ومضات معرفية (18) حقيقة التفكير الاستراتيجي

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار التطوير الاستراتيجي واستشراف المستقبل، 23 أكتوبر 2026
تخيّل أنكَ تقضي يومك كاملاً في الركض؛ تردُّ على الاتصالات، وتعالجُ المشكلات، وتلاحقُ المهامَ المتراكمة، وتحاولُ إرضاءَ الجميع. وحينَ يحلُّ المساءُ، تشعرُ بأنك لسببٍ لا تفهمهُ، لم تتقدم بالقدر الذي كنتَ تتمناهُ. أنجزتَ الكثير، ومع ذلك ما زلتَ في المكان نفسهِ تقريباً!

المشكلةُ هنا ليست بالضرورة بالجهد المبذول، بل ربّما في الاتجاهِ الذي نبذلهُ فيهِ. فقد ننشغلُ طوالَ الوقت بإطفاءِ الحرائق الصغيرة، إلى درجة أننا لا ننتبهُ إلى الحريق الأكبر الذي يقتربُ. نحلُّ مشكلةَ اليوم، ثمّ نعودُ غداً إلى المشكلةِ نفسها، ونكررُ الأمرَ حتى يصبحَ الانشغالُ أسلوبَ حياةٍ، ويصبحَ الركضُ بديلاً عن التقدم.

تعودنا في حياتنا اليومية أن نميلَ غالباً إلى التعامل مع الأمور الأكثر إلحاحاً، لا الأكثر أهمية. وهكذا تمضي الأيامُ، وتسرقُ التفاصيلُ الصغيرةُ الوقتَ الذي كان يمكنُ أن نخصصهُ لبناءِ مستقبلٍ أفضلَ. لكنّ السؤالَ الذي يستحقُ أن نتوقفَ عندهُ هو: هل نحنُ من يديرُ يومهُ، أم أنّ يومنا هو الذي يديرُنا؟

هنا تبدأُ الحكايةُ الحقيقيةُ للتفكير الاستراتيجي. وهو ليس مصطلحاً معقداً يخصُ القادةَ وأصحابَ المناصب، ولا مهارةً تحتاجُ إلى مكاتبَ فخمةٍ وتقارير طويلة. إنهُ ببساطةٍ أن ترفعَ رأسك قليلاً عن تفاصيل يومك، وتنظرَ إلى الصورةِ كاملةً. أن تسألَ نفسكَ قبلَ اتخاذِ القرار: إلى أينَ سيقودني هذا التصرف؟ وهل ما أفعلهُ الآن يُقربني من هدفي، أم يمنحني فقط شعوراً مؤقتاً بأنني مشغولٌ؟

الإنسانُ الذي يفكرُ للمستقبل لا ينتظرُ حتى تتراكمَ المشكلاتُ أمامهُ. إنهُ يلاحظُ الإشاراتِ الصغيرةَ قبلَ أن تتحوّلَ إلى أزماتٍ كبيرةٍ. ففي العمل، قد يكونُ تراجعٌ بسيطٌ في رضا المتعاملين إنذاراً مبكراً لمشكلةٍ أعمق. وفي العلاقات، قد يكونُ الصمتُ المتكررُ بدايةً لمسافةٍ تتسعُ بين شخصين. وفي حياتنا الشخصية، قد يكونُ التأجيلُ المستمرُ علامةً على أن هدفاً مهماً بدأَ يتراجعُ إلى آخر القائمة. ليست كلُّ إشارةٍ دليلاً قاطعاً على وجود مشكلة، لكنها تستحقُ الانتباهَ؛ لأنّ تجاهلَ الأسئلةِ الصعبةِ اليوم قد يجعلُ الإجاباتِ غداً أكثر كلفة.

ومع ذلك، لا يكفي أن نتوقعَ ما قد يحدث، بل علينا أيضاً أن نتحلى بالمرونة، ونتحررَ من فكرةِ أنّ الأمورَ يجبُ أن تسيرَ بالطريقةِ التي رسمناها منذُ البداية. فالشجاعةُ لا تكونُ في الإصرار، بل في الاعتراف بأننا بحاجةٍ إلى تغيير الاتجاه عندما نصلُ إلى طريقٍ مسدودٍ.

غيرَ أنّ من أبرز الأخطاء التي نقعُ فيها غالباً المغالاة في رسم الأهداف التي قد تفوقُ إمكاناتنا الفعلية، ثم نلومُ الظروفَ عندما نتعثرُ. وإذا كان الطموحُ ضرورياً فإنهُ بالضرورة يحتاجُ إلى حسابٍ واقعي للوقتِ والموارد والقدرات. والأهدافُ الكبيرةُ لا تتحققُ عادةً بقفزةٍ واحدةٍ، وإنما بخطواتٍ متتابعةٍ قد تبدو متواضعةً في البداية. والتقدمُ الهادئُ قد لا يلفتُ الأنظارَ كلّ يوم، لكنهُ يصنعُ الفارقَ مع مرور الوقت.

وعندما تشتدُّ الضغوطُ، يظهرُ الفرقُ بين من تقودهُ اللحظةُ ومن يقودُ نفسهُ خلالها. فالقلقُ قد يدفعنا إلى قراراتٍ متسرعةٍ، والغضبُ قد يجعلنا نرى الموقفَ من زاويةٍ واحدةٍ، والخوفُ قد يدفعنا إلى التمسكِ بحلولٍ لم تعد مناسبة. لذلك، فإنّ التوقفَ قليلاً قبلَ الرد، وجمعَ المعلوماتِ قبلَ الحكم، والنظرَ إلى العواقب قبلَ التصرف، ليست علاماتٌ ترددُ؛ بل قد تكونُ أفضل ما نفعلهُ في أكثر اللحظاتِ حساسية.

ولا تكتملُ الرؤيةُ الاستراتيجيةُ من دون فهم الناس من حولنا. وكلما أصغينا جيداً، وابتعدنا عن الأحكام المتسرعةِ، أصبحنا أقدرَ على فهم المواقفِ والتعاملِ معها بذكاءٍ. بدءاً بالبحثِ عن جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاءِ بمظاهرها.

وخلاصةُ القول: ربما لا نستطيعُ منعَ كلّ مشكلةٍ من الحدوث، لكننا نستطيعُ أن نتعلمَ كيفَ نراها مبكراً، وكيف نستعدُّ لها، وكيف لا نسمحُ لها بأن تسرقَ منا اتجاهنا. فالحكمةُ ليست في أن نظلَ بارعين في إطفاءِ الحرائق، بل في أن نمتلكَ الشجاعةَ لنبتعدَ قليلاً عن الدخان، ونبحثَ عن مصدر النار.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

ومضات معرفية (15) الذكاء الاجتماعي ولعبة العلاقات

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار التطوير استراتيجي واستشراف المستقبل 23 سبتمبر 2026 …

اترك تعليقاً