شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار التطوير الاستراتيجي واستشراف المستقبل، 03 أكتوبر 2026
نعيشُ اليوم في عالم الاستعراض (Show off). فالجميعُ يتحدثُ عن نفسهِ وأفكارهِ، عن خططهِ ونجاحاتهِ، وحتى عن مشاعرهِ الخاصة. أصبحَ من السهلِ أن يعرفَ الناسُ عن بعضهم الكثير وفي زمنٍ قياسي، لكنّ المفارقةَ أنّ هذا الاكتشافَ لا يعني بالضرورة الفهمَ بصورةٍ أفضل. وأحياناً يحدثُ العكسُ تماماً. فكلما كشفَ الإنسانُ أوراقهُ بسرعةٍ، تركَ مساحةً أقلّ للفضول، وأعطى الآخرين فرصةً أكبرَ لتوقع خطواتهِ. وربما لهذا السببِ تحديداً تبدو بعضُ الشخصيات أكثر حضوراً من غيرها؛ ليس لأنها تتحدثُ أكثر، بل لأنها تعرفُ ماذا تقول، ومتى، وتدركُ أين يكونُ الصمتُ أكثر تأثيراً من الكلام.
ومن هنا تبدأُ واحدةٌ من أكثر المهاراتِ إثارةً في العلاقاتِ الإنسانية، وتتلخصُ في صناعةِ الحضور . وهذا لا يعني قطعاً أن يعيشَ الإنسانُ بشخصيةٍ مصطنعةٍ، أو أن يتحولَ إلى ممثلٍ يغيّرُ وجههُ مع كل شخصٍ يقابلهُ. وإنما المقصودُ أبسطُ وأعمقُ في الوقتِ نفسهِ: أن ندركَ أنّ لكلِ موقفٍ لغتهُ، وأنّ لكلِ علاقةٍ حدودها، وأنّ الإنسانَ الناضجَ لا يتعاملُ مع العالم كلهِ بالطريقةِ نفسها. هناك مواقف تحتاجُ إلى الحزم، وأخرى تحتاجُ إلى المرونة، وأشخاصٌ يحتاجُ التعاملُ معهم إلى قدرٍ أكبرَ من الصراحة، بينما يتطلبُ آخرون قدراً أكبرَ من التحفظ. ولا يعني إدراكنا لهذهِ التفاصيل أن نرتديَ قناعاً مزيفاً؛ بل نعرفَ كيف نختارُ الدورَ المناسبَ للموقفِ دون أن نفقدَ هويتنا.
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ الحضورَ نفسهُ ليس مرادفاً للظهور المستمر. فأحياناً يكونُ الاختفاءُ المؤقتُ أكثرُ قدرةً على لفتِ الانتباه من الوجودِ الدائم الذي قد يفقدُ جزءاً من قيمتهِ مع الوقت، ولهذا فإنّ إتقانك لوقتِ الظهور ووقتِ الانسحابِ ليس موقفاً اجتماعياً عابراً، بل جزءاً من فهم طبيعةِ الانتباهِ البشري.
لكنّ المسألةَ لا تتعلقُ بالحضورِ وحدهُ، بل بالصورةِ التي نتركها خلفنا. فالآخرون لا يعرفون دائماً حقيقتنا كاملة؛ هم يتعاملون مع الانطباع الذي تكوّنَ لديهم عنا من طريقةِ حديثنا، وردودِ أفعالنا، والأشياء التي نكشفها، وحتى الأشياء التي نقررُ عدم الحديث عنها، وهذه كلها تدخلُ في صناعةِ هذه الصورةِ أمامَ الآخرين، والتي ربّما قد يتركُ الإنسانُ مهمةَ تشكيلها للظروفِ نيابةً عنهُ.
