تيانقونغ» سلسلة مهمة من الإجابات التجريبية عن هذه الأسئلة، لكن الطريق إلى «حديقة قمرية» مستقرة لا يزال طويلًا. فالتجارب التي أُجريت حتى الآن تثبت إمكانات واعدة في إنبات النباتات ونموها وإكمال بعض دورات حياتها في الفضاء، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تعقيد البيئة الفضائية والحاجة إلى نظم دقيقة لإدارة الماء والهواء والطاقة والموارد. ومن ثم فإن مستقبل الزراعة خارج الأرض لن يصنعه النبات وحده، بل منظومة متكاملة تجمع علوم النبات والوراثة والتقنية الحيوية والهندسة والروبوتات والذكاء الاصطناعي وعلوم البيئة.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه «واحات النجوم»: إن الطريق إلى استيطان طويل الأمد خارج الأرض لن يبدأ ببناء المدن، وإنما ببناء دورة حياة قابلة للاستمرار. وعندما يستطيع الإنسان أن يزرع بذرة، ويحصد نباتًا، ويعيد تدوير مياهه ومغذياته، ويحتفظ بالهواء المناسب للحياة، ثم يكرر الدورة مرة بعد أخرى، يكون قد اقترب خطوة حقيقية من تحويل القواعد الفضائية من محطات مؤقتة تعتمد بالكامل على الأرض إلى نظم بيئية أكثر استقلالًا. وفي تلك اللحظة، لن تكون الحديقة الفضائية مجرد مساحة خضراء في قلب الظلام، بل ستكون رمزًا لمرحلة جديدة في علاقة الإنسان بالحياة والبيئة والكون.

هاشتاجات:
#الحديقة_الفضائية_الصينية – #محطة_تيانقونغ – #الزراعة_الفضائية – #الزراعة_الهوائية – #استكشاف_القمر – #حديقة_خضروات_قمرية – #التقنية_الحيوية_النباتية – #الأمن_الغذائي_الفضائي – #التوازن_البيئي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
***
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حماية أطفالنا من اللدائن الدقيقة

دليل الأسرة العربية لحياة صحية وآمنة حين يصبح البلاستيك جزءًا من طعامنا من دون أن …

اترك تعليقاً