حين نرمي الخبز… نهدر النيل

فاقد الغذاء خسارة للماء والأرض وجهد الفلاح

سلسلة «خواطر زراعية» الحلقة رقم (42)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. قاسم زكي (*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 17 سبتمبر 2026م،

قد يبدو رغيف الخبز الملقى في القمامة شيئًا صغيرًا لا يستحق التوقف. لكنه يحمل حكاية أطول من لحظة شرائه: بذرة أودعها فلاح في الأرض، وماء سقى جذورها، وسماد وطاقة وعمل، ثم حصاد ونقل وطحن وخَبز. حين نتخلص منه وهو صالح للأكل، تضيع ثمرة هذه الرحلة كلها. نحن نرى الرغيف، لكننا لا نرى الموارد التي أصبحت جزءًا من تاريخه، ولا ساعات التعب التي بذلها آخرون حتى يصل إلى موائدنا.

وفي مصر، حيث ارتبطت الزراعة بالنيل، يصبح إهدار الطعام قضية تتصل بعلاقتنا بالماء والأرض. ومع اقتراب اليوم الدولي للتوعية بالفاقد والمهدر من الأغذية، في 29 سبتمبر، نحتاج إلى سؤال بسيط: كم من الطعام نستطيع إنقاذه قبل أن نطلب من الحقول إنتاج المزيد؟ فهذه المناسبة دعوة لإعادة النظر في رحلة الغذاء من المزرعة إلى المائدة.

خسارة تبدأ قبل المائدة
ثمة فرق بين «فاقد الغذاء» و«هدر الغذاء». يشير الأول، في إطار القياس الدولي، إلى الخسائر التي تقع بعد الحصاد وقبل مرحلة البيع بالتجزئة، أثناء التداول والتخزين والنقل والتصنيع. أما الهدر فيُقاس لدى متاجر التجزئة وخدمات الطعام والمستهلكين. قد تتلف الطماطم في الطريق إلى السوق، وقد يصل الطعام سليمًا إلى المنزل ثم يُترك حتى يفسد؛ والنتيجة في الحالتين غذاء لا يؤدي وظيفته في إطعام الناس.

ويكشف تقرير مؤشر هدر الأغذية لعام 2024، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن العالم ولّد نحو 1.05 مليار طن من مخلفات الغذاء خلال 2022، في المنازل وخدمات الطعام والتجزئة، بما يعادل قرابة 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين. وتشمل هذه التقديرات الأجزاء غير القابلة للأكل؛ لذلك لا يصح تصوير الكمية كلها على أنها وجبات صالحة أُلقيت في القمامة. وجاءت 60% من الكمية من المنازل، مقابل 28% من خدمات الطعام، و12% من التجزئة.

الماء الذي لا نراه
نغلق الصنبور حرصًا على الماء، ثم نشتري أحيانًا غذاء يزيد على حاجتنا فنتركه يفسد. وبين السلوكين علاقة يغيب إدراكها: إنتاج الغذاء نفسه يحتاج إلى الماء. وما يسمى «الماء الافتراضي» يساعدنا على التفكير في المياه المستخدمة عبر سلسلة إنتاج السلعة، وإن كانت لا تظهر أمامنا في صورتها النهائية. فالمحصول يحمل أثر الري، والمنتج الحيواني يحمل أيضًا أثر المياه اللازمة لإنتاج أعلافه.

وعنوان «نهدر النيل» تعبير عن هذه الصلة، وليس حسابًا حرفيًا لكل رغيف؛ فقد يأتي القمح من حقول مصرية أو من الاستيراد، وتختلف مصادر المياه وطرق الزراعة. كذلك لا يعني منع إهدار رغيف استرداد الماء الذي استُخدم بالفعل. معناه أن تقليل الهدر بصورة مستمرة يمكن أن يخفف الحاجة إلى إنتاج فائض لا يؤكل، ويزيد المنفعة الغذائية من الموارد المتاحة. هذه هي القيمة التي ينبغي أن نحسبها إلى جانب ثمن الشراء.

الفلاح يدفع جزءًا من الثمن
خلف كل ثمرة مهدرة فلاح واجه مخاطر الطقس والآفات وتكاليف الإنتاج. وقد يخسر محصولًا جيدًا بسبب عبوات غير مناسبة، أو تأخر النقل، أو ضعف التخزين، أو تعذر الوصول إلى مشترٍ في الوقت المناسب. لذلك فإن اختزال القضية في نصائح للمستهلك يترك جزءًا مهمًا من المشكلة دون علاج. حماية الغذاء تبدأ بحماية قيمته في يد منتجه، وتوفير الوسائل التي توصله إلى السوق بحالة جيدة.

ومن هنا يمكن أن يصبح تحسين التعبئة، والتبريد الملائم للمحصول، وتنظيم النقل، وتطوير تخزين الحبوب، استثمارًا في الأمن الغذائي. ويمكن للجمعيات الزراعية أن تساعد صغار المنتجين على تجميع المحاصيل وتسويقها، وأن تربطهم بوحدات تصنيع تستوعب الفائض السليم. فالثمرة التي لا تتحمل رحلة طويلة قد تصلح للتصنيع المحلي، بشرط سلامتها وجودتها، بدلًا من فقدها انتظارًا لسوق بعيد.

للعلم دور بعد الحصاد
اعتدنا أن نقيس نجاح البحث الزراعي بزيادة المحصول، لكن جودة ما يصل إلى المستهلك تستحق اهتمامًا مماثلًا. ينبغي أن يتسع العمل البحثي لدراسة تحمل الثمار للتداول، ومقاومة أمراض ما بعد الحصاد، وطرق التعبئة والحفظ المناسبة، مع الحفاظ على الطعم والقيمة الغذائية. ويستطيع الإرشاد الزراعي أن يحول هذه المعرفة إلى إجراءات واضحة يطبقها المزارع والتاجر.

كما نحتاج إلى قياس مصري منتظم يحدد أين تقع الخسائر، وفي أي محاصيل ومواسم، وما أسبابها. فخسارة الحبوب في التخزين تختلف عن تلف الخضروات أثناء النقل، وهدر مطعم يختلف عن هدر منزل. البيانات المحلية تتيح توجيه التمويل إلى موضع المشكلة، ثم تقييم النتيجة. أما ترديد نسبة عامة دون تحديد مصدرها وما تقيسه، فقد يلفت الانتباه لكنه لا يساعد على اختيار الحل.

كرم بلا إسراف
في البيت، يبدأ التغيير قبل الذهاب إلى السوق: مراجعة الموجود، وإعداد قائمة، وشراء كميات تناسب الاستهلاك الفعلي. وتساعد معرفة طرق الحفظ، وترتيب الطعام لاستخدام الأقدم أولًا، وإعداد حصص مناسبة، على تقليل الفائض. ويمكن الاستفادة من الطعام المتبقي ما دام محفوظًا بصورة سليمة وصالحًا للأكل، مع الالتزام بتعليمات السلامة والتخزين؛ فالحرص على الغذاء لا يبرر تناول طعام فاسد.

وللمطاعم والفنادق دور أيضًا، من خلال قياس ما يعود في الأطباق، وضبط كميات التحضير، وإتاحة أحجام مختلفة للوجبات، وتنظيم التبرع بالفائض الآمن عبر جهات مؤهلة. وفي مناسباتنا الاجتماعية، نستطيع أن نحافظ على الكرم وحسن الضيافة بموائد محسوبة، يُقدَّم فيها الطعام على دفعات، ويُعتنى بما يتبقى منها. كثرة ما يُلقى بعد الوليمة تستحق أن تدفعنا إلى مراجعة تقدير الكميات.

احترام النعمة وحماية المستقبل
أقترح أن تصبح عبارة «احفظ طعامك… تحفظ ماءك» مدخلًا لتوعية تربط المدرسة والبيت والمطعم والحقل، وأن يصاحبها عمل قابل للقياس. يمكن للأسرة أن تراقب ما تتخلص منه أسبوعيًا، وللمطعم أن يحدد أكثر الأطباق هدرًا، وللجمعية الزراعية أن تسجل خسائر التداول. بهذه الخطوات نعرف أين نبدأ، وما الذي نجح، وما الذي يحتاج إلى تعديل.

حين نحترم الرغيف، نحترم الفلاح والأرض والماء والجهد الذي صنعه. وحين نحمي ثمرة من التلف، نزيد الغذاء المتاح دون مطالبة الأرض بمحصول إضافي. إن مواجهة هدر الغذاء باب عملي للأمن الغذائي، يبدأ بقرار شراء وينمو بسياسة تخزين وتسويق وبحث وإرشاد. فلننظر إلى الطعام قبل أن نلقيه: وراءه موارد محدودة، وأيدٍ تعبت، وحياة كان يمكن أن ينتفع بها إنسان.

المراجع العلمية (روابط):
1. الموقع المشترك للفاو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة
2. الأمم المتحدة: الحد من فقد الأغذية وهدرها
3. برنامج الأمم المتحدة للبيئة

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حين تختفي الأشجار… ترتفع وفيات المدن

تبدأ الحكاية من إرثٍ عريق سبق تأسيس النادي، من رؤية الشيخ زايد للصقارة بوصفها ركيزة لصون التراث الثقافي وجسراً للحوار بين الشعوب، وهي الرؤية التي تجسّدت مبكراً في مؤتمر ومهرجان الصداقة الدولي للبيزرة عام 1976.

اترك تعليقاً