شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 09 سبتمبر 2026
كثيرًا ما يلفت انتباهي جمال الاختلاف في اللهجات العربية؛ فالكلمة نفسها قد تنتقل من بيئة إلى أخرى بظلال جديدة ونبرة مختلفة وصورة أوسع. بعض اللهجات تحتفظ بمفردات قديمة، وبعضها يبتكر تعبيرات نابضة بالحياة، وبعضها يحمل آثار البيئة التي نشأ فيها؛ رائحة البحر، أو الصحراء، أو الجبل، أو حياة المدينة. وفي كل مرة أتأمل هذا التنوع، أجد نفسي أعود إلى البيئة؛ فالجمال في الطبيعة لا يقوم على لون واحد، ولا على نوع واحد من الأشجار أو الطيور أو الأزهار، وإنما على التنوع الذي يمنح المشهد ثراءه وحيويته.
ومن هنا بدأت تتشكل لدي قناعة بأن جهود حماية اللغة في التخطيط اللغوي السليم لا ينبغي أن تتخذ من اللهجات خصمًا لها، وإنما سندًا من روافدها. فاللهجات ليست كيانًا غريبًا عن العربية، وإنما هي جزء من حركتها الاجتماعية وذاكرتها الحية، تحمل شيئًا من تاريخ الناس وطرائق عيشهم وتجاربهم اليومية. واللغة المشتركة تحتاج إلى هذا الثراء بقدر حاجتها إلى قواعدها ومعاييرها.
ولعل من أجمل ما يلفت النظر أن بعض اللهجات لا تكتفي بإنتاج تعبيراتها الخاصة، وإنما تحفظ أحيانًا شيئًا من الذاكرة اللغوية القديمة. وقد لفت انتباهي ما كتبه زميلي الباحث د. عبد الحكيم الزبيدي عن استعمال كلمة “نشَّ” في اللهجة الإماراتية بمعنى: استيقظ من النوم. وهي من الاستعمالات اللافتة التي تبدو في ظاهرها لفظة محلية يومية، غير أن البحث في جذورها يقود إلى أفق أوسع؛ إذ ربطها بتعبير “ناشئة الليل” في قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، حيث يلتقي معنى النشوء والقيام والانبعاث في دوائر دلالية متقاربة.
وتوقفت طويلًا عند هذه الفكرة؛ لأنها تجعل اللهجة أشبه ببذور برية تحفظها الطبيعة بعيدًا عن الأنظار. فقد يظن المرء أن كلمة ما غابت أو ضعفت أو انسحبت من المجال الفصيح المتداول، ثم يفاجأ بأنها ما تزال حيّة في طرف من أطراف البيئة اللغوية، تؤدي وظيفتها اليومية بهدوء. وعندها لا تبدو اللهجات مناطق منفصلة عن العربية، وإنما تبدو أشبه ببنوك لغوية صغيرة تحفظ شيئًا من تنوعها وذاكرتها.
غير أن التنوع لا يعني غياب المركز الجامع. فالبيئة المتوازنة ليست تجمعًا عشوائيًا للكائنات، وإنما نظام تحكمه علاقات دقيقة تحفظ انسجامه. وكذلك العربية؛ فالفصحى تظل المجال المشترك الذي يربط هذا التنوع ويمنحه القدرة على التواصل والتراكم المعرفي، بينما تمنح اللهجات اللغة ألوانها وظلالها وحضورها الإنساني في الحياة اليومية.
والأمر يتجاوز اللهجات إلى اللغات نفسها داخل المجتمعات. فوجود لغات متعددة في فضاء واحد ليس دائمًا علامة انقسام، بل قد يكون دليلًا على حيوية ثقافية، وتبادل معرفي، وحضور حضاري، واسع. فالمجتمعات التي تستقبل لغات متعددة وتتحاور معها تمتلك فرصًا أكبر للتفاعل مع العالم، بشرط أن يحدث ذلك دون أن تفقد لغتها الجامعة مكانتها ووظيفتها.
فكما يزداد جمال البيئة بتنوعها، يزداد جمال اللغة باتساع ظلالها وتعدد أصواتها. وليس التحدي أن نختار بين الوحدة والتنوع، وإنما أن نحسن إدارة العلاقة بينهما.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز