الغطاء الشجري ليس زينة حضرية، بل بنية أساسية لحماية الصحة والحياة
الحلقة رقم (39) في سلسلة “خواطر زراعية”
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي، كلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 08 سبتمبر 2026
قد تبدأ الاكتشافات العلمية الكبيرة بملاحظة يومية صغيرة. وهذا ما حدث عندما لاحظ طالب طب في مدينة شيكاغو الأمريكية اختلاف إحساسه الجسدي والنفسي بين شارع مكشوف تلسعه الشمس وآخر تظلله أشجار عتيقة. كان الهواء تحت الأشجار ألطف، والمشي أيسر، وضجيج المدينة أقل وطأة. ومن هذا التساؤل البسيط وُلد بحث علمي امتد سنوات، محاولًا الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: هل يؤثر تغير الغطاء الشجري في صحة سكان المدن ومعدلات الوفيات بينهم؟
تابع الباحثون التغير السنوي في الغطاء الشجري بأحياء شيكاغو خلال الفترة من عام 2011 إلى عام 2021، وقارنوا نتائجه بدرجات الحرارة والخصائص السكانية وبيانات أكثر من 220 ألف حالة وفاة. وأظهرت الدراسة المنشورة (أغسطس 2026م) في دورية «جيوهيلث» (GeoHealth) أن كل زيادة سنوية بمقدار نقطة مئوية واحدة في نسبة الغطاء الشجري ارتبطت بانخفاض يقارب 10% في معدل الوفيات.
وظهرت ارتباطات واضحة بصورة خاصة مع الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والجهاز التنفسي والاضطرابات النفسية وبعض أمراض الجهاز العضلي الهيكلي. ومع ذلك، ينبغي قراءة النتائج بدقة؛ فالدراسة رصدية تثبت وجود ارتباط إحصائي قوي، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بأن زيادة الأشجار كانت السبب المباشر والمنفرد في انخفاض الوفيات.
الأشجار طبيب صامت
لا تقدم شجرة المدينة الدواء بالمعنى المعتاد، لكنها تخفف مجموعة من العوامل التي تهدد صحة الإنسان. فأغصانها وأوراقها تحجب جزءًا من الإشعاع الشمسي، ويؤدي النتح إلى تبريد الهواء المحيط بها، بينما تساعد المساحات المزروعة في الحد من ظاهرة «الجزر الحرارية الحضرية» التي تجعل المدن أكثر حرارة من المناطق الريفية المجاورة.
كما تسهم الأشجار، بدرجات متفاوتة، في التقاط بعض الجسيمات العالقة، وتهدئة الضوضاء، وتلطيف المشهد العمراني. وتشجع الشوارع المظللة الناس على المشي وممارسة النشاط البدني والتواصل الاجتماعي، بينما تمنح رؤية اللون الأخضر العقل قدرًا من السكينة وسط الزحام والإسمنت.
وعندما تختفي الأشجار، لا نفقد الظل وحده؛ بل نفقد منظومة حماية متكاملة. ترتفع حرارة الأرصفة والمباني، ويزداد الاعتماد على أجهزة التكييف، ويتراجع الإقبال على المشي، ويصبح كبار السن والأطفال ومرضى القلب والجهاز التنفسي أكثر عرضة لمخاطر الإجهاد الحراري.
عدالة خضراء غائبة
كشفت الدراسة جانبًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن جانبها الصحي. فقد كانت الأحياء الجنوبية والغربية الأقل حظًا في شيكاغو أشد حرارة، وأكثر فقدًا للأشجار، وأعلى في معدلات الوفيات، في حين احتفظت الأحياء الساحلية الأكثر ثراءً بغطاء شجري أوفر ومناخ محلي ألطف.
وهنا تتحول قضية الأشجار إلى قضية عدالة بيئية. فالحرارة لا تتوزع بالتساوي داخل المدينة، كما أن الظل ليس متاحًا للجميع بالقدر نفسه. وقد يعيش شخصان في المدينة ذاتها، لكن أحدهما يجد شارعًا أخضر وحديقة قريبة، بينما يسير الآخر بين أسطح إسمنتية تختزن الحرارة حتى ساعات الليل.
لذلك يجب ألا تُوزع مشروعات التشجير وفق جمال المواقع أو أهميتها التجارية وحدهما، بل وفق خرائط الحرارة والكثافة السكانية والحالة الصحية والاجتماعية للسكان. فالأحياء الأشد حرارة والأقل خضرة ينبغي أن تأتي في مقدمة خطط الزراعة الحضرية.
حماية الشجرة قبل غرس البديل
من السهل تنظيم حملة لغرس آلاف الشتلات والتقاط الصور إلى جوارها، لكن الأصعب هو ضمان بقائها حية حتى تصبح أشجارًا مكتملة الظل. وقد تحتاج الشتلة سنوات طويلة كي تقدم المنافع البيئية التي توفرها شجرة ناضجة في يوم واحد.
لذلك لا يجوز أن تتحول مشروعات التطوير العمراني إلى عمليات اقتلاع للأشجار الكبيرة، ثم يُقال إن بدائل صغيرة زُرعت مكانها. فالتعويض العددي لا يعني التعويض البيئي؛ عشر شتلات حديثة قد لا تعادل، في مساحة الظل وتبريد الهواء وتخزين الكربون، شجرة واحدة عاشت عشرات السنين.
الأولوية إذن هي حماية الرصيد الشجري القائم، وصيانة الأشجار المسنة السليمة، وتوفير التربة والمساحة الكافيتين لجذورها، ثم استكماله بزراعة مدروسة لأنواع ملائمة للمناخ المحلي، قليلة الاستهلاك للمياه، وقادرة على تحمل الحرارة والملوحة والجفاف. وفي مدن المنطقة العربية الجافة، ينبغي أن تقترن الزيادة في الغطاء النباتي بالري الكفء واستخدام المياه المعالجة والتنوع في الأنواع، تجنبًا للهدر وانتشار الآفات.
ما الذي ينبغي أن تحسبه المدن؟
نجاح التشجير لا يقاس بعدد الشتلات التي غُرست في يوم الاحتفال، بل بنسبة ما بقي منها حيًا بعد خمس أو عشر سنوات، وبمقدار الزيادة الفعلية في مساحة الظل، وانخفاض حرارة الأحياء، وتحسن قدرة السكان على الوصول إلى المساحات الخضراء.
وتحتاج المدن العربية إلى سجل شجري رقمي يحدد النوع والعمر والحالة الصحية لكل شجرة، مع خرائط دورية للغطاء الشجري باستخدام صور الأقمار الاصطناعية والاستشعار عن بعد. كما ينبغي إدماج الأشجار في تخطيط الشوارع والمساكن والمدارس والمستشفيات ومحطات النقل، والتعامل معها باعتبارها جزءًا من البنية الأساسية للمدينة، شأنها شأن شبكات المياه والطاقة.
لقد غادرت الشجرة منذ زمن مكانها التقليدي بوصفها عنصرًا للزينة. إنها مظلة طبيعية، ومرشح للهواء، ومخزن للكربون، وموئل للكائنات، ومساحة للهدوء، وحاجز في مواجهة الحر المتصاعد. وربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها دراسة شيكاغو هي أن حماية الأشجار ليست ترفًا عمرانيًا، بل استثمار طويل الأجل في صحة الإنسان وكرامته.
وحين نقرر قطع شجرة ناضجة، ينبغي ألا نسأل فقط: كم ستكلف إزالتها؟ بل أيضًا: كم سيكلف غيابها، ومن سيدفع الثمن؟
المصدر العلمي:
Garcia HC, Graffy PM, Barrett BW, Visa MA, Jia J, Mallen E, Mansour R, Briggs G, Ford T, Wuebbles DJ, Allen N, Horton TH, Kho A, Horton DE. Increasing Urban Tree Canopy Associated With Reduced Mortality: A Longitudinal Analysis of Chicago Neighborhoods. Geohealth. 2026 Aug 5;10(8):e2025GH001651. doi: 10.1029/2025GH001651. PMID: 42559362; PMCID: PMC13440163.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز