من «حفظ الأصل» إلى «تعظيم الأثر».. الكويت ترسم ملامح مستقبل الوقف الإسلامي المستدام

• مؤتمر عربي يدعو إلى تحديث منظومة الاستثمار الوقفي وتوظيف الذكاء الاصطناعي والحوكمة وقياس الأثر لخدمة التنمية

• 12 توصية لتعزيز الاستثمار الوقفي المسؤول وبناء شراكات مع القطاع الخاص وربط الأوقاف بالأولويات التنموية

شبكة بيئة أبوظبي، الكويت، 5 أكتوبر 2026
اختتمت في دولة الكويت أعمال «مؤتمر استراتيجيات الابتكار في الوقف الإسلامي والتنمية المستدامة لعام 2026م»، بالدعوة إلى الانتقال بالوقف من مفهوم إدارة الأصول والمحافظة عليها إلى نموذج أكثر تطوراً يقوم على تعظيم الأثر التنموي، والاستثمار المسؤول، والحوكمة الرشيدة، والاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وعُقد المؤتمر في مكتبة الكويت الوطنية في 28 سبتمبر 2026، برعاية معالي الدكتورة أمثال هادي الحويلة، وزيرة الشؤون الاجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة بدولة الكويت، وبمشاركة نخبة من العلماء والخبراء والباحثين والمختصين في الوقف والاستثمار والتنمية المستدامة والحوكمة والمسؤولية المجتمعية من الكويت وعدد من الدول العربية. Pasted markdown
ونظمت المؤتمر مبرة العوازم الخيرية بالشراكة مع الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية والمركز العالمي للتنمية المستدامة، وبالتعاون مع معهد الإنجاز المتفوق للتدريب الأهلي والاستشارات، بهدف تطوير العمل الوقفي والخيري، وتعزيز الممارسات المؤسسية القائمة على الاستدامة والحوكمة والابتكار، وتحويل الموارد الوقفية إلى أدوات أكثر فاعلية في دعم التنمية وخدمة الإنسان والمجتمع.

البسيس: الوقف مؤسسة تنموية وليس قطاعاً مالياً أو خيرياً فقط
وأكد سعادة المستشار حمد زيد البسيس، رئيس مجلس إدارة مبرة العوازم الخيرية، أن النظر إلى الوقف يجب ألا يقتصر على كونه قطاعاً مالياً أو خيرياً، بل باعتباره إرثاً حضارياً ومؤسسة تنموية أصيلة استطاعت تاريخياً الجمع بين التكافل واستدامة العطاء وخدمة الإنسان.

وأشار إلى أن المتغيرات الاقتصادية والتقنية المتسارعة، وتطور أدوات الاستثمار والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تفرض على المؤسسات الوقفية تطوير أدواتها ورفع كفاءة إدارتها، مع المحافظة على الضوابط الشرعية والقانونية ومبادئ الحوكمة الرشيدة.

وشدد على أن الابتكار في الوقف لا يعني التخلي عن الثوابت، وإنما تطوير الأدوات والوسائل بما يحافظ على أصول الوقف ويعظم عوائده ويصون مقاصد الواقفين، مؤكداً أن الاستثمار الوقفي يمكن أن يشكل أحد الممكنات المهمة لدعم التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وتمكين الإنسان وتمويل المشروعات ذات الأثر المستدام.

فهد بن جامع: من العطاء المؤقت إلى الأثر الممتد
من جانبه، أكد الشيخ فهد فلاح بن جامع، عضو مجلس الأمة السابق وأحد مؤسسي مبرة العوازم الخيرية وضيف شرف المؤتمر، أن جوهر الوقف يتمثل في تحويل العطاء من مبادرة مؤقتة إلى أثر مستمر ينتفع به الناس جيلاً بعد جيل.
وأوضح أن تطوير الوقف في المرحلة المقبلة ينبغي أن يتجه نحو حلول مستدامة ومشروعات قابلة للقياس، وأن العلاقة بين العمل الوقفي وأهداف التنمية المستدامة يجب ألا تبقى في إطار المواءمة النظرية، بل تتحول إلى برامج عملية ومؤشرات واضحة للأثر وشراكات قادرة على تحويل الموارد الوقفية إلى نتائج تنموية ملموسة.

العباسي: المطلوب الانتقال من إدارة الموارد إلى إدارة الأثر
وأكد سعادة الأستاذ الدكتور يوسف عبدالغفار العباسي، رئيس مجلس إدارة الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية ومدير عام المركز العالمي للتنمية المستدامة، أن الوقف يمثل نموذجاً متقدماً للاستدامة في الفكر الإسلامي، يقوم على الجمع بين حفظ الأصل واستمرار المنفعة وخدمة الإنسان.

وأشار إلى أن التحدي لم يعد مقتصراً على المحافظة على الأوقاف، وإنما يتمثل في تطوير قدرتها على صناعة الأثر وقياسه وتعظيمه، بما يتطلب الانتقال من إدارة الموارد إلى إدارة الأثر، ومن المبادرات المنفردة إلى المنظومات المؤسسية، ومن الإنفاق التقليدي إلى الاستثمار الذي يحقق عائداً مستداماً يخدم مقاصد الوقف والمجتمع.

وأضاف أن التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والصناديق الوقفية وتنويع المحافظ الاستثمارية وقواعد البيانات ومؤشرات الأداء يمكن أن تشكل أدوات مهمة لتطوير القطاع، شريطة أن يكون الابتكار مسؤولاً ومنضبطاً بالمتطلبات الشرعية والقانونية ويحافظ على استدامة الأصل ومقصد الواقف.

خمس جلسات ترسم مستقبل الاستثمار الوقفي
وتضمن المؤتمر خمس جلسات علمية ناقشت الشراكات الاستثمارية بين الأوقاف والقطاع الخاص، ومواءمة الاستثمارات الوقفية مع استراتيجيات التنمية الوطنية، والاستدامة المالية للأوقاف، والأطر الفقهية والشرعية والتشريعية، وحوكمة الوقف، والصناديق الوقفية والاستثمار الجماعي.
كما بحث المشاركون تجربة الوقف الذكي، وتوظيف تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي في إدارة وتنمية أموال الوقف، وتنويع المحافظ الاستثمارية، إلى جانب عرض نماذج وتجارب ناجحة من العالم الإسلامي.

الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة الوقف
وحظي التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باهتمام بارز خلال أعمال المؤتمر، حيث ناقش المشاركون إمكانات استخدام التقنيات الحديثة في تحليل البيانات، ودراسة الفرص الاستثمارية، وإدارة المخاطر، ومتابعة أداء الأصول، وقياس الأثر الاجتماعي والتنموي.

وأكد المؤتمر أن الرقمنة ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لرفع كفاءة المؤسسات الوقفية وتحسين جودة القرارات وتعزيز الشفافية والحوكمة، مع ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية والقانونية وحماية البيانات.

الوقف شريك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة
وناقش المؤتمر بصورة موسعة العلاقة بين الوقف الإسلامي وأهداف التنمية المستدامة، في ضوء قدرة الأوقاف على دعم مكافحة الفقر والصحة والتعليم وتمكين الإنسان وتعزيز فرص العمل والحد من أوجه عدم المساواة وبناء مجتمعات أكثر استدامة.
وشدد المشاركون على ضرورة تجاوز الربط النظري بين الوقف وأهداف التنمية المستدامة، والانتقال إلى مشروعات ومؤشرات قابلة للقياس تسمح بتحديد الأثر الحقيقي للاستثمارات والمبادرات الوقفية.

12 توصية لتحديث منظومة الوقف
وخرج المؤتمر بـ12 توصية ركزت على تطوير استراتيجيات وطنية للاستثمار الوقفي مرتبطة بالأولويات التنموية، وتعزيز الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر، وتشجيع إنشاء صناديق وقفية متخصصة في التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي والبحث العلمي والابتكار
كما دعت التوصيات إلى توسيع الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في إدارة الأصول والفرص الاستثمارية، وتطوير مؤشرات لقياس العائد الاجتماعي والتنموي، وربط المشروعات والتقارير الوقفية بأهداف التنمية المستدامة، وبناء قدرات العاملين في القطاع، ودعم البحث العلمي والنماذج الاستثمارية المبتكرة.
وأكدت التوصيات أهمية تبني مفهوم «الاستثمار الوقفي المسؤول» الذي يوازن بين المحافظة على أصل الوقف وتنمية العائد والالتزام بالضوابط الشرعية وتحقيق الأثر الاجتماعي والتنموي، إلى جانب تطوير مشروعات تراعي احتياجات الأجيال المقبلة، بحيث يتحول الوقف من مورد مالي تقليدي إلى رأس مال تنموي مستدام.

تكريم وشهادة امتثال بيئي
وشهد المؤتمر تكريم عدد من الشخصيات والمؤسسات بجوائز التميز في مجال الوقف الإسلامي والتنمية المستدامة لعام 2026، إلى جانب تكريم شخصيات رائدة بجوائز الإنجاز مدى الحياة للمسؤولية المجتمعية.
كما شهدت الفعاليات تسليم مبرة العوازم الخيرية شهادة الامتثال لمتطلبات المواصفة القياسية الدولية للإدارة البيئية ISO 14001، في خطوة تعكس توجهها نحو تعزيز الممارسات المؤسسية المرتبطة بالبيئة والتنمية المستدامة.

نحو جيل جديد من الأوقاف
وفي ختام المؤتمر، أكد المشاركون أن مستقبل الوقف الإسلامي يرتبط بالانتقال من «حفظ الأصل» إلى «تعظيم الأثر»، ومن الاستثمار التقليدي إلى الاستثمار الاستراتيجي، ومن المبادرات المنفردة إلى الشراكات والمنظومات المؤسسية.
وشددوا على أن الوقف يمتلك فرصة لاستعادة دوره التنموي في المجتمعات المعاصرة، مستفيداً من تطورات الاستثمار والحوكمة والتقنية والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على أصالته الشرعية ومقاصده الإنسانية، ليصبح أحد روافد التنمية المستدامة في العالم العربي والإسلامي.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

ميرال تنظّم سباق جري مجتمعي دعماً لجهود الحفاظ على الحياة البرية

تحت شعار “خطوات تصنع الأثر: حماية قط الرمال العربي” ينطلق السباق في ياس باي ووترفرونت …

اترك تعليقاً