عودة إلى الحياة أم هندسة لكائنات بديلة؟
الحلقة رقم (53) من سلسلة (خواطر وراثية
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 13 سبتمبر 2026
ظلّ انقراض الأنواع، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه نهاية لا رجعة فيها؛ فعندما يموت آخر فرد من أحد الأنواع تنقطع سلالته، ولا يبقى منه سوى حفريات أو عينات محفوظة وصفحات في كتب التاريخ الطبيعي. غير أن التطور المتسارع في قراءة الحمض النووي القديم، والاستنساخ، والخلايا الجذعية، وتقنيات التحرير الجيني، أعاد طرح سؤال كان أقرب إلى الخيال العلمي: هل يستطيع الإنسان إعادة الحيوانات المنقرضة إلى الحياة؟
ازداد هذا السؤال إثارة في أبريل 2025، عندما أعلنت شركة «كولوسال بيوساينسز» الأمريكية ولادة ثلاثة جراء أطلقت عليها أسماء رومولوس وريموس وخاليسي، وقدمتها باعتبارها أول حيوانات أُعيدت من الانقراض، وأنها تمثل «الذئب الرهيب» الذي اختفى من الأمريكتين منذ أكثر من عشرة آلاف عام. وانتشرت صور الجراء البيضاء الكبيرة، فبدا الأمر كأن العلم قد نجح بالفعل في فتح باب العودة أمام كائنات العصر الجليدي. ولكن هل عاد الذئب الرهيب حقًا، أم أننا أمام ذئاب رمادية عُدلت وراثيًا لتشبهه؟
ماذا تعني إعادة الإحياء؟
تعبير «إعادة الإحياء من الانقراض» لا يعني، في معظم المشروعات الحالية، استعادة الحيوان القديم نفسه بكل مادته الوراثية وصفاته وسلوكه. فالحمض النووي يبدأ في التحلل عقب موت الكائن، ويتكسر مع مرور الزمن إلى قطع صغيرة، كما تتعرض بعض قواعده الكيميائية للتلف. ولذلك لا يمكن عادة الحصول من الحفريات القديمة على نواة خلية حية كاملة تصلح للاستنساخ.
ويستخدم العلماء ثلاثة مسارات رئيسة لمحاولة إعادة بعض الحيوانات المنقرضة. أولها الاستنساخ، إذا توافرت خلايا محفوظة سليمة، وذلك بنقل نواة الخلية إلى بويضة منزوعة النواة. وقد استُخدمت هذه الطريقة سنة 2003 لإنتاج مولود من وعل البرانس المنقرض، لكنه مات بعد دقائق نتيجة عيب في الرئتين.
أما المسار الثاني فهو «التهجين الرجعي»، ويقوم على انتقاء أفراد من السلالات الحية تحمل صفات تشبه الحيوان المنقرض، ثم تزاوجها عبر أجيال حتى تتجمع تلك الصفات. ويستطيع هذا الأسلوب استعادة المظهر الخارجي جزئيًا، لكنه لا يعيد الجينوم الأصلي.
ويتمثل المسار الثالث، وهو الأكثر تقدمًا، في قراءة أجزاء الحمض النووي للحيوان المنقرض، ومقارنتها بجينوم أقرب الأنواع الحية إليه، ثم استخدام أدوات مثل «كريسبر» لتعديل جينات النوع الحي وإكسابه بعض صفات النوع المختفي. والناتج هنا ليس نسخة مطابقة من الحيوان المنقرض، بل كائن حديث يحمل مجموعة مختارة من صفاته.
ماذا حدث في تجربة الذئب الرهيب؟
اعتمد فريق شركة كولوسال على حمض نووي قديم مستخلص من بقايا للذئب الرهيب، ثم قارنه بجينوم الذئب الرمادي. وبعد تحديد اختلافات مرتبطة بالحجم وبنية الرأس والعضلات والشعر ولونه، أجرى الباحثون تعديلات في خلايا مأخوذة من الذئب الرمادي، ثم نُقلت أنوية الخلايا المعدلة إلى بويضات منزوعة النواة، وزُرعت الأجنة الناتجة في إناث كلاب قامت بدور الأمهات البديلة.
ووفقًا للشركة، أُجريت تعديلات في عشرين موضعًا موزعة على أربعة عشر جينًا، فأنتجت جراء أكبر حجمًا، ذات رؤوس أعرض وأكتاف أكثر قوة وفراء أبيض كثيف. وهذا إنجاز مهم في التحرير الجيني المتعدد والاستنساخ والحفاظ على الأنواع، لكنه لا يعني استعادة الجينوم الكامل للذئب الرهيب. فقد أكدت الشركة نفسها أن الحيوانات الناتجة هي في أساسها ذئاب رمادية معدلة وراثيًا، ولم يُدمج الحمض النووي القديم مباشرة داخل أجنتها.
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن دراسة منشورة في مجلة Nature عام 2021، اعتمدت على تحليل جينومات خمسة أفراد قديمة، بيّنت أن الذئب الرهيب كان يمثل سلالة تطورية متميزة، انفصلت عن أسلاف الكلبيات الشبيهة بالذئاب منذ نحو 5.7 ملايين سنة. وهذا البعد التطوري الكبير يجعل تحويل الذئب الرمادي إلى ذئب رهيب حقيقي بواسطة عدد محدود من التعديلات أمرًا غير ممكن حاليًا.
الأدق علميًا، إذن، أن نصف الجراء الثلاثة بأنها «بدائل وظيفية أو شكلية» للذئب الرهيب، أو ذئاب رمادية معدلة تحمل بعض صفاته المتوقعة، وليس أفرادًا أصيلة من النوع المنقرض. فالحيوان ليس مجرد مجموعة من الجينات المسؤولة عن لون الشعر أو حجم الجسم؛ بل هو جينوم كامل، وتنظيم فوق جيني، وميكروبيوم، ونمو جنيني، وسلوك مكتسب، وعلاقات اجتماعية وبيئة تشكلت عبر آلاف الأجيال.
الماموث والدودو والنمر التسماني
لا تقتصر طموحات إعادة الإحياء على الذئب الرهيب؛ فهناك مشروعات لإنتاج فيل آسيوي معدل يحمل صفات الماموث الصوفي، مثل الشعر الكثيف والطبقة الدهنية والقدرة على تحمل البرودة. كما يحاول الباحثون إعادة بعض صفات طائر الدودو باستخدام الحمام القريب منه تطوريًا، وإنتاج بديل للنمر التسماني انطلاقًا من خلايا الجرابيات الحية.
لكن صعوبة المشروع تختلف من حيوان إلى آخر. فاستعادة طائر تتطلب التعامل مع الخلايا التناسلية ونمو الجنين داخل البيضة، بينما يفرض إنتاج حيوان ضخم مثل الماموث مشكلات تتعلق بالحمل والأم البديلة ورعاية المولود. وحتى إذا نجحت الولادة، يبقى السؤال: من سيعلم الحيوان سلوك نوعه المنقرض؟ وكيف يمكن تكوين جماعة ذات تنوع وراثي كافٍ من بضعة أفراد معدلين؟
فوائد تتجاوز مشهد الحيوان العائد
على الرغم من التحفظ على مصطلح «إعادة الإحياء»، فإن هذه المشروعات قد تنتج تقنيات نافعة لحماية الأنواع الحية المهددة. فتحسين طرق حفظ الخلايا والأنسجة، وإنتاج الأمشاج، ونقل الأجنة، وتصحيح الطفرات الضارة، وزيادة التنوع الوراثي في الجماعات الصغيرة، يمكن أن يمنح بعض الأنواع فرصة أفضل للبقاء.
وقد تساعد دراسة الجينومات القديمة أيضًا على تحديد الجينات المسؤولة عن مقاومة الأمراض أو التكيف مع الحرارة والبرودة والجفاف. ومن هنا تصبح القيمة الحقيقية لهذه البحوث أوسع من محاولة صنع حيوان يثير إعجاب الجمهور؛ فهي توفر أدوات للإنقاذ الوراثي وصون التنوع الحيوي قبل أن تختفي أنواعه.
أسئلة أخلاقية وبيئية
في المقابل، تثير التقنية أسئلة لا يجوز تجاهلها: هل من المقبول استخدام أعداد كبيرة من البويضات والأمهات البديلة لإنتاج عدد قليل من المواليد؟ وما مصير الأجنة التي تفشل أو الحيوانات التي تولد بتشوهات؟ وهل توجد للحيوان المعاد بيئة مناسبة، أم سيقضي حياته داخل محمية مغلقة بوصفه تجربة علمية؟
كما يخشى علماء الحفظ أن تجذب مشروعات الحيوانات الشهيرة التمويل على حساب حماية آلاف الأنواع التي ما زالت حية، لكنها تقترب بسرعة من حافة الانقراض. وقد شددت إرشادات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة على أن إنتاج بديل لنوع منقرض ينبغي أن يحقق فائدة بيئية واضحة، وأن تسبقه دراسة دقيقة للمخاطر ورفاه الحيوان والموطن الذي سيستقبله.
الإنقاذ قبل الإحياء
إن تجربة الذئب الرهيب لا تمثل خداعًا علميًا بالمعنى المباشر؛ فقد حققت تقدمًا تقنيًا حقيقيًا في تعديل خلايا الكلبيات والاستنساخ. لكن المبالغة الإعلامية تبدأ عندما يُقدَّم الحيوان المعدل باعتباره النوع المنقرض نفسه. لقد نجح العلماء في صناعة ذئب رمادي يحمل بعض السمات الشكلية المتوقعة للذئب الرهيب، ولم يعيدوا السلالة القديمة بكل تاريخها الوراثي والبيئي.
وربما يكون أعظم درس تقدمه لنا هذه المشروعات هو أن منع الانقراض أسهل وأكثر أمانًا وأقل تكلفة من محاولة إصلاحه بعد وقوعه. يستطيع العلم أن يعيد بناء بعض الجينات والصفات، لكنه لا يستطيع بسهولة إعادة الغابات والفرائس والعلاقات البيئية والسلوك المتوارث. لذلك يجب ألا تتحول فكرة «إحياء المنقرض» إلى عذر يسمح بمواصلة تدمير الأنواع الحية، بل ينبغي أن تكون جرس إنذار يدفع البشرية إلى إنقاذ ما تبقى منها.
لقد اقترب الإنسان من القدرة على صناعة كائنات تشبه أشباح الماضي، لكنه لم يمتلك بعد مفتاح إعادة الزمن. وبين روعة الإنجاز وخطورة الادعاء، تظل الحقيقة العلمية واضحة: يمكننا إعادة بعض الصفات، وربما بعض الوظائف البيئية، أما النوع المنقرض بكل هويته وتاريخه، فإن عودته الكاملة ما زالت بعيدة المنال.
المراجع العلمية (روابط أليكترونية):
1. . شركة كولوسال: كيفية إنتاج الذئب المعدّل.
2. دراسة جينوم الذئب الرهيب في .Nature
3. إرشادات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز