إنجاز عالمي ودروس لمستقبل الكوكب
الحلقة رقم (40) في سلسلة “خواطر زراعية”
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 09 سبتمبر 2026
في السادس عشر من سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم بـاليوم الدولي للحفاظ على طبقة الأوزون، وهي مناسبة أممية تحمل أهمية استثنائية؛ لأنها تذكر البشرية بواحدة من أنجح التجارب الدولية في مواجهة مشكلة بيئية عالمية، وتؤكد أن التعاون بين الدول، عندما يستند إلى العلم والإرادة السياسية، يمكن أن يحقق نتائج ملموسة في حماية كوكب الأرض.
ولا تمثل طبقة الأوزون مجرد طبقة من الغازات تحيط بالأرض، وإنما تؤدي دورًا حيويًا في حماية الكائنات الحية من الآثار الضارة للأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس. ولذلك فإن الحفاظ عليها يرتبط بصورة مباشرة بصحة الإنسان والحيوان والنبات، وبسلامة النظم البيئية التي تقوم عليها الحياة.
ما طبقة الأوزون؟
الأوزون غاز يتكون من ثلاث ذرات من الأكسجين، ويرمز إليه كيميائيًا بـ«O3». ويوجد الأوزون في أجزاء مختلفة من الغلاف الجوي، إلا أن أهم تجمعاته يوجد في طبقة الستراتوسفير، على ارتفاعات تتراوح تقريبًا بين 10 و40 كيلومترًا فوق سطح الأرض.
وتتمثل الوظيفة الأساسية لطبقة الأوزون في امتصاص نسبة كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية الضارة القادمة من الشمس، وخاصة الأشعة ذات التأثيرات الخطيرة على صحة الإنسان والأنظمة البيئية.
ولو تعرضت طبقة الأوزون لتدهور واسع ومستمر، فإن كميات أكبر من الأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تصل إلى سطح الأرض، بما يرفع المخاطر الصحية والبيئية، ويؤثر في المحاصيل الزراعية والكائنات البحرية والتوازن البيئي.
عندما اكتشف العالم الخطر
خلال القرن العشرين، أدت الثورة الصناعية والتوسع في استخدام بعض المواد الكيميائية إلى ظهور مشكلة لم تكن البشرية تدرك خطورتها في البداية. فقد استخدمت مركبات الكلوروفلوروكربون، المعروفة اختصارًا بـCFCs، في أجهزة التبريد والتكييف وبعض منتجات الرش والرغاوي وغيرها من التطبيقات الصناعية.
وتتميز هذه المركبات بأنها مستقرة نسبيًا في الغلاف الجوي، لكنها عندما تصل إلى طبقات الجو العليا يمكن أن تطلق ذرات الكلور، التي تشارك في تفاعلات كيميائية تؤدي إلى تدمير جزيئات الأوزون. وفي ثمانينيات القرن الماضي أصبح حجم المشكلة أكثر وضوحًا مع اكتشاف الانخفاض الكبير في تركيز الأوزون فوق القطب الجنوبي، فيما عُرف إعلاميًا باسم «ثقب الأوزون».
وكانت تلك اللحظة بمثابة جرس إنذار عالمي، دفع الحكومات والعلماء والمؤسسات الدولية إلى البحث عن حل جماعي.
اتفاقية فيينا وبروتوكول مونتريال
جاءت أولى الخطوات الكبرى مع اعتماد اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون عام 1985، التي أرست إطارًا للتعاون الدولي في مجال البحث العلمي والرصد وتبادل المعلومات. ثم جاءت الخطوة الأكثر أهمية في عام 1987، عندما اعتمد المجتمع الدولي بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون.
وضع البروتوكول جدولًا للتخلص التدريجي من المواد التي تستنزف طبقة الأوزون، ونجح مع مرور السنوات في جمع مختلف دول العالم تقريبًا حول هدف بيئي مشترك. ولأهمية هذا الإنجاز، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1994 يوم 16 سبتمبر يومًا دوليًا للحفاظ على طبقة الأوزون، تخليدًا لذكرى توقيع بروتوكول مونتريال.
تجربة أثبتت أن التعاون الدولي ممكن
تعد قضية الأوزون واحدة من النماذج المهمة التي تؤكد قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع المشكلات البيئية الكبرى.
فبدلًا من الاكتفاء بتبادل التحذيرات، انتقل العالم إلى إجراءات عملية شملت تطوير بدائل للمواد الضارة، وتغيير التكنولوجيا المستخدمة في قطاعات صناعية عديدة، وتقديم الدعم للدول النامية لمساعدتها على التحول إلى تقنيات أكثر أمانًا.
وأثبتت التجربة أن حماية البيئة لا تعني بالضرورة إيقاف التنمية أو تعطيل الصناعة، وإنما يمكن أن تعني تطوير التكنولوجيا نفسها لتصبح أكثر توافقًا مع البيئة.
من الأوزون إلى المناخ
لم تتوقف الجهود عند المواد التي تستنزف طبقة الأوزون. ففي عام 2016 اعتمدت الدول تعديل كيغالي لبروتوكول مونتريال، الذي يستهدف الخفض التدريجي لمركبات الهيدروفلوروكربون HFCs. وهذه المركبات لا تستنزف طبقة الأوزون بالطريقة التي كانت تفعلها مركبات CFCs، لكنها من غازات الدفيئة القوية، ولذلك فإن الحد من استخدامها يسهم أيضًا في مواجهة تغير المناخ.
ومن هنا أصبحت قضية الأوزون مرتبطة بصورة متزايدة بقضية المناخ، وخاصة في قطاع التبريد والتكييف، وهو قطاع شديد الأهمية بالنسبة للدول الحارة ومنها مصر والدول العربية.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
تمثل حماية طبقة الأوزون قضية ذات أهمية خاصة لمصر، نظرًا إلى طبيعة المناخ وارتفاع الحاجة إلى أجهزة التكييف والتبريد، سواء في المنازل أو المنشآت التجارية والصناعية والزراعية. ويؤدي قطاع التبريد دورًا مهمًا في حفظ الأغذية والمنتجات الزراعية والدوائية، كما يمثل عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية خلال أشهر الصيف.
ومن ثم فإن التحول إلى تقنيات تبريد وتكييف أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة يحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه: حماية طبقة الأوزون، وخفض الانبعاثات، وترشيد استهلاك الطاقة، وتقليل تكلفة التشغيل على المدى الطويل.
كما أن القطاع الزراعي يمكن أن يستفيد من هذه التقنيات في سلاسل التبريد، التي تعد عنصرًا مهمًا في تقليل فاقد المنتجات الزراعية بعد الحصاد.
مسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها
ورغم أهمية الاتفاقيات الدولية والتشريعات الحكومية، فإن حماية البيئة تبدأ أيضًا من السلوك اليومي. فالمستهلك له دور في اختيار الأجهزة الأعلى كفاءة في استهلاك الطاقة، والحرص على صيانة أجهزة التكييف والتبريد، وعدم التخلص العشوائي من الأجهزة القديمة، بما قد يؤدي إلى تسرب غازات التبريد إلى البيئة.
كما تقع على الشركات مسؤولية استخدام تقنيات ومواد تبريد أكثر توافقًا مع المعايير البيئية، وعلى الفنيين والعاملين في قطاع التبريد مسؤولية التعامل السليم مع غازات التبريد أثناء الصيانة والتخلص من المعدات القديمة.
رسالة 16 سبتمبر
إن اليوم الدولي للحفاظ على طبقة الأوزون ليس مجرد مناسبة بيئية تتكرر كل عام، بل هو تذكير بتجربة عالمية أثبتت أن المشكلات التي تبدو مستعصية يمكن التعامل معها عندما يتوافر العلم والتعاون والالتزام. لقد واجه العالم خطرًا حقيقيًا على طبقة تحمي الحياة، واستطاع أن يضع قواعد مشتركة للحد من المواد المسببة للمشكلة، ويطور بدائل تكنولوجية، ويحقق تقدمًا ملحوظًا في استعادة طبقة الأوزون.
والدرس الأهم هو أن حماية البيئة لا تتعارض مع التنمية، وإنما تحتاج إلى تنمية أكثر ذكاءً، وتكنولوجيا أكثر كفاءة، واستهلاك أكثر مسؤولية. وفي 16 سبتمبر، لا يحتفل العالم بطبقة الأوزون فقط، وإنما يحتفل أيضًا بفكرة أكبر: أن التعاون الإنساني قادر على حماية مستقبل الأجيال القادمة عندما تتحول المعرفة العلمية إلى قرارات وسياسات وأفعال حقيقية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز