هل حان وقت سحب الاستثمارات الإسلامية من الفحم؟

تقرير يدعو إلى إعادة تقييم تمويل الفحم في ضوء مقاصد الشريعة وأضراره الصحية والمناخية والاقتصادية

تقرير يستحضر تجربة التبغ لطرح سؤال جديد حول مشروعية استمرار تمويل الأنشطة عالية الضرر

• الفحم تحت مجهر التمويل الإسلامي، هل يتغير الحكم الاستثماري عندما يثبت الضرر؟
• من الامتثال الشرعي إلى قياس الأثر… دعوة لتطوير معايير الفحص في التمويل الإسلامي
• الفحم تحت مجهر مقاصد الشريعة: حماية الإنسان والمال والبيئة في قلب القرار الاستثماري
• سحب الاستثمار وحده لا يكفي… «الانتقال العادل» لحماية العمال والمجتمعات شرط أساسي للتحول
• الصكوك الخضراء والتمويل المستدام أدوات إسلامية لتوجيه رؤوس الأموال نحو اقتصاد منخفض الكربون
• دعوة لإدراج الاستغناء التدريجي عن الفحم ضمن معايير التمويل الإسلامي وتعزيز تمويل البدائل المستدامة

شبكة بيئة ابوظبي، مراجعة المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، 21 أغسطس 2026
يطرح التقرير الذي أعده فريق مؤلف من فريق من أمّة لأجل الأرض السادة (نديم م. أصلام، عمر الشيخ، وفريق البحث التابع لمبادرة التمويل الأخلاقي العالمية) بمساهمة من غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، صادر في إطار تعاون بين مبادرة التمويل الأخلاقي العالمية (GEFI) وغرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأمة لأجل الأرض، ضمن سياق مبادرة التمويل الإسلامي المستدام.، يطرح مفاهيم جديدة ومهمة لدور التمويل الإسلامي في مواجهة تحديات الاستدامة، من خلال إعادة تقييم مشروعية تمويل الفحم في ضوء مقاصد الشريعة والأدلة العلمية الحديثة على أضراره الصحية والمناخية والاقتصادية. ويناقش التقرير الحاجة إلى تطوير منهجيات الفحص الشرعي، بحيث لا تقتصر على طبيعة النشاط والمعاملة، بل تمتد إلى قياس أثر الاستثمار على الإنسان والمجتمع والبيئة، مع الدعوة إلى سحب تدريجي للاستثمارات من الفحم وتوجيه التمويل نحو بدائل أكثر استدامة ضمن إطار للانتقال العادل.

الملخص التنفيذي للتقرير
ينطلق التقرير من سؤال جوهري ومثير للاهتمام: إذا كان التمويل الإسلامي قد استبعد قطاعات مثل التبغ بعد ثبوت أضرارها على الإنسان والمجتمع، فهل ينبغي إعادة النظر بالطريقة نفسها في تمويل الفحم والاستثمار فيه؟
ويحاول التقرير نقل النقاش حول الفحم من كونه مجرد قضية مناخية أو بيئية إلى قضية أخلاقية وشرعية ومالية مرتبطة بمقاصد الشريعة، ولا سيما حفظ النفس، وحفظ المال، وحماية البيئة، ومنع الضرر. ويعتبر أن مبادئ التمويل الإسلامي لا ينبغي أن تقتصر على التحقق التقليدي من طبيعة المعاملة أو النشاط، وإنما يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضاً الأثر الفعلي للنشاط الاقتصادي على الإنسان والبيئة والمجتمع.

1. المقارنة بين الفحم والتبغ
هذه هي الفكرة الفكرية المركزية في التقرير. يستعرض التقرير تطور الموقف الفقهي من التبغ؛ ففي البداية لم تكن أضراره الصحية معروفة بصورة حاسمة، ولذلك اختلفت المواقف الفقهية منه. لكن مع تراكم الأدلة الطبية والعلمية على أضراره، تطور الحكم وصولاً إلى تحريمه واستبعاده من المحافظ والمؤشرات والأنشطة التمويلية الإسلامية.
ويقول التقرير، بصورة جوهرية: إذا كان ثبوت الضرر قد أدى إلى إعادة تقييم التبغ شرعياً، فلماذا لا يخضع الفحم للمنطق نفسه بعد تراكم الأدلة العلمية على أضراره؟
ومن هنا يستخدم التقرير مجموعة من الأدوات الفقهية، أبرزها القياس، والإجماع، والمصلحة المرسلة، والضرورة، ومقاصد الشريعة، وقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، لإعادة النظر في مدى توافق الاستثمار في الفحم وتمويله مع مبادئ التمويل الإسلامي.

2. العبء الصحي للفحم
يعطي التقرير مساحة كبيرة للأدلة الصحية والعلمية. فاحتراق الفحم يؤدي إلى انبعاث الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والزئبق وغيرها من الملوثات، التي ترتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية والجلطات وبعض أنواع السرطان. ويشير إلى أن تلوث الهواء يتسبب بنحو 6.7 ملايين وفاة مبكرة سنوياً عالمياً، فيما تشير بعض الدراسات إلى ملايين الوفيات المرتبطة بالوقود الأحفوري. ويستخدم التقرير هذه الأرقام ليؤكد أن حجم العبء الصحي للفحم يجعل المقارنة الأخلاقية مع التبغ جديرة بالبحث الجاد.
كما يشدد على أن الضرر ليس موزعاً بالتساوي، بل تتحمل الفئات الأكثر هشاشة – مثل الأطفال وكبار السن والحوامل وذوي الدخل المنخفض – حصة أكبر من المخاطر الصحية.

3. الفحم وتغير المناخ
لا يقتصر الضرر، بحسب التقرير، على تلوث الهواء. فالفحم يمثل أيضاً أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة عالمياً، وبالتالي يجمع بين ضررين مترابطين:
الضرر الصحي المباشر + الضرر المناخي طويل الأجل.
ويضيف التقرير إلى ذلك الآثار البيئية والاقتصادية المتراكمة، بما فيها تدهور النظم البيئية، وتكاليف الرعاية الصحية، وتضرر البنية التحتية، وانخفاض الإنتاجية، والمخاطر التي تهدد الاستقرار المالي طويل الأجل.

4. هل يدعو التقرير إلى تحريم الفحم فوراً؟
هذه نقطة مهمة؛ فالتقرير لا يقدم حكماً شرعياً نهائياً مستقلاً بتحريم الفحم في جميع الظروف، وإنما يدعو إلى إعادة تقييمه فقهياً ومؤسسياً في ضوء الأدلة العلمية الحديثة.
ويعترف بوجود اقتصادات ومجتمعات لا تزال تعتمد على الفحم في الكهرباء والتدفئة والوظائف، ولذلك يدخل مفهوم «الضرورة» في التحليل.
لكن التقرير يقترح أن تكون الضرورة ضيقة ومحددة ومؤقتة وقابلة للإثبات، وليست مبرراً مفتوحاً للاستمرار في الفحم. وإذا ثبتت الضرورة، ينبغي أن يقترن استمرار الاستخدام بخطة زمنية واضحة للانتقال التدريجي إلى البدائل المستدامة.
وهذه من أهم أفكار التقرير: الضرورة لا تعني الإبقاء الدائم على الفحم، بل يمكن أن تبرر مرحلة انتقالية محدودة فقط.

5. إعادة تصميم «الفحص الشرعي»
وهنا تكمن، برأيي، أهم قيمة فكرية للتقرير.
فهو يدعو قطاع التمويل الإسلامي إلى الانتقال من سؤال تقليدي من نوع:
هل هذا النشاط جائز من حيث الأصل؟
إلى سؤال أوسع:
ما الضرر الفعلي الذي يولده هذا النشاط على الإنسان والمجتمع والبيئة، وهل يتعارض هذا الضرر مع مقاصد الشريعة؟
وبالتالي، يدعو إلى تحديث منهجيات الفحص الشرعي للاستثمارات بحيث تصبح الأدلة الصحية والمناخية والبيئية جزءاً من عملية التقييم، بدلاً من الاكتفاء بالقوائم التقليدية للقطاعات المحرمة.

6. سحب الاستثمارات من الفحم ليس كافياً
لا يقترح التقرير ببساطة إيقاف التمويل وترك المجتمعات المعتمدة على الفحم تواجه النتائج، وإنما يربط سحب الاستثمارات بمفهوم «الانتقال العادل».
أي أن الخروج من الفحم ينبغي أن يصاحبه:
إعادة تدريب العمال، وتنويع مصادر الدخل، وتوفير طاقة ميسورة التكلفة، والمحافظة على الخدمات الأساسية، وحماية الفئات منخفضة الدخل، والاستثمار في البدائل المتجددة.
وهذا يجعل التقرير أقرب إلى طرح تحول اقتصادي واجتماعي متكامل وليس مجرد دعوة بيئية لسحب الأموال من الفحم.

7. ما البدائل التي يقدمها التمويل الإسلامي؟
التقرير لا يكتفي بالنقد، بل يناقش كيفية إعادة توجيه رؤوس الأموال الإسلامية إلى التحول المستدام باستخدام أدوات مثل:
الصكوك الخضراء، والصناديق المتوافقة مع الشريعة ومعايير الاستدامة، والتمويل المختلط، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وأدوات التمويل الاجتماعي الإسلامي مثل الزكاة والأوقاف.
ويعتبر أن هذه الأدوات يمكنها تمويل الطاقة المتجددة والبنية التحتية النظيفة، وفي الوقت نفسه دعم العمال والمجتمعات خلال عملية الانتقال.

8. تجارب دولية
يعرض التقرير عدداً من التجارب من الاقتصادات الإسلامية أو ذات الصلة بالتمويل الإسلامي، ومنها ماليزيا وباكستان وإندونيسيا والإمارات، والسعودية، وكازاخستان، وأوزبكستان.
ومن الأمثلة اللافتة تجربة الصكوك الخضراء؛ إذ يشير التقرير إلى ريادة ماليزيا في هذا المجال، كما يذكر إصدار باكستان أول صكوك سيادية خضراء محلية في مايو 2025 لتمويل المشروعات الخضراء ذات الأولوية.
وفي الإمارات، يربط التقرير التحول بالالتزامات المناخية والتشريعات المتعلقة بخفض الانبعاثات والتنمية الخضراء والحياد المناخي 2050. أما كازاخستان، فيقدمها كمثال مهم على ضرورة الموازنة بين الاعتماد الكبير على الفحم وأمن الطاقة من جهة، وبين وضع مسار تدريجي لإيقاف الفحم وتحديث الشبكات وصولاً إلى الحياد الكربوني من جهة أخرى.

9. أهم توصيات التقرير
يخلص التقرير إلى ضرورة تحديث معايير التمويل الإسلامي والفحص الشرعي من خلال تعاون منسق بين الجهات الشرعية والتنظيمية والمالية، ويشير تحديداً إلى مؤسسات مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، ومجلس الخدمات المالية الإسلامية، والمصارف المركزية.
ويدعو بصورة خاصة إلى إدراج الاستغناء التدريجي عن الفحم ضمن المعايير المعتمدة، وتعزيز أدوات التمويل المستدام، ووضع سياسات تدعم الانتقال العادل للطاقة.

الخلاصة الفكرية
يمكن اختزال رسالة التقرير في عبارة واحدة: التمويل الإسلامي لا ينبغي أن يسأل فقط: «هل الاستثمار متوافق مع الشريعة؟»، وإنما أيضاً: «ما الأثر الذي يموله هذا الاستثمار على الإنسان والمجتمع والبيئة؟»
وهذا ما يجعل التقرير مهماً؛ فهو يحاول نقل الاستدامة من هامش التمويل الإسلامي إلى صميم الفحص الشرعي ومقاصد الشريعة. كما أنه لا يطرح سحب الاستثمار من الفحم باعتباره موقفاً بيئياً مجرداً، بل يبني حجته على سلسلة مترابطة:
ثبوت الضرر العلمي يؤدي الى مقاصد الشريعة ومنع الضرر يؤدي الى إعادة التقييم الشرعي يؤدي الى تحديث الفحص الاستثماري يؤدي الى سحب تدريجي للاستثمارات يؤدي الى تمويل البدائل يؤدي الى انتقال عادل ومستدام.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

شباب الجنوب العالمي يواجهون أرباح شركات الوقود الأحفوري بقصص عن الصمود في فيلم

فيلم “تحت الشمس” وثائقي جديد لغرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: يكشف الكلفة الإنسانية لأزمة المناخ، …

اترك تعليقاً