«الميكروبلاستيك» خطر صامت يهدد الثروة السمكية والأمن الغذائي
رؤية مصرية للحل المستدام: هل تستطيع التكنولوجيا الحيوية أن تنقذنا من «شباك الشبح»؟
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 11 سبتمبر 2026
ليس كل خطر يهدد البحر يمكن رؤيته من الشاطئ. فبعض أخطر الملوثات لا تظهر على سطح الماء في صورة بقع زيتية أو أكوام من القمامة، وإنما تبدأ بخيط رفيع أو قطعة من شبكة صيد مهملة، ثم تمضي في طريق طويل من التفتت والانتشار، حتى تصبح جزءًا من البيئة البحرية نفسها. وقد تبدو شبكة الصيد المفقودة في قاع البحر مجرد مخلفات مهملة، لكنها في الحقيقة قد تظل قادرة على اصطياد الكائنات البحرية بعد فقدانها، ثم تتحول تدريجيًا، بفعل العوامل الفيزيائية والكيميائية والاحتكاك، إلى مصدر من مصادر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة.
هنا تظهر ظاهرة «شباك الشبح»، وهي تسمية تُطلق على معدات الصيد المهجورة أو المفقودة أو المتروكة في البيئة البحرية، والتي تستمر في اصطياد الكائنات البحرية أو إلحاق الضرر بالموائل حتى بعد انفصالها عن أصحابها. وتعد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة هذه المعدات من مصادر القلق المهمة بالنسبة إلى النظم البحرية والثروة السمكية وسبل معيشة الصيادين، لأنها لا تمثل مشكلة نفايات فحسب، بل تجمع بين التلوث البلاستيكي واستمرار الاصطياد غير المقصود والمخاطر التي تهدد الكائنات البحرية والملاحة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة في مصر، حيث تتقاطع في بعض المناطق الساحلية أنشطة الصيد والملاحة والموانئ والبحيرات الساحلية والأنظمة البيئية البحرية في شبكة شديدة الحساسية. وتأتي محافظة بورسعيد في مقدمة هذه المناطق بحكم موقعها عند المدخل الشمالي لقناة السويس واتصالها بالبحر المتوسط وبمنظومة مائية تضم بحيرة المنزلة ومناطق ساحلية ذات أهمية اقتصادية وبيئية. وفي مثل هذه البيئات، لا يمكن التعامل مع مخلفات أدوات الصيد باعتبارها قضية نظافة شاطئية فقط؛ فهي قضية تتصل باستدامة المصايد، وبكفاءة إدارة الموارد، وبصحة النظم البيئية، وبالاقتصاد الذي يعتمد عليه آلاف الصيادين.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرات المجتمعية التي تحاول نقل التعامل مع هذه المشكلة من مرحلة الوعي النظري إلى الاسترداد الفعلي لمعدات الصيد القديمة والتالفة. ومن هذا المنطلق النابع من الحرص الوطني والعلمي على سلامة بيئتنا وشواطئنا وأمننا الغذائي، وفي هذا السياق نثمن ونشيد بالدور الرائد والمشرّف الذي تضطلع به جمعية بورسعيد التاريخية ومجلس إدارتها برئاسة اللواء أيمن جبر، والجهود العلمية والميدانية الثمينة التي يقودها الزميل الفاضل الدكتور رؤوف عكاشة، رئيس لجنة البيئة والاستدامة بالجمعية، من خلال إطلاقهم المبادرة الوطنية الواعية “شباكنا حياتنا”، وهي خطة عمل أهلية ومجتمعية طموحة تسعى لتفادي وصول المخلفات السامة إلى موائدنا، عبر جمع شباك الصيد القديمة والتالفة، ومنع تحولها إلى سموم بحرية مزمنة تفتك بالثروة السمكية والأنظمة البيئية في واحدة من أهم المدن الساحلية والتاريخية الواقعة على خط الملاحة العالمي. وتستهدف جمع شباك الصيد المستهلكة ومنع وصولها إلى البيئة البحرية، بما يفتح الباب أمام تحويل هذه المخلفات من عبء بيئي إلى مورد يمكن إدخاله في منظومة الاسترداد وإعادة الاستخدام أو التدوير. وتكمن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات في أنها تربط حماية البيئة مباشرة بمصلحة الصياد، فلا يصبح التخلص السليم من الشبكة عملاً بيئيًا منفصلًا عن الاقتصاد المحلي، وإنما جزءًا من حماية مورد الرزق نفسه.
من شبكة الصيد إلى «شباك الشبح» والميكروبلاستيك
تصنع غالبية معدات الصيد الحديثة من بوليمرات صناعية اختيرت أساسًا لقدرتها على تحمل الماء المالح والاحتكاك والإجهاد الميكانيكي وطول فترة الاستخدام. وتدخل في صناعة الشباك والحبال مواد مثل البولي أميد، ومنه النايلون، والبولي إيثيلين والبولي بروبيلين والبوليستر، وهي خصائص تجعل المعدات فعالة جدًا أثناء الصيد، لكنها تجعلها في الوقت نفسه شديدة الاستمرارية عندما تفقد في البيئة.
وهذه المفارقة هي جوهر المشكلة: الخاصية التي تجعل الشبكة أداة صيد جيدة قد تجعلها نفاية بيئية طويلة العمر. فعندما تنقطع الشبكة أو تُفقد نتيجة العواصف أو التيارات أو التشابك في القاع، لا تختفي ببساطة، وإنما يمكن أن تستمر في الاصطياد. وقد وثقت الأدبيات العلمية استمرار ظاهرة الصيد الشبح في معدات مفقودة لفترات طويلة، كما أظهرت برامج استرداد معدات الصيد أن بعض الأدوات المسترجعة ظلت قادرة على اصطياد كائنات بحرية حتى بعد سنوات من فقدانها.
أما مصير المادة البلاستيكية نفسها، فهو أكثر تعقيدًا من فكرة «تحلل البلاستيك» بالمعنى الشائع. فالبوليمر لا يتحول سريعًا إلى مواد طبيعية لمجرد تعرضه للماء. ويمكن أن تؤدي الأشعة فوق البنفسجية والاحتكاك والأمواج والتغيرات الحرارية والعوامل الكيميائية إلى إضعاف المادة وتكسيرها إلى قطع أصغر. ومع استمرار هذه العمليات يمكن أن تتولد جسيمات ميكروبلاستيكية، أي جسيمات بلاستيكية صغيرة لا يتجاوز أحد التعريفات الشائعة لها 5 مليمترات، بينما يظل مصطلح «النانوبلاستيك» أقل توحيدًا من الناحية التعريفية والمنهجية، ولذلك ينبغي الحذر من التعامل مع حد حجمي واحد باعتباره معيارًا عالميًا نهائيًا.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن معدات الصيد ليست مصدرًا محتملًا للجسيمات البلاستيكية فقط عندما تُفقد في البحر، بل يمكن أن تنتج الجسيمات أيضًا أثناء الاستخدام نتيجة الاحتكاك والتآكل. وقد ركزت دراسات حديثة على أن بعض معدات الصيد القاعية يمكن أن تكون مصدرًا مستمرًا للانبعاثات البلاستيكية الدقيقة أثناء العمل، وهو ما يعني أن معالجة المشكلة تتطلب التفكير في دورة حياة المعدات بأكملها، من التصنيع والاستخدام إلى الصيانة والاسترداد وإعادة التدوير.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ندرك أن معدات الصيد المفقودة لا تعمل في فراغ بيئي. فالشباك قد تتشابك مع الأسماك والسلاحف والطيور والثدييات البحرية، وقد تتفاعل مع القاع والموائل الحساسة، كما يمكن أن تتشابك مع معدات صيد أخرى. ولذلك فإن استردادها لا يمثل مجرد إزالة «قطعة بلاستيك» من البحر، وإنما يمكن أن يكون إجراءً لحماية الكائنات البحرية والمصايد والموائل في آن واحد. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن معدات الصيد المهجورة والمفقودة والمتروكة تمثل مشكلة بيئية واقتصادية تتجاوز مجرد النفايات البحرية.
الميكروبلاستيك وصحة الإنسان: بين القلق المشروع والضرورة العلمية
ربما يكون أكثر جوانب قضية الميكروبلاستيك إثارة للقلق هو السؤال الذي يتكرر بصورة متزايدة: ماذا يحدث عندما تصل هذه الجسيمات إلى غذائنا أو مياهنا أو الهواء الذي نتنفسه؟ الإجابة العلمية حتى الآن ليست بسيطة، ولا تسمح بالانتقال مباشرة من إثبات وجود الميكروبلاستيك في البيئة أو الأنسجة إلى القول بأنه يسبب مرضًا محددًا لدى الإنسان.
لقد أصبحت هناك بالفعل أدلة متزايدة على تعرض الإنسان للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، كما رُصدت هذه الجسيمات أو آثارها في عينات بشرية مختلفة. وتشير مراجعات حديثة إلى أن آليات محتملة مثل الإجهاد التأكسدي والالتهاب والتأثير في بعض المسارات الهرمونية أو الميكروبيوم المعوي تستحق الدراسة الجادة، لكنها تميز في الوقت نفسه بين النتائج المستمدة من التجارب الخلوية والحيوانية وبين الدليل السريري المباشر على الإنسان. ولذلك فإن القول بأن الميكروبلاستيك «يثبت» أنه يسبب العقم أو السرطان أو تلف الدماغ، مثلًا، يتجاوز ما تسمح به الأدلة الحالية.
وتكتسب هذه الدقة أهمية خاصة لأن الجسيمات البلاستيكية ليست مادة واحدة. فهي تختلف في تركيبها وحجمها وشكلها ودرجة تجويتها ومكونات سطحها والمواد الكيميائية المرتبطة بها، كما يمكن أن تحمل على سطحها مواد ملوثة أو تشكل بيئات ميكروبية. ولهذا فإن تقييم المخاطر الصحية لا ينبغي أن ينظر إلى «الميكروبلاستيك» ككيان واحد متجانس، بل ينبغي أن يراعي نوع البوليمر وحجم الجسيم وشكله وجرعة التعرض وطريق دخوله إلى الجسم والمواد المرتبطة به.
وقد أثارت دراسة نشرت في New England Journal of Medicine عام 2024 اهتمامًا كبيرًا عندما رصدت جسيمات ميكروبلاستيكية ونانوبلاستيكية في بعض لويحات الشرايين السباتية لدى مرضى خضعوا للجراحة، ووجدت ارتباطًا بين وجود هذه الجسيمات وارتفاع معدل بعض الأحداث القلبية الوعائية خلال فترة المتابعة. لكن هذه الدراسة كانت رصدية ولا تثبت وحدها علاقة سببية، كما أثيرت لاحقًا تساؤلات منهجية حول احتمال التلوث الخارجي أثناء جمع العينات وتحليلها. لذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها إشارة بحثية مهمة تستحق المتابعة، لا باعتبارها دليلًا نهائيًا على أن الميكروبلاستيك يسبب أمراض القلب.
والمنهج نفسه يجب أن يحكم الحديث عن انتقال الميكروبلاستيك من الأسماك إلى الإنسان. فمن المؤكد أن الجسيمات البلاستيكية توجد في البيئات البحرية ويمكن أن تدخل الشبكات الغذائية، وأن الأسماك والكائنات المائية يمكن أن تبتلعها، لكن حجم التعرض البشري الفعلي الناتج عن تناول الأسماك يختلف باختلاف النوع والموطن وطريقة تجهيز الغذاء، كما أن وجود الجسيمات في الغذاء لا يعني تلقائيًا امتصاصها أو تراكمها في الأنسجة البشرية بالدرجة نفسها.
وهنا تظل توصيات منظمة الصحة العالمية ذات أهمية منهجية؛ فقد أكدت مراجعاتها أن المعرفة المتعلقة بتعرض الإنسان للميكروبلاستيك ومخاطره الصحية ما زالت تعاني من فجوات مهمة، وأن هناك حاجة إلى تحسين طرق القياس والرصد وتوحيدها، بدلًا من الاعتماد على أرقام متفرقة يصعب مقارنتها. كما أن المنظمة دعت إلى مواصلة البحث في المخاطر الصحية المحتملة بالتوازي مع خفض التلوث البلاستيكي من المصدر.
من المبادرة المحلية إلى الاقتصاد الدائري
في هذا السياق، تصبح المبادرات المحلية أكثر من مجرد حملات لتنظيف الشواطئ. فجمع الشباك القديمة عند موانئ الصيد ومناطق إنزال الأسماك يمكن أن يمثل الحلقة الأولى في سلسلة إدارة متكاملة تبدأ بمنع وصول المعدات إلى البيئة البحرية، ثم فرزها وتجهيزها ونقلها إلى مسارات مناسبة لإعادة الاستخدام أو التدوير.
وتبدو بورسعيد مكانًا مناسبًا لتطوير نموذج تجريبي من هذا النوع، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بسبب ارتباط الصيد بالهوية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. وإذا أمكن بناء آلية بسيطة وموثوقة تتيح للصياد تسليم الشبكة القديمة في نقطة معروفة والحصول في المقابل على حافز مادي أو خدمة أو خصم عند شراء معدات جديدة، فإن السلوك البيئي يمكن أن يتحول إلى مصلحة اقتصادية مباشرة.
وهذه الفكرة أكثر واقعية من الاعتماد على العقوبات وحدها. فالتشريعات مهمة، والرقابة ضرورية، لكن إدارة مخلفات معدات الصيد في بيئة بحرية واسعة تواجه تحديات عملية تجعل الوقاية والاسترداد والحوافز الاقتصادية عناصر لا غنى عنها. ويمكن أن تتولى الموانئ ونقاط الإنزال دورًا محوريًا في إنشاء نقاط استقبال للشباك المستهلكة، مع توفير عمليات فرز أولية وضغط ونقل إلى منشآت التدوير المناسبة.
ومن هنا يمكن أن تتبلور رؤية “شبكة جديدة.. وبحر نظيف” باعتبارها برنامجًا وطنيًا مقترحًا، لا مجرد حملة موسمية. جوهر الفكرة هو بناء منظومة استرداد لمعدات الصيد القديمة تربط بين الصيادين والموانئ والمصنعين والمستوردين ومصانع التدوير والجهات الحكومية، بحيث تصبح الشبكة المستهلكة جزءًا من دورة مواد واضحة بدلًا من أن تصبح نفاية مجهولة المصير.
ويمكن في هذا الإطار الاستفادة من مفهوم المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR)، بحيث يتحمل المنتجون والمستوردون جزءًا من مسؤولية إدارة المعدات في نهاية عمرها التشغيلي، إلى جانب دراسة نظم الإيداع والاسترداد والحوافز التي ثبتت فائدتها في إدارة أنواع أخرى من النفايات. كما يمكن تطوير نظام وطني لتسجيل معدات الصيد وتعريفها، لكن ينبغي النظر إلى تقنيات مثل RFID أو التتبع الرقمي باعتبارها أدوات ضمن منظومة حوكمة متكاملة، وليس باعتبارها حلًا تقنيًا منفردًا للمشكلة.
هل تستطيع التكنولوجيا الحيوية أن تنقذنا من «شباك الشبح»؟
يفتح هذا السؤال بابًا مهمًا أمام التقنية الحيوية وعلوم المواد، لكنه يحتاج أيضًا إلى قدر كبير من الواقعية العلمية. ففكرة تطوير شباك قابلة للتحلل الحيوي جذابة للغاية، إلا أن تحويلها إلى حل واسع النطاق يتطلب تحقيق توازن صعب بين متطلبات الصيد وبين قابلية المادة للتحلل بعد فقدانها. فالشبكة التي تتحلل بسرعة أكبر من اللازم لن تكون شبكة صيد جيدة، بينما الشبكة التي تتمتع بمتانة شبيهة بالمواد التقليدية قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تتحلل في البيئة البحرية.
وتشير أبحاث حديثة بالفعل إلى وجود تقدم في هذا المجال. فقد درست أبحاث منشورة في 2025 مواد مشتركة قابلة للتحلل يمكن استخدامها في معدات الصيد، وأظهرت أن بعض هذه المواد يمكن أن تفقد خواصها الميكانيكية أسرع بكثير من النايلون التقليدي في ظروف معينة. لكن الدراسة نفسها توضح أن الظروف البحرية الحقيقية تختلف بشدة عن ظروف الاختبارات المعملية، وأن زمن التحلل يتأثر بدرجة الحرارة والملوحة والأكسجين والنشاط الميكروبي وطبيعة المادة نفسها.
كما أن مراجعة حديثة منشورة في 2026 حول المواد القابلة للتحلل المستخدمة في الشباك ومعدات الاستزراع المائي خلصت إلى أن المواد الحيوية مثل PHA وبعض الخلطات القائمة على النشا والمواد المركبة الحيوية تحمل إمكانات واعدة، لكنها أكدت أن التحدي الأساسي لا يزال يتمثل في الموازنة بين المتانة أثناء الاستخدام والتحلل في البيئة، إضافة إلى الحاجة إلى معايير موحدة لاختبار التحلل البحري قبل التوسع التجاري.
وهذا يعني أن الحديث عن شباك «تتحلل خلال عام أو عامين بعد فقدانها في البحر» لا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة عامة تنطبق على كل المواد وكل الظروف. بل يجب أن يكون الهدف العلمي هو تطوير مواد ذات تحلل مستهدف ومضبوط، بحيث تظل مستقرة خلال العمر التشغيلي المتوقع، ثم تفقد خواصها تدريجيًا إذا فقدت في البيئة، مع التأكد في الوقت نفسه من أن عملية التحلل لا تنتج جسيمات دقيقة أو مركبات أكثر ضررًا.
وتؤكد أبحاث حديثة أهمية هذه النقطة؛ فقد أظهرت دراسة منشورة عام 2025 أن شيخوخة بعض أنواع شباك الصيد يمكن أن تؤدي إلى إطلاق جسيمات بلاستيكية دقيقة ومواد عضوية قابلة للرشح، وأن تقييم المواد البديلة لا ينبغي أن يعتمد على قابلية التحلل وحدها، بل يجب أن يشمل أيضًا طبيعة المواد التي تطلقها أثناء الشيخوخة وتأثيراتها البيئية.
أما التفكيك الإنزيمي، فهو مجال آخر شديد الأهمية في التقنية الحيوية، لكن يجب ضبط المصطلحات هنا أيضًا. فبعض الإنزيمات التي أصبحت مشهورة في مجال إعادة تدوير البلاستيك، مثل PETase وMHETase، تستهدف بصورة أساسية روابط بوليمرات البولي إيثيلين تيريفثالات (PET)، ولا يمكن تعميم فعاليتها تلقائيًا على النايلون أو البولي إيثيلين أو البولي بروبيلين. أما بوليمرات النايلون فتحتاج إلى أنظمة إنزيمية واستراتيجيات تفكيك مختلفة، ولا تزال هذه التقنيات في مراحل بحثية وتطويرية متفاوتة، وليست بديلًا تجاريًا جاهزًا يمكن تطبيقه على كل شباك الصيد.
ومن منظور الاقتصاد الدائري، ربما يكون الحل الأقرب إلى التطبيق في المدى القصير هو استرداد الشباك وفرزها وإعادة تدويرها، بالتوازي مع استمرار البحث في المواد القابلة للتحلل والتفكيك الكيميائي أو الإنزيمي. وقد أظهرت مراجعات حديثة أن إعادة تدوير شباك الصيد في نهاية عمرها تمثل أحد المسارات المهمة للحد من النفايات البلاستيكية والميكروبلاستيك، مع بقاء تحديات النقل والتنظيف والفرز وتعدد أنواع البوليمرات.
من بورسعيد إلى رؤية إقليمية للبحر المتوسط
لا تتوقف المشكلة عند حدود مدينة أو دولة، لأن البحر نظام بيئي مترابط، وحركة التيارات والمعدات المفقودة والملوثات الدقيقة تجعل التعاون الإقليمي ضرورة لا ترفًا. وإذا كانت مصر تمتلك ساحلًا طويلًا على البحر المتوسط وآخر على البحر الأحمر، فإن إدارة النفايات البحرية ومعدات الصيد المفقودة يجب أن تكون جزءًا من سياسة أوسع تتصل بالتعاون الإقليمي، وتبادل البيانات، وتوحيد المعايير، وتطوير آليات الاسترداد والرصد.
وفي هذا السياق يمكن للمؤسسات المصرية، والجامعات ومراكز البحوث والمجتمع المدني، أن تطور برامج رصد طويلة الأمد للميكروبلاستيك في المناطق ذات الأهمية البيئية والسمكية، بحيث لا يقتصر الأمر على قياس وجود الجسيمات، بل يشمل تحديد أنواع البوليمرات ومصادرها وأحجامها ومصيرها البيئي. فالرصد العلمي هو الذي يسمح بالتمييز بين مصدر وآخر، ويحدد أين ينبغي توجيه جهود الوقاية والاسترداد.
كما يمكن الاستفادة من برامج التعاون الدولي والإقليمي المعنية بالبيئة البحرية، بما في ذلك الأطر المرتبطة بحماية البحر المتوسط، ومنظمات الأمم المتحدة والمؤسسات العلمية الدولية، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات أكثر من الاكتفاء بالفعاليات الرمزية. فالهدف النهائي ينبغي أن يكون بناء منظومة مصرية قادرة على إنتاج البيانات وإدارتها وتحويلها إلى سياسات عامة قابلة للتقييم.
البحر ليس مكبًا للنفايات.. بل جزء من أمننا الغذائي
المشكلة الحقيقية في «شباك الشبح» ليست أن البحر يصبح أكثر قبحًا، وإنما أن النفايات التي نلقيها فيه قد تعود إلينا في صورة خسارة في المخزون السمكي، أو تدهور في الموائل، أو تكلفة اقتصادية على الصيادين، أو تلوث بلاستيكي يصعب التحكم في مساراته بعد انتشاره. ولهذا فإن التعامل مع القضية من منظور الأمن الغذائي والاستدامة أكثر فائدة من اختزالها في خطاب التخويف من «سموم» مجهولة.
والحل لا يبدأ من المختبر وحده، ولا من التشريع وحده، ولا من المجتمع المدني وحده، وإنما من الربط بين هذه الأطراف. فالمطلوب منظومة تبدأ بمنع فقدان المعدات قدر الإمكان، ثم الإبلاغ السريع عن المعدات المفقودة، واسترداد ما يمكن استرداده، وتجميع المعدات التالفة في نقاط مخصصة، ثم فرزها وإعادة تدويرها أو إعادة استخدامها، مع تطوير مواد بديلة أكثر أمانًا على المدى الطويل.
ومن هنا يمكن لمبادرة «شباكنا حياتنا» أن تتحول من تجربة محلية جديرة بالتقدير إلى نموذج قابل للتوسع إذا ارتبطت بآلية مؤسسية واضحة، وحوافز اقتصادية للصيادين، وشراكة مع مصنعي ومستوردي معدات الصيد، وبنية تحتية لاسترداد الشباك وتدويرها، وبرنامج علمي لرصد أثر هذه الإجراءات على البيئة البحرية.
إن مصر لا تحتاج فقط إلى تنظيف البحر بعد وصول النفايات إليه، بل تحتاج إلى بناء اقتصاد دائري يمنع تحول أدوات الصيد إلى نفايات بحرية من الأساس. ويجب أن تصبح الشبكة القديمة مادة ذات قيمة يمكن استردادها، لا شيئًا يسهل التخلص منه في البحر.
وعندما يسلّم الصياد شبكته القديمة لأنه يحصل على حافز، وعندما يلتزم المنتج بإدارة معدات نهاية العمر، وعندما تتولى الموانئ عملية الجمع والفرز، وعندما تقوم الجامعات بقياس الأثر البيئي، وعندما تدعم الدولة الابتكار في المواد والتدوير، فإننا نكون قد انتقلنا من مكافحة «شباك الشبح» بعد وقوع المشكلة إلى بناء منظومة تمنع المشكلة من الأصل.
وهنا تحديدًا تكمن الفكرة الأهم: حماية البحر ليست خصمًا من اقتصاد الصيد، وإنما استثمار في استمراره. فكل شبكة يتم استردادها قبل أن تصبح شبكة شبح، وكل طن من البلاستيك يعاد تدويره بدلًا من وصوله إلى البحر، وكل دراسة علمية تحول البيانات إلى قرار، هو خطوة باتجاه بحر أكثر صحة ومصايد أكثر استدامة ومجتمعات ساحلية أكثر قدرة على حماية مصدر رزقها.
إن البحر الذي منح مصر عبر آلاف السنين الغذاء والتجارة والملاحة والثروة، يستحق أن نعامله باعتباره رأس مال طبيعيًا لا مستودعًا مفتوحًا للنفايات. وإذا نجحنا في تحويل قضية الشباك القديمة من مشكلة بيئية إلى فرصة للاقتصاد الدائري والابتكار البيوتكنولوجي والمشاركة المجتمعية، فإن «شباكنا حياتنا» يمكن أن تصبح بداية مسار أكبر نحو «شبكة جديدة.. وبحر نظيف»؛ مسار يجمع العلم بالمجتمع، والاقتصاد بالبيئة، والتكنولوجيا بالمسؤولية، ويحمي البحر لا لأجيالنا الحالية فحسب، وإنما لمن سيعتمدون عليه من بعدنا.
هاشتاجات:
#شباك_الموت_في_البحر – #الميكروبلاستيك – #شباكنا_حياتنا – #شبكة_جديدة_وبحر_نظيف – #شباك_الشبح – #جمعية_بورسعيد_التاريخية – #الثروة_السمكية – #اليونسكو – #التقنية_الحيوية – #الاقتصاد_الدائري – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز