بعد قمة بريكس 2026… أين تقف الاستدامة والتغير المناخي في أجندة الجنوب العالمي؟

• من عدالة التمويل المناخي إلى الانتقال العادل وبناء المرونة… اختبار جديد لتحويل قوة بريكس إلى أثر تنموي مستدام

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 14 سبتمبر 2026
اختتمت قمة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي تحت شعار يحمل دلالة تتجاوز البعد السياسي والاقتصادي التقليدي للمجموعة: «بناء المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة». لكن السؤال الأهم بعد انتهاء القمة ليس مقدار حضور كلمة «الاستدامة» في الخطاب السياسي، بل: إلى أي مدى استطاعت بريكس تحويلها إلى رؤية تنموية تعكس احتياجات وأولويات الجنوب العالمي؟

قراءة إعلان نيودلهي تكشف عن تحول يستحق التوقف عنده؛ فالتغير المناخي لم يعد يُطرح باعتباره ملفاً بيئياً منفصلاً، وإنما قضية تنموية تتقاطع مع الديون والطاقة والأمن الغذائي والمائي والتمويل والتكنولوجيا والقدرة على الصمود.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يعكس فهماً متزايداً بأن مستقبل التنمية في الجنوب العالمي لن يتحدد فقط بمعدلات النمو، وإنما بقدرة الاقتصادات والمجتمعات على النمو والتكيف والصمود في آن واحد.

المناخ… ولكن من منظور العدالة
جددت دول بريكس التزامها باتفاق باريس واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وأكدت أهمية التخفيف والتكيف والخسائر والأضرار، مع إعادة التأكيد على مبادئ الإنصاف و«المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات المتفاوتة». وهنا تظهر بصمة الجنوب العالمي بوضوح.

فالرسالة ليست رفض التحول المناخي، وإنما التأكيد أن الدول النامية لا تستطيع تحمّل تكلفته بالشروط والمسارات نفسها التي مرت بها الاقتصادات المتقدمة. ولذلك يصبح مفهوم الانتقال العادل محورياً؛ فالتحول المطلوب ليس الأس
رع فقط، وإنما التحول الذي يحمي التنمية وفرص العمل وأمن الطاقة ولا يترك المجتمعات الأكثر هشاشة خلفه.

التمويل المناخي… الاختبار الأصعب
من أهم القضايا التي تبرز عند قراءة مخرجات القمة العلاقة بين الديون والقدرة على تمويل التنمية والعمل المناخي.
فالعديد من دول الجنوب العالمي تواجه معادلة صعبة: احتياجات متزايدة للاستثمار في التكيف والطاقة النظيفة والبنية التحتية المقاومة للمناخ، يقابلها ارتفاع في أعباء الديون وضيق في الحيز المالي.

وهنا يصبح السؤال المناخي أوسع من مجرد: كم نخفض من الانبعاثات؟
السؤال الحقيقي هو: من سيمول التحول؟ وبأي شروط؟ وهل يساعد التمويل المناخي الدول النامية على بناء قدراتها، أم يضيف إلى أعبائها المالية؟

ومن هنا تملك بريكس، عبر مؤسساتها وفي مقدمتها بنك التنمية الجديد، فرصة للانتقال من مجرد المطالبة بعدالة التمويل الدولي إلى تطوير أدوات تمويلية أكثر مرونة، تستطيع دعم مشروعات الطاقة النظيفة والمياه والزراعة المستدامة والنقل والبنية التحتية المرنة دون تعميق أزمات المديونية.

الطبيعة جزء من معادلة المرونة
لم تتوقف أجندة الاستدامة عند المناخ والطاقة. فقد امتدت إلى التنوع البيولوجي والغابات والمياه والتصحر وتدهور الأراضي والجفاف وغيرها من التحديات التي تمس بصورة مباشرة الأمن الغذائي وسبل العيش والاقتصادات المحلية.
وهذا تطور مهم؛ لأن بناء المرونة المناخية لا يتحقق فقط بخفض الانبعاثات، بل يتطلب أيضاً حماية رأس المال الطبيعي الذي تعتمد عليه المجتمعات والاقتصادات.

وتكتسب هذه القضايا أهمية خاصة بالنسبة للمنطقة العربية والعديد من دول الجنوب العالمي، حيث يتقاطع تغير المناخ مع ندرة المياه وتدهور الأراضي وارتفاع درجات الحرارة والتصحر والضغوط المتزايدة على النظم الغذائية.

الطاقة… بين الطموح المناخي وحق التنمية
يكشف ملف الطاقة عن واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً داخل بريكس.
فالمجموعة تضم اقتصادات كبيرة ومنتجين ومستهلكين رئيسيين للطاقة، وفي الوقت نفسه تتطلع إلى تعزيز التحول نحو أنظمة أكثر استدامة.

وهنا لا يمكن النظر إلى التحول الطاقي في الجنوب العالمي باعتباره مجرد استبدال مصدر للطاقة بآخر. المطلوب هو بناء منظومة تحقق في الوقت نفسه أمن الطاقة، وإتاحتها بأسعار معقولة، وخفض الانبعاثات، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وتعزيز التصنيع المحلي.
وهذا هو جوهر الانتقال العادل: ألا يصبح العمل المناخي عائقاً أمام التنمية، بل أداة لإعادة تصميمها بصورة أكثر كفاءة واستدامة.

من المسؤولية المجتمعية إلى اقتصاد الأثر
ورغم أن إعلان نيودلهي يتحرك أساساً على مستوى الحكومات والمؤسسات الدولية، فإن تنفيذ هذه الأجندة لن يكون مسؤولية الحكومات وحدها.
فالقطاع الخاص والمؤسسات المالية والجامعات ومراكز البحوث والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية جميعها أطراف أساسية في تحويل الالتزامات إلى نتائج.

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR) من مبادرات وبرامج منفصلة إلى مساهمة أكثر عمقاً في بناء اقتصاد الأثر؛ بحيث تصبح القيمة الاجتماعية والبيئية جزءاً من الاستثمار والإنتاج والتمويل وسلاسل الإمداد والقرار الاقتصادي.

فالمرحلة المقبلة لن تسأل المؤسسات فقط: ماذا قدمتم للمجتمع؟ بل ستسألها بصورة متزايدة: ما الأثر الذي صنعه نموذج أعمالكم في المجتمع والاقتصاد والبيئة؟
وهذا التحول يمكن أن يمثل مساحة مهمة لدول الجنوب العالمي لبناء نماذج تنموية لا تفصل بين النمو الاقتصادي والقيمة المجتمعية والاستدامة البيئية.

من إعلان نيودلهي إلى اختبار التنفيذ
لقد نجحت قمة نيودلهي في وضع الاستدامة والمرونة بصورة واضحة داخل المشروع التنموي لبريكس، وربطت العمل المناخي بقضايا العدالة والتمويل والطاقة والطبيعة والتنمية. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القمة وليس خلالها.

فمكانة بريكس المستقبلية لن تُقاس فقط بعدد أعضائها أو حجم اقتصاداتها أو حصتها من التجارة العالمية، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الوزن المتنامي إلى تمويل مناخي متاح، وتكنولوجيا قابلة للنقل، وطاقة أكثر استدامة، ونظم غذائية ومائية أكثر مرونة، وطبيعة أكثر حماية، وفرص تنموية أكثر عدالة. وهنا ينبغي الانتقال من قياس حجم الالتزامات إلى قياس حجم الأثر.

لقد وضعت نيودلهي الاستدامة داخل خطاب بريكس، لكن التحدي المقبل هو نقلها من الإعلان إلى التمويل، ومن التمويل إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى الأثر القابل للقياس. ولذلك، فإن السؤال الذي سيحدد إلى حد كبير مكانة بريكس في مستقبل الجنوب العالمي ليس: كم أصبحت بريكس أقوى؟

بل: هل تستطيع تحويل قوتها الاقتصادية والسياسية المتنامية إلى نموذج تنموي أكثر عدالة ومرونة واستدامة؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لما بعد نيودلهي.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

العمل المناخي يبدأ من المجتمع ودور الأفراد والمؤسسات في مواجهة تغير المناخ وتحقيق الاستدامة

العمل المناخي يبدأ من المجتمع.. كيف يصنع الأفراد والمؤسسات مستقبلاً أكثر استدامة؟

من السلوك الفردي إلى المسؤولية المجتمعية للشركات.. مواجهة تغير المناخ تتطلب شراكة المجتمع والقطاع الخاص …

اترك تعليقاً