ولا بدّ من التأكيد على أنّ التحكمَ في الصورةِ لا يعني صناعةَ شخصيةٍ وهميةٍ. بل على العكسِ تماماً فأكثرُ ما يضعفُ الصورةَ أن يحاولَ الإنسانُ أن يبدوَ مثالياً طوالَ الوقت. والمبالغة في إظهار القوة، أو المعرفة، أو السيطرة، وحتى الذكاء عندما يتحوّلُ إلى استعراضٍ يفقدُ شيئاً من قيمتهِ. ليس من الضروري أن يعرفَ الجميعُ أنكَ أدركتَ ما لم يدركوهُ، أو أنكَ كنتَ الأسبقَ إلى الفكرة، أو أنكَ تستطيعُ الإجابةَ عن كل سؤال. أحياناً يكونُ تركُ مساحةٍ للآخرينَ لإثباتِ قدراتهم أكثرَ تأثيراً وفاعلية.
وفي بيئةِ العمل، تظهرُ هذه التفاصيلُ بصورةٍ أكثر حساسية. فالفريقُ لا يتكونُ من مهامٍ وجداولَ وإجراءاتٍ فقط؛ إنهُ مجموعةٌ من الشخصياتِ والانفعالاتِ والتوقعاتِ. ولذلك يمكنُ لشخصٍ واحدٍ أن يؤثرَ في المزاج العام أكثر مما نتوقعُ. وهنا يصبحُ فهمُ الأشخاصِ ضرورةً، لا ترفاً. فليست كلُّ مشكلةٍ تحتاجُ إلى مواجهةٍ مباشرةٍ، وليست كلُّ مقاومةٍ تحتاجُ إلى كسرٍ. أحياناً يكونُ التغييرُ التدريجي أكثر قدرةً على الاستمرار من التغيير الصادم. فعندما يشعرُ الناسُ أنَّ كلّ شيءٍ يتغيرُ دفعةً واحدةً، قد ينشغلون بالدفاع عن المألوف بدلاً من التفكير في الجديد. أما عندما يأتي التغييرُ على مراحل، فإنّ مساحةَ التكيفِ تكونُ أكبر، ويصبحُ الانتقالُ أقلَّ إثارةً للمقاومة.
ونصلُ إلى سؤالٍ أكثر عمقاً: هل التأثيرُ في الآخرين نوعٌ من التلاعب؟
الإجابةُ ليست بهذه البساطة. فالتأثيرُ موجودٌ في كلّ علاقةٍ تقريباً. نحنُ نُقنعُ ونفاوضُ ونشرحُ ونحاولُ أن نفهمَ الآخرين ونجعلهم يفهموننا. المشكلةُ تبدأُ عندما يتحولُ فهمُ الإنسان إلى وسيلةٍ لاستغلالِ نقاطِ ضعفهِ، وعندما يصبحُ التحكمُ في الصورةِ والمعلوماتِ والمشاعرِ طريقاً لإخضاع الآخرين بدلاً من التواصلِ معهم.
وهنا تصبحُ المعرفةُ نفسها مسؤولية. فأن تعرفَ كيف تصنعُ الانطباعَ لا يعني أن تخدعَ. وأن تعرفَ قيمةَ الغموضِ لا يعني أن تكونَ مراوغاً. وأن تعرفَ متى تصمتُ لا يعني أن تخفي الحقيقة. وأن تعرفَ كيفَ تستخدمُ مشاعركَ لا يعني أن تتخلى عن صدقك. الفارقُ الحقيقي يكمنُ في الغايةِ التي تقفُ وراءَ هذه الأدوات وفي الطريقةِ التي نستخدمها بها.
وخلاصةُ القول: إنّ القوةَ ليست في أن تجعلَ الجميعَ ينتبهون إليك، ولا في أن تمتلكَ القدرةَ على تحريكِ الآخرين كما تشاء. وإنما في فهمك لطبيعةِ الموقف، وإدارةِ حضورك دونَ فقدك لنفسك، وإدراكك أنَّ بعضَ الأشياء تزدادُ قيمةً في ندرةِ عرضها.
تلكَ هي الحرفةُ الخفيةُ: ألا تجعلَ حضوركَ مجردَ ظهورٍ، وألا تجعلَ صمتكَ غياباً، وألا تجعلَ صورتكَ بديلاً عن حقيقتكَ. أن تعرفَ كيف تؤثرُ، من دونِ أن تتحوّلَ إلى شخصٍ يعيشُ فقط من أجل التأثير.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز