“وجبة …. .إبداع وابتكار (134) “القيادة بالنتائج والتميز بالأثر “

النتائج تقيس ما أنجزته المؤسسة، أما الأثر فيقيس ما غيّرته.

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 12 يوليو 2026.
كم من مؤسسة حققت جميع مستهدفاتها السنوية، ثم اكتشفت بعد سنوات أن شيئاً لم يتغير؟ وكم من مشروع أُغلق باعتباره ناجحاً لأنه التزم بالوقت والميزانية وحقق مؤشرات الأداء المطلوبة، بينما بقيت المشكلة التي أُنشئ من أجلها، أو عادت بصورة مختلفة بعد فترة قصيرة؟ إن هذا التناقض يطرح سؤالاً أصبح اليوم محوراً رئيسياً في الفكر الإداري الحديث:
هل يكفي أن تحقق المؤسسة النتائج حتى تُعد ناجحة؟

لقد ارتبط نجاح المؤسسات لعقود طويلة بقدرتها على تحقيق النتائج، فكانت نسبة الإنجاز، وعدد المشروعات المنفذة، ومستوى الالتزام بالمستهدفات، هي المؤشرات الرئيسة التي يُقاس بها الأداء، وكان هذا المنهج منطقياً في مرحلة ركزت فيها الإدارة على الكفاءة وتحقيق الأهداف التشغيلية، وهو ما عززته فلسفة الإدارة بالأهداف التي قدمها Peter Drucker، والتي أكدت أهمية تحديد أهداف واضحة وربط الأداء بتحقيقها، وقد أسهم هذا الفكر في تطوير أساليب التخطيط وقياس الأداء، وأصبح تحقيق النتائج معياراً رئيسياً للحكم على نجاح القيادات والمؤسسات.

غير أن التطور في نماذج التميز والحوكمة وإدارة الأداء كشف أن تحقيق النتائج لا يعني بالضرورة تحقيق القيمة، فنجاح المؤسسة في إنجاز مشروعاتها وتحقيق مؤشرات الأداء لا يكفي إذا لم ينعكس على سلوك العاملين، أو رضا المتعاملين، أو المشكلة التي أُنشئت المشروعات لمعالجتها، وهنا بدأ الفكر الإداري يميز بين الإنجاز بوصفه نتيجة، والقيمة التي يتركها هذا الإنجاز بوصفها أثراً.

ومن هنا يبدأ الفرق بين القيادة بالنتائج والتميز بالأثر، فالنتائج تُخبرنا بما أنجزناه، أما الأثر فيكشف ما الذي تغيّر بسبب هذا الإنجاز. وقد تنجح القيادة في تحقيق جميع المستهدفات، لكنها لا تحقق التميز إلا عندما تتحول هذه النتائج إلى قيمة مستدامة تبقى بعد انتهاء المشروع، وتتجاوز حدود المؤشرات لتنعكس على السلوك، والثقافة، والأداء، وجودة الحياة، ولهذا لم يعد السؤال الذي تطرحه المؤسسات الرائدة اليوم:
هل حققنا النتائج؟ بل أصبح: ماذا غيّرت هذه النتائج؟ وهل تركت أثراً يستحق أن يستمر؟

ورغم أن الفكر الإداري الحديث يتجه بصورة متزايدة نحو قياس الأثر، فإن كثيراً من المؤسسات ما زالت تمارس إدارة الأداء بعقلية تركز على النتائج أكثر من تركيزها على القيمة التي تنتج عنها، فتنشغل بتنفيذ المبادرات، وتحقيق مؤشرات الأداء، وإغلاق المشروعات في مواعيدها، لأنها عناصر يسهل قياسها والإبلاغ عنها، بينما يبقى السؤال الأكثر أهمية غائباً: ماذا تغير بعد ذلك؟ وهل أحدثت هذه النتائج فرقاً حقيقياً في المؤسسة أو المجتمع أو المستفيدين؟ ولهذا قد تنجح المؤسسة في تنفيذ استراتيجيتها كاملة، لكنها لا تحقق الغاية التي وُضعت الاستراتيجية من أجلها.

لكن إذا كانت النتائج لا تكفي وحدها للحكم على نجاح المؤسسة، فما الذي يجعل بعض النتائج تتحول إلى أثر، بينما تبقى نتائج أخرى مجرد أرقام في تقارير الأداء؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد أولاً من التمييز بين أربعة مفاهيم كثيراً ما تُستخدم على أنها مترادفات، رغم أن كل واحد منها يمثل مرحلة مختلفة في رحلة القيمة المؤسسية، وهي: المخرجات، والنتائج، والأثر، واستدامة الأثر.

وقد أوضحت نظرية التغيير (Theory of Change) هذا التسلسل بصورة منهجية، حين فرقت بين ما تنتجه المؤسسة مباشرة، وما يتحقق بسببه من تغيرات، ثم ما يتركه هذا التغير من أثر طويل المدى، وهي الفكرة التي شكلت الأساس لتقييم البرامج والسياسات العامة في الأدبيات الحديثة.

فالمخرجات (Outputs) هي ما تنتجه المؤسسة بصورة مباشرة، مثل تنفيذ برنامج تدريبي، أو إطلاق خدمة جديدة، أو إنجاز مشروع، أو إصدار سياسة تنظيمية. وهي تمثل ما أُنجز بالفعل، لكنها لا تخبرنا بعد ما إذا كان هذا الإنجاز قد أحدث فرقاً.

أما النتائج(Outcomes)، فهي التغيرات المباشرة التي تحدث نتيجة هذه المخرجات، كتحسن مهارات الموظفين بعد التدريب، أو انخفاض زمن تقديم الخدمة، أو ارتفاع نسبة الالتزام بالإجراءات، أو زيادة رضا المتعاملين، وهنا تبدأ المؤسسة في قياس نتائج جهودها على الأداء، لكنها ما زالت تقيس ما تحقق داخل نطاق المشروع نفسه.

غير أن التميز لا يتوقف عند هذا الحد، لأن السؤال الأهم لا يزال مطروحاً: ماذا أحدثت هذه النتائج بعد ذلك؟ وهنا يظهر مفهوم الأثر(Impact)، الذي يعبر عن التغيير العميق والمستدام الذي أحدثته النتائج في المؤسسة أو المجتمع أو المستفيدين. فقد يؤدي برنامج تدريبي إلى رفع كفاءة الموظفين، لكن الأثر الحقيقي يتمثل في بناء ثقافة تعلم مستمر، وتحسين جودة القرارات، وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة المؤسسة على المدى الطويل.

ولا يقتصر الأثر على المؤسسة نفسها، فقد يكون أثراً داخلياً يتمثل في تطوير الثقافة التنظيمية، أو رفع كفاءة العاملين، أو تحسين بيئة العمل، وقد يمتد إلى المتعاملين من خلال تحسين جودة الخدمات، أو إلى المجتمع عبر تعزيز جودة الحياة، أو حتى إلى القطاع بأكمله عندما تُحدث المؤسسة تحولاً يغيّر قواعد المنافسة أو أساليب العمل. ولهذا لا يُقاس الأثر بحجمه فقط، بل بامتداد تأثيره واستمراره.

لكن حتى الأثر نفسه لا يمثل نهاية الرحلة، فقد يتحقق أثر إيجابي لفترة محدودة ثم يتلاشى تدريجياً مع تغير القيادات، أو توقف المشروع، أو غياب المتابعة، ولهذا أصبح الفكر الإداري الحديث يتحدث بصورة متزايدة عن استدامة الأثر (Impact Sustainability)، أي قدرة المؤسسة على المحافظة على القيمة التي حققتها، وتعزيزها، وتطويرها، بحيث لا يبقى النجاح مرتبطاً بوجود مشروع أو قائد أو تمويل مؤقت، بل يصبح جزءاً من طريقة عمل المؤسسة وثقافتها.

كما أن استدامة الأثر لا تتحقق بمجرد استمرار المبادرات، بل بقدرة المؤسسة على التعلم المستمر وتحويل الخبرات المتراكمة إلى ممارسات تنظيمية تتجدد مع الزمن، وهو ما يتوافق مع مفهوم المنظمة المتعلمة الذي يرى أن المؤسسات الأكثر تميزاً هي تلك التي تنجح في ترسيخ التعلم داخل أنظمتها وثقافتها، بحيث يصبح التطوير عملية مستمرة لا ترتبط بمشروع أو ظرف مؤقت.

ولا يقتصر هذا التسلسل على الأدبيات الأكاديمية، بل تعتمده أيضاً منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الإدارة القائمة على النتائج، حيث تبدأ سلسلة النتائج بالمدخلات والأنشطة، ثم تنتقل إلى المخرجات والنتائج، وتنتهي بالأثر المتحقق من التدخلات والسياسات العامة.

ومن هنا لا يُقاس نضج المؤسسات بما تنتجه من مخرجات، ولا حتى بما تحققه من نتائج، بل بقدرتها على تحويل هذه النتائج إلى أثر مستدام يبقى بعد انتهاء المبادرات، ويستمر في صناعة القيمة عاماً بعد عام. ولهذا فإن القيادة التي تنجح في تحقيق النتائج تستحق التقدير، أما المؤسسة التي تنجح في تحويل هذه النتائج إلى أثر مستدام، فهي التي تحقق التميز الحقيقي.

ومن هنا لم يعد نجاح الاستراتيجية يقاس بمدى الالتزام بخطتها الزمنية أو بنسبة المبادرات التي نُفذت، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي يبقى بعد انتهاء التنفيذ. فالاستراتيجية لا تُقاس بعدد المبادرات التي نُفذت، ولا بنسبة المؤشرات التي تحققت، بل بمقدار التغيير الذي أحدثته في الواقع، لأن النتائج تمثل ما أنجزته المؤسسة، أما الأثر فيمثل الغاية التي صُممت الاستراتيجية لتحقيقها.

لكن إذا كان الأثر هو الغاية النهائية، فلماذا تتوقف كثير من المؤسسات عند النتائج؟ ولماذا يحتفل بعضها بتحقيق المؤشرات، بينما لا يلمس المتعاملون أو الموظفون أو المجتمع أي تغيير حقيقي بعد ذلك؟

تكمن الإجابة في أن القيادة بالنتائج والقيادة بالأثر تنطلقان من سؤالين مختلفين. فالقيادة بالنتائج تسأل: “هل حققنا ما خططنا له؟”، أما القيادة بالأثر فتسأل: “ماذا تغيّر لأننا حققناه؟”. وقد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الواقع يمثل تحولاً جذرياً في طريقة التفكير وصناعة القرار وتقييم النجاح.

ولهذا قد ينجح قائد في تنفيذ جميع المبادرات المعتمدة، وتحقيق نسب الإنجاز المستهدفة، والالتزام بالخطة الزمنية، ثم يغادر المؤسسة دون أن يترك وراءه تغييراً مستداماً في الأداء أو الثقافة أو جودة الخدمات. وفي المقابل قد لا يحقق قائد آخر العدد نفسه من المبادرات، لكنه ينجح في إحداث تحول يستمر أثره لسنوات، لأن تركيزه لم يكن على إنهاء المشروع، بل على ما سيبقى بعد انتهائه.

ومن هنا لا يصبح الإنجاز هو نهاية المهمة، بل بدايتها. فالنتيجة تمثل محطة في رحلة التغيير، أما الأثر فهو الوجهة التي يجب أن تصل إليها المؤسسة. ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال عند إغلاق أي مشروع: “هل انتهى؟”، بل: “ماذا سيبقى منه بعد عام؟ وبعد خمسة أعوام؟ وهل ستظل المؤسسة تحقق القيمة نفسها إذا تغيرت القيادات أو توقفت المبادرة؟”

ويتوافق هذا التحول مع مفهوم القيمة العامة (Public Value) الذي قدمه Mark H. Moore، والذي يرى أن نجاح المؤسسات، ولا سيما الحكومية، لا يُقاس بحجم الخدمات التي تقدمها أو الموارد التي تنفقها، بل بالقيمة المستدامة التي تحققها للمجتمع ولأصحاب المصلحة، ومن هذا المنطلق لم تعد النتيجة هدفاً بحد ذاتها، بل أصبحت وسيلة لإحداث أثر يمكن قياسه واستمراره.
كما ينسجم ذلك مع التطور الذي شهدته بطاقة الأداء المتوازن، التي لم تعد تقتصر على متابعة المؤشرات المالية والتشغيلية، بل ربطت بين النتائج قصيرة المدى والقدرات الاستراتيجية التي تضمن استمرار الأداء مستقبلاً، وهو ما يؤكد أن قيمة المؤشرات لا تكمن في تحقيقها فقط، بل في قدرتها على بناء أداء مستدام.

وهنا يتضح أن التميز بالأثر لا يلغي أهمية النتائج، بل يبني عليها، فالنتائج هي الدليل على أن المؤسسة أنجزت، أما الأثر فهو الدليل على أن هذا الإنجاز غيّر الواقع، وأصبح جزءاً من مستقبل المؤسسة لا من ماضيها فقط، وهذا التحول لا يقتصر على طريقة قياس الأداء، بل يعكس تطوراً في فلسفة القيادة نفسها. فالقيادات لا تختلف فقط في كفاءتها، بل تختلف أيضاً في السؤال الذي تضعه أمامها عند تقييم نجاحها.

فهناك قيادة ترى أن نجاحها يتحقق بمجرد تنفيذ الأنشطة والبرامج والخطط المعتمدة، فتقيس أداءها بعدد المبادرات التي أطلقتها، والاجتماعات التي عقدتها، والدورات التي نفذتها، والمشروعات التي انتهت منها. وهنا يصبح الإنجاز التشغيلي هو معيار النجاح، حتى وإن لم ينتج عنه تغيير حقيقي في الواقع.

وبعض القيادات تنتقل إلى مستوى أكثر نضجاً، فتجعل النتائج معياراً لنجاحها. فلا يكفي لديها تنفيذ المبادرات، بل تهتم بما حققته من مؤشرات، وما أنجزته من مستهدفات، وما أحدثته من تحسن في الأداء. وتمثل هذه المرحلة نقلة مهمة في الفكر الإداري، لأنها تربط العمل بالنتائج لا بالأنشطة، وهو ما أكدته فلسفة الإدارة بالأهداف التي طرحها Peter Drucker، عندما ربط نجاح الإدارة بتحقيق الأهداف المتفق عليها.

غير أن القيادة الأكثر نضجاً لا تتوقف عند النتائج، بل تتجاوزها إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيبقى بعد هذه النتائج؟ فهي لا تنظر إلى المشروع عند لحظة إغلاقه، بل عند لحظة استمرار أثره. ولا تقيس نجاح المبادرة بعدد ما حققته من مؤشرات، بل بقدرتها على تغيير السلوك، أو تطوير الثقافة، أو تحسين جودة الحياة، أو بناء قدرة مؤسسية تستمر حتى بعد انتهاء المشروع أو تغير القيادات.

ومن هنا لا تصبح الأنشطة غاية، ولا النتائج نهاية، بل تصبح جميعها وسائل للوصول إلى الأثر. فالأنشطة تُنفذ لكي تحقق نتائج، والنتائج تتحقق لكي تصنع أثراً، والأثر الحقيقي يكتمل عندما يصبح مستداماً. ولهذا فإن القيادة التي تكتفي بإدارة الأنشطة تحقق إنجازاً تشغيلياً، والقيادة التي تركز على النتائج تحقق إنجازاً إدارياً، أما القيادة التي تجعل الأثر هدفها النهائي، فإنها تصنع تحولاً مؤسسياً يبقى بعد رحيلها.

ولعل هذا هو التحول الذي تشهده اليوم نماذج التميز العالمية، حيث لم يعد الاهتمام منصباً على حجم ما أنجزته المؤسسة، بل على حجم القيمة التي أوجدتها، ومدى استدامة هذه القيمة مع مرور الزمن. ولهذا أصبحت المؤسسات الرائدة تقيس نجاحها بقدرتها على صناعة أثر مستدام، لا بمجرد تحقيق نجاح مؤقت.

ولا تبقى هذه المفاهيم مجرد أطروحات نظرية، بل يمكن ملاحظتها بوضوح في تجارب عدد من المؤسسات العالمية، حيث نجحت بعضها في تحويل النتائج إلى أثر مستدام، بينما توقفت مؤسسات أخرى عند حدود النتائج رغم امتلاكها الإمكانات نفسها. وهنا تتضح الفروق العملية بين القيادة التي تركز على الإنجاز، والمؤسسة التي تجعل من الإنجاز نقطة بداية لصناعة أثر طويل المدى.

ولعل تجربة Microsoft تمثل أحد أبرز الأمثلة على الفرق بين تحقيق النتائج وصناعة الأثر. فعندما تولى Satya Nadella قيادة الشركة عام 2014، كانت Microsoft تواجه تحدياً يتجاوز تراجع بعض المنتجات أو بطء الابتكار، إذ كانت الثقافة التنظيمية نفسها تميل إلى المنافسة الداخلية أكثر من التعلم والتعاون، مما حدّ من سرعة التكيف مع التحولات التقنية. ولهذا لم تركز القيادة الجديدة على تحسين المؤشرات المالية بوصفها الهدف الأول، بل بدأت بإعادة بناء الثقافة .

المؤسسية، فاعتمدت فلسفة Growth Mindset التي تشجع التعلم المستمر، وعززت التعاون بين الإدارات، وربطت الأداء بالابتكار وتبادل المعرفة بدلاً من المنافسة الداخلية. وانعكس هذا التحول لاحقاً على تسريع الابتكار، وتعزيز القدرة على التكيف، وارتفاع القيمة السوقية للشركة بصورة كبيرة، ومثّل ارتفاع الإيرادات ونمو القيمة السوقية نتائج قابلة للقياس، بينما تمثل الأثر الأعمق في بناء ثقافة مؤسسية عززت التعلم والتعاون والقدرة على الابتكار والتكيف، وهي الثقافة التي ما زالت تقود أداء الشركة حتى اليوم، لتجسد الفرق بين نتيجة تحققت وأثر استمر.

أما Tesla فتقدم مثالاً مختلفاً على أن الأثر قد يتجاوز حدود المؤسسة ليعيد تشكيل قطاع كامل. فمنذ سنواتها الأولى في وقت كانت فيه السيارات الكهربائية ما تزال تمثل خياراً محدود الانتشار، وكانت صناعة السيارات التقليدية تعتمد بصورة شبه كاملة على محركات الاحتراق الداخلي، لم تركز الشركة على زيادة مبيعات السيارات الكهربائية بوصفها غاية بحد ذاتها، بل تبنت رؤية تقوم على تسريع التحول العالمي نحو الطاقة المستدامة. ولهذا استثمرت في تطوير تقنيات البطاريات، وتوسيع البنية الصناعية للإنتاج، وإنشاء مصانع Gigafactory، كما أتاحت عدداً من براءات اختراعها لدعم انتشار المركبات الكهربائية وتسريع الابتكار في القطاع. وانعكست هذه الجهود على نمو الشركة وزيادة مبيعاتها، وهي نتائج يمكن قياسها بالأرقام، أسهمت في تسريع اهتمام الصناعة العالمية بالمركبات الكهربائية ودفع المنافسين إلى زيادة استثماراتهم في هذا المجال.

وفي المقابل، تكشف تجربة Kodak أن امتلاك المعرفة وتحقيق النتائج لا يضمنان استمرار النجاح إذا لم يتحولا إلى أثر مستدام، فقد كانت الشركة لعقود طويلة تتصدر سوق التصوير الفوتوغرافي، وحققت نتائج مالية قوية، بل كانت من أوائل الشركات التي طورت تقنيات التصوير الرقمي، غير أن الشركة لم تحول ريادتها التقنية المبكرة إلى نموذج أعمال رقمي بالسرعة والعمق اللذين فرضهما تحول السوق، وظلت أعمال الأفلام التقليدية تحتل موقعاً مركزياً في نموذجها الاقتصادي، ولهذا لم تتحول المعرفة التي امتلكتها إلى قرار استراتيجي يعيد تشكيل مستقبل الشركة، بل بقيت حبيسة النموذج التقليدي الذي اعتادت النجاح من خلاله. ومع تسارع التحول الرقمي فقدت الشركة موقعها الريادي، لتؤكد أن تحقيق النتائج في الحاضر لا يكفي إذا لم يُستخدم لبناء أثر يضمن استمرار المؤسسة في المستقبل.

وتكشف هذه التجارب أن القيادة بالنتائج قد تنجح في تحقيق المستهدفات المرحلية، لكنها لا تضمن وحدها استدامة النجاح،أما التميز بالأثر فيبدأ عندما تتحول النتائج إلى قيمة تتجاوز حدود المشروع، وتغير طريقة عمل المؤسسة، أو سلوك العاملين، أو تجربة المتعاملين، أو حتى طبيعة القطاع الذي تعمل فيه. ولذلك لا يُقاس النجاح الحقيقي بما أُنجز اليوم، بل بما يستمر تأثيره بعد سنوات.

وتكشف هذه التجارب أن صناعة الأثر لا تكفي وحدها إذا لم تستطع المؤسسة المحافظة عليه. فقد يتراجع التغيير مع تبدل القيادات، أو توقف التمويل، أو انتهاء المشروع، أو عودة الممارسات القديمة. ولهذا يبدأ المستوى الأعلى من التميز عندما يتحول الأثر إلى قدرة مؤسسية متجددة لا تعتمد على استمرار المبادرة أو بقاء الفريق الذي صنعها.

ومن هنا لا يكون السؤال الحقيقي بعد انتهاء أي مبادرة: “هل نجحت؟”، بل: “هل ستستمر نتائجها في صناعة القيمة بعد خمس سنوات؟ وهل أصبحت جزءاً من ثقافة المؤسسة ونظامها، أم أنها ستنتهي بانتهاء الفريق الذي نفذها؟”

ويتفق ذلك مع نظرية التغيير (Theory of Change)، التي تميز بين تحقيق النتائج وتحقيق الأثر بعيد المدى، وترى أن القيمة الحقيقية للمشروعات لا تُقاس عند انتهاء التنفيذ، بل عند قدرتها على إحداث تغيير مستدام يمكن المحافظة عليه وتطويره مع مرور الزمن، كما يتوافق مع مفهوم القيمة العامة (Public Value) الذي يؤكد أن المؤسسات، ولا سيما الحكومية، لا تحقق نجاحها الحقيقي بمجرد تقديم الخدمات أو تحقيق المؤشرات، بل بقدرتها على إنتاج قيمة عامة تستمر آثارها في المجتمع.

ولهذا فإن المؤسسات المتميزة لا تبني مشروعاتها لتنجح اليوم فقط، بل لتبقى نتائجها قادرة على إنتاج القيمة مستقبلاً. فهي لا تكتفي بتحسين المؤشرات، بل تعمل على ترسيخ الممارسات الجديدة، وتطوير القدرات، وبناء الثقافة المؤسسية، ونقل المعرفة، وتحديث الأنظمة، حتى يصبح الأثر جزءاً من طريقة العمل اليومية، لا نتيجة مرتبطة بمبادرة مؤقتة أو قائد استثنائي.

وهكذا يتدرج نضج القيادة من إدارة الأنشطة إلى تحقيق النتائج، ثم صناعة الأثر، وصولاً إلى بناء قدرة مؤسسية تستديم هذا الأثر بعد تغير القيادات وانتهاء المبادرات.

وهنا يظهر الفرق بين القيادة والتميز؛ فالقيادة بالنتائج تحقق المستهدفات وتثبت قدرة المؤسسة على الإنجاز، أما التميز بالأثر فيحول هذا الإنجاز إلى قيمة تبقى وتتجدد. فتحقيق النتائج لم يعد ميزة استثنائية، بل مطلباً طبيعياً تتوقعه المؤسسات من قياداتها، بينما يبدأ التميز عندما تستمر النتائج في تغيير الواقع بعد انتهاء المشروع وتغير القيادات.
فالنتائج تثبت أن المؤسسة أنجزت، أما الأثر فيثبت أنها غيّرت، واستدامة الأثر تثبت أن هذا التغيير أصبح جزءاً من مستقبل المؤسسة لا حدثاً عابراً في ماضيها. وهناك تحديداً يبدأ التميز المؤسسي.

كلمات مفتاحية:
القيادة بالنتائج، التميز بالأثر، النتائج المؤسسية، الأثر المؤسسي، استدامة الأثر، إدارة الأثر، قياس الأثر، القيمة المؤسسية، القيمة العامة، إدارة الأداء، الإدارة بالأهداف، التخطيط الاستراتيجي، تنفيذ الاستراتيجية، تنفيذ المبادرات، مؤشرات الأداء، المخرجات، النتائج، الأثر طويل المدى، استدامة النتائج، القيمة المستدامة، القيادة الاستراتيجية، القيادة التحويلية، القيادة المؤسسية، التميز المؤسسي، إدارة القيمة، الحوكمة المؤسسية، التغيير المؤسسي، التحول المؤسسي، جودة الحياة، التنمية المستدامة، نظرية التغيير، بطاقة الأداء المتوازن، إدارة الأداء الاستراتيجي، بناء القيمة، استدامة التميز، التحسين المستمر، الأثر المجتمعي، الأثر التنظيمي، الأثر الاستراتيجي.

(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

1. السالم، مؤيد سعيد. (2020). إدارة المعرفة. عمّان، الأردن: دار إثراء للنشر والتوزيع.
2. سنجي، بيتر. (2006). المنظمة المتعلمة: فن وممارسة المنظمة المتعلمة. (ترجمة: طلعت الشايب). القاهرة: دار النهضة العربية.
3. Drucker, P. F. (1954). The Practice of Management. New York, NY: Harper & Row.
4. Kaplan, R. S., & Norton, D. P. (1996). The Balanced Scorecard: Translating Strategy into Action. Boston, MA: Harvard Business School Press.
5. Moore, M. H. (1995). Creating Public Value: Strategic Management in Government. Cambridge, MA: Harvard University Press.
6. OECD. (2021). Applying Evaluation Criteria Thoughtfully. Paris: OECD Publishing.
7. Rogers, P. J. (2014). Theory of Change: Methodological Briefs – Impact Evaluation No. 2. Florence: UNICEF Office of Research.
8. Weiss, C. H. (1995). Nothing as Practical as Good Theory: Exploring Theory-Based Evaluation for Comprehensive Community Initiatives for Children and Families. In J. P. Connell, A. C. Kubisch, L. B. Schorr, & C. H. Weiss (Eds.), New Approaches to Evaluating Community Initiatives: Concepts, Methods, and Contexts (Vol. 1, pp. 65–92). Washington, DC: Aspen Institute

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (130) “القيادة بالمعنى مقابل التميز بالهوية المؤسسي”

حين لا يعمل الأفراد من أجل المهمة فقط… بل من أجل ما تعنيه لهم شبكة …

اترك تعليقاً