بين البذرة والتبذير

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 16 أغسطس 2026
استوقفتني كلمة بذرة يومًا وأنا أتأمل علاقتها باللغة. فالعرب اشتقوا هذه الكلمة من الجذر (ب ذ ر) الذي يحمل معنى النثر والإلقاء والانتشار. كانوا يقولون: بَذَرَ الحبَّ إذا نثره في الأرض انتظارًا لنموه، ومن الجذر نفسه جاءت كلمة التبذير أيضًا. وقد بدا لي هذا الاشتراك اللغوي لافتًا؛ لأن الفرق بين البذرة والتبذير ليس في فعل الإلقاء نفسه، وإنما في القصد والأثر. فالفلاح حين يبذر حبَّه لا يلقيه عشوائيًا، بل يضعه في موضعه الصحيح، وفي زمنه المناسب، انتظارًا لثمرته المؤجلة. أما التبذير فهو بعثرة بلا مقصد، وإنفاق بلا أثر، ونثر لا يقود إلى حياة.

ولعل اللغة تعرف هذا المعنى أكثر مما نظن. فالكلمات التي نلقيها كل يوم ليست أصواتًا عابرة تغادر الهواء ثم تختفي، بل قد تكون بذورًا صغيرة تؤجل أثرها إلى زمن آخر. كلمة تشجيع يسمعها طفل، وقصة تُروى في مجلس، وعبارة يرددها معلم في فصل دراسي، وسؤال يفتح بابًا جديدًا في ذهن متعلم؛ كلها أشياء تبدو صغيرة لحظة وقوعها، لكنها تحمل داخلها حياة كاملة مؤجلة. وربما كان موقف عابر في الحياة بذرةً قدحت فكرة رواية، أو مشهد صغير مرَّ سريعًا فظل مختبئًا في الذاكرة حتى خرج بعد سنوات قصيدةً أو فكرةً أو مشروعًا. فكثير من الأشياء الكبيرة لا تولد كبيرة؛ تبدأ شعورًا خافتًا، أو كلمة عابرة، أو لحظة قصيرة تمرّ بهدوء، ثم تظل تنمو في أعماق الإنسان كما تنمو البذور تحت التراب بعيدًا عن الأنظار.

ولهذا لا يتعلم الإنسان اللغة دفعة واحدة، كما لا تنبت الأشجار دفعة واحدة. فاللغة تبدأ ببذور صغيرة تتراكم بهدوء. والكلمات الأولى التي يسمعها الطفل لا تمنحه مفردات فقط، وإنما تمنحه طريقة لرؤية العالم، وتشكّل علاقته بالأشياء والمعاني من حوله.

والأسرة هي أول مشتل لغوي يعرفه الإنسان. ففي البيت تُزرع بذور اللغة الأولى؛ في الحكايات، والحوار، وفي كلمات التقدير والاحترام، وفي التفاصيل التي قد تبدو عابرة للكبار. ثم تأتي المدرسة لتواصل الزراعة، ويأتي المعلم الذي يشبه المزارع أكثر مما يشبه الملقّن؛ يضع بذوره ويغادر أحيانًا قبل أن يرى الثمار.

غير أن البذور ليست كلها سواء. ففي البيئة توجد بذور نافعة وأخرى دخيلة، توجد نباتات تمنح الحياة وأخرى تستنزفها. واللغة كذلك؛ فكما يمكن أن نزرع في الطفل حب القراءة، والدقة، وجمال التعبير، يمكن أيضًا أن نزرع الاستسهال، أو السخرية، أو الفقر اللغوي، أو الكلمة الجارحة التي قد تبقى في الذاكرة طويلًا. وليس من قبيل المصادفة أن يجري في العربية تعبير «بذور الشقاق»؛ لأن الشقاق نفسه لا يبدأ غالبًا كبيرًا، وإنما بكلمة تُلقى، أو معنى يُزرع، ثم يظل ينمو في الخفاء حتى يخرج أثره بعد حين. فالبذور لا تختار ما تنبته، وإنما تحدده طبيعة ما أُلقي في الأرض منذ البداية.

ولهذا يكون السؤال التربوي الأهم: ماذا نزرع من كلمات في عقول أبنائنا؟ فليست كل عملية نثر بذرًا، وبعض الكلمات لا تُزرع في النفوس وإنما تُبعثر فيها. وبين البذرة والتبذير مساحة صغيرة في اللفظ، واسعة في الأثر؛ مساحة تفصل بين كلمة تُلقى فتنبت، وكلمة تُلقى فتضيع.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المجامع اللغوية: محميات أم جزر معزولة؟

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً