حين يرى القائد المؤسسة من خلال ما يصل إليه عنها
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز واستشراف المستقبل، 11 اكتوبر 2026
كلما ارتفع القائد في الهرم التنظيمي، ابتعد بحكم موقعه عن التفاصيل التشغيلية اليومية، وهذه المسافة ليست خطأ في ذاتها، بل ضرورة تفرضها طبيعة القيادة؛ فالقائد الأعلى لا يستطيع أن يتابع كل موظف، أو يراقب كل عملية، أو يتعامل مباشرة مع كل متعامل، كما أن قيامه بذلك قد يحوله من قائد إلى مدير للتفاصيل ويضعف التفويض والتمكين اللذين تحتاج إليهما المؤسسة، لكن المفارقة تبدأ عندما تبتعد الحقيقة عنه بالقدر نفسه الذي ابتعدت به التفاصيل، فيصبح أكثر اعتماداً على ما يُرفع إليه من تقارير ومؤشرات وعروض وما تنقله المستويات التنظيمية المتعاقبة، حتى تتشكل معرفته بالمؤسسة من الصورة التي تصل إليه أكثر مما تتشكل من الواقع الذي تعيشه.
«كلما ارتفع القائد تنظيمياً، ابتعد بحكم موقعه عن التفاصيل، لكن الخطر يبدأ عندما تبتعد عنه الحقيقة معها».
وهنا تظهر «القيادة بالمسافة»، فالمشكلة ليست في وجود مسافة تنظيمية بين القائد والعمل، وإنما في تحول هذه المسافة الطبيعية إلى مسافة معرفية تجعله أقل قدرة على معرفة ما يحدث فعلياً، وقد يمتلك القائد رؤية واضحة، ويعرف التوجه الاستراتيجي، ويتابع المؤشرات، ويقرأ التقارير، ويجتمع دورياً مع قياداته، ومع ذلك تكون هناك مساحة من الواقع لا تصل إليه، أو تصل بعد أن تتغير درجة وضوحها أثناء انتقالها عبر المستويات التنظيمية.
ولا يُقصد بالقيادة بالمسافة هنا مجرد البعد المادي أو التنظيمي بين القائد والعاملين، وإنما الحالة التي تصبح فيها معرفة القائد بالمؤسسة معتمدة بدرجة متزايدة على واقع منقول إليه، بدلاً من امتلاكه مسارات كافية لاختبار مدى تمثيل هذا الواقع لما يحدث فعلياً.
فالتوجه الاستراتيجي يُصاغ في المستويات العليا، لكن حقيقته تُختبر في العمليات اليومية، وقد تكون الاستراتيجية ممتازة، والمبادرات معتمدة، والمؤشرات تبدو مطمئنة، بينما يعيش الموظفون والمتعاملون والعمليات واقعاً مختلفاً عن الصورة الموجودة في قاعة القيادة، وعندها لا تكون المشكلة أن القائد لا يعرف إلى أين يريد أن تذهب المؤسسة، بل أنه قد لا يعرف إلى أين تذهب فعلاً، «فالتوجه الاستراتيجي يُصنع في الأعلى، لكن حقيقته تُختبر في الأسفل.
وتكشف تجربة مؤسسة ميد ستافوردشاير التابعة لخدمة الصحة الوطنية البريطانية (Mid Staffordshire NHS Foundation Trust) كيف يمكن أن تتسع المسافة بين الصورة المؤسسية والواقع الذي يعيشه أصحاب المصلحة، وهي مؤسسة كانت تقدم خدمات الرعاية الصحية للمجتمع المحلي في مقاطعة ستافوردشاير بإنجلترا، وفي السنوات التي سبقت التحقيق العام، كانت المؤسسة تخضع لمؤشرات وتقييمات ومراجعات متعددة، وكانت تسعى إلى الحصول على صفة المؤسسة الاستئمانية (Foundation Trust)، في الوقت الذي كانت فيه استطلاعات المرضى والعاملين والشكاوى وتقارير المراجعة تكشف إشارات تستدعي القلق بشأن جودة الرعاية، ولم تكن المشكلة في غياب المعلومات، بل في أن منظومات الإدارة والرقابة لم تنجح في جمع دلالاتها والتعامل معها بما يكشف في الوقت المناسب حقيقة ما كان يحدث في نقاط تقديم الخدمة.
وهنا تكتسب الحالة معناها القيادي: فقد تكون لدى المؤسسة تقارير ومؤشرات وهياكل رقابية، ومع ذلك تبقى أجزاء مهمة من الواقع خارج الصورة التي تصل إلى مواقع القرار، ولذلك لا يبدأ الاتصال بالواقع من زيادة كمية المعلومات التي تصل إلى القيادة، بل من السؤال عما إذا كانت هذه المعلومات تمثل فعلاً ما يحدث داخل المؤسسة.
ولا يعني ذلك أن التقارير أو المستويات الإدارية الوسيطة مشكلة يجب تجاوزها، فالمؤسسات الكبيرة لا يمكن أن تعمل دونها، كما أن التفويض الحقيقي يقتضي منح القيادات في المستويات المختلفة مساحة لإدارة مسؤولياتها واتخاذ قراراتها. لكن التفويض لا ينبغي أن يتحول إلى تنازل عن معرفة الواقع، والتمكين لا يعني أن يفقد القائد القدرة على التحقق من الصورة التي تُبنى عليها قراراته.
وهنا يظهر الفرق بين التدخل والتحقق، فالقائد المتصل بالواقع لا يتجاوز مديريه ليقوم بأعمالهم، ولا يسحب منهم الصلاحيات حتى يعرف التفاصيل، وإنما يبني قنوات متعددة تمكنه من اختبار الصورة دون أن يدير العمل نيابة عنهم.
«التفويض يمنح الآخرين حق التصرف، لكنه لا يعفي القائد من مسؤولية التحقق».
حين تتغير الحقيقة في طريقها إلى القيادة
وتبدأ المشكلة غالباً بطريقة أكثر هدوءاً مما نتخيل، فالمعلومة التي تنشأ في موقع العمل قد تمر بالمشرف، ثم المدير، ثم الإدارة، ثم القطاع، ثم المكتب التنفيذي قبل أن تصل إلى القائد، وفي كل مستوى قد يحدث تعديل يبدو مشروعاً: تُختصر التفاصيل، وتُجمع الحالات المتشابهة، وتُرتب الأولويات، ويُحذف ما يُعتقد أنه غير مهم، ويُضاف تفسير، وتتحول عشرات الصفحات إلى شريحة واحدة، ولا يحتاج أي شخص في هذه السلسلة إلى عدم الصدق حتى تتغير الصورة في النهاية.
«وقد تكون كل معلومة وصلت إلى القائد صحيحة، لكن المعلومات التي لم تصل قد تكون هي التي تغير معنى ما وصل».
ويمكن وصف الصورة الناتجة هنا بـ«الواقع المُرشَّح»، وهي الصورة التي تصل إلى القيادة بعد مرور الواقع عبر طبقات من الاختيار والاختصار والتفسير والتوقعات والعلاقات والمصالح، وفي هذه الحالة قد تظل مكونات الصورة صحيحة منفردة، بينما لا تعود الصورة الكلية ممثلة للواقع بالدرجة نفسها.
«أخطر المعلومات ليست دائماً المعلومات غير الصحيحة، بل المعلومات الصحيحة التي اختير منها فقط ما يصنع صورة غير صحيحة».
وقد يكون الترشيح متعمداً عندما يحاول شخص حماية موقعه أو إخفاء إخفاقه، لكنه كثيراً ما يحدث دون اتفاق أو نية واضحة، فكل مستوى تنظيمي يقرر ما يعتقد أن المستوى الأعلى