سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (60)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 30 سبتمبر 2026
هل تستطيع نتيجة فحص وراثي أن تخبر إنسانًا بأنه ينتمي إلى حضارة بعينها، أو أن أسرته «أنبل» من غيرها؟ السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة تكشف الفارق بين علم يدرس تاريخ السكان، وخطاب ينتقي من العلم ما يخدم التفاخر والخصومة. وقد أعادت محاضرة الأستاذ حيدر الياسري، بعنوان «السلالات الأبوية Y-DNA بين زيف الادعاء وحقائق الإحصاء»، ضمن ملتقى علماء وطلاب الآثار العرب، طرح هذا الفارق الذي يزداد أهمية مع انتشار الفحوصات الوراثية التجارية.
يبدأ البحث العلمي بسؤال قابل للاختبار، ثم بجمع بيانات مناسبة وتحليلها ومقارنة التفسيرات المحتملة. أما أن يقرر شخص مسبقًا أن سلالة معينة تثبت انتسابه إلى قوم أو حضارة، ثم يبحث بين النتائج عما يؤيد رأيه، فذلك يشبه رسم الهدف حول موضع الرصاصة بعد إطلاقها؛ وهي مغالطة تُعرف باسم «قناص تكساس». قيمة الفحص لا تأتي من قدرته على تأكيد قصة نحبها، بل من استعداده لتصحيحها.
ثلاث نوافذ على الماضي
لفهم النتائج، لا بد أولًا من معرفة ما يقيسه كل فحص. تفحص الاختبارات الجسمية، أو الأوتوسومية، أجزاء واسعة من الجينوم الموروث من الأب والأم، وتفيد في دراسة التقارب الوراثي والامتزاج السكاني. لكنها لا تستطيع وحدها تحديد «قومية» الإنسان كما تُكتب في الوثائق؛ فالقوميات واللغات والهويات تتشكل أيضًا بالتاريخ والثقافة والسياسة.
أما فحص الكروموسوم الذكري Y-DNA فيتتبع خطًا واحدًا: الأب، ثم أباه، ثم أباه عبر الأجيال. ولذلك يساعد على دراسة تفرعات الخطوط الأبوية وانتشارها. وفي المقابل، يُستخدم الحمض النووي للميتوكوندريا mtDNA لتتبع خط الأم المباشر؛ فهو ينتقل من الأم إلى أبنائها وبناتها، لكن البنات هن من ينقلنه عادةً إلى الجيل التالي. ولكلا الخطين طفرات يمكن الاستعانة بها في تقدير الزمن، مع تفاوت الدقة بحسب البيانات وطريقة المعايرة. ولا يمثل أي منهما شجرة أسلاف الشخص كاملة: فلكل إنسان عدد كبير من الأسلاف في كل جيل، بينما يكشف كل فحص أحادي التوريث مسارًا واحدًا بينهم.
ومن هنا يظهر خطأ شائع: قد يشترك رجلان في فرع أبوي قديم، دون أن يعني ذلك أن سائر أصولهما متطابقة. وقد ينتمي شخصان إلى مجتمع واحد ويتحدثان اللغة نفسها، بينما يختلف خطاهما الأبويان. كذلك لا يحدد اسم الفرع الأبوي لون البشرة أو ملامح الوجه؛ فهذه صفات تتداخل في تكوينها مناطق جينية متعددة وعوامل أخرى، ولا يمكن استنتاجها من علامة أبوية واحدة.
ماذا تعني أعمار السلالات؟
عند قراءة شجرة التحورات، ينبغي التمييز بين زمن ظهور طفرة يُعرَّف بها فرع معين، وزمن أحدث جد أبوي مشترك للأشخاص الذين شملتهم عينة الدراسة. قد يفصل بين الزمنين وقت طويل، وقد يتغير تقدير الجد المشترك حين تُفحص عينات إضافية أو تُراجع سرعة حدوث الطفرات. لهذا تُعرض التواريخ الجينية بوصفها تقديرات لها هامش عدم يقين، لا مواعيد ميلاد دقيقة لجد معروف بالاسم.
وينطبق الحذر نفسه على الخرائط. إذا وُجد تحور أبوي بنسبة مرتفعة في منطقة اليوم، فلا يكفي ذلك للقول إنه نشأ فيها، أو إن جميع حامليه ينتمون إلى شعب تاريخي واحد. فقد ترفع الهجرة أو التوسع السكاني أو ما يُعرف بـ«أثر المؤسس» نسبة فرع بعينه. وتحتاج معرفة تاريخه إلى عينات ممثلة، وحمض نووي قديم مؤرخ، ومقارنة مع الأدلة الأثرية واللغوية، لا إلى ترتيب البلدان وفق نسب التحور في نتائج فحوصات معاصرة.
تقدم دراسة لازاريديس وزملائه المنشورة عام ٢٠١٦ مثالًا على قوة الجمع بين الأدلة؛ فقد حللت جينومات قديمة من الشرق الأدنى، بينها عينات مرتبطة بالنطوفيين، لدراسة تنوع السكان وانتشار جماعات الزراعة القديمة. لكنها لا تصلح لإصدار شهادة نسب إلى حضارة لكل حامل معاصر لفرع أبوي معين. كذلك لا يجوز اختزال الناطقين باللغات السامية، عبر عصور وأقاليم مختلفة، في كروموسوم ذكري واحد؛ فاللغة قد تنتشر بالتواصل والتحول الثقافي، كما قد تنتشر مع حركة السكان.
«آدم الجيني» ليس أول إنسان
يثير تعبير «آدم الجيني» التباسًا آخر. المقصود به في الدراسات الوراثية أحدث رجل تلتقي عنده الخطوط الأبوية المباشرة للرجال الذين شملتهم المقارنة، وليس أول رجل عاش، ولا الرجل الوحيد في زمانه. ولا يعني انقطاع خط أبوي مباشر أن صاحبه لم يترك أحفادًا؛ فقد يستمر نسله عبر البنات أو عبر فروع أخرى من شجرة الأسرة. وبالمثل، لا تمثل «حواء الميتوكوندرية» المرأة الوحيدة التي عاشت في عصرها. إنها مصطلحات تصف نقطة التقاء خطوط وراثية محددة، لا أصل البشرية بكل تفاصيله.
ما الذي يمنحه لنا علم الجينات إذن؟ يمنحنا وسيلة دقيقة، وإن كانت محدودة، لطرح أسئلة عن الهجرات والاختلاط والقرابة السكانية وتغير المجتمعات عبر الزمن. وحين يُقرأ إلى جانب الآثار والتاريخ واللغة، يصبح الماضي أغنى وأكثر تعقيدًا من حكاية «سلالة نقية» أو «شعب بلا اختلاط». لا توجد طفرة تمنح إنسانًا قيمة أعلى من غيره، ولا اختبار يستطيع أن يصادر انتماءه الثقافي. إن أفضل خدمة يقدمها هذا العلم للتاريخ هي أن يجعلنا أكثر تواضعًا أمام الأدلة، وأكثر إدراكًا لما يجمع البشر في تاريخ طويل متشابك.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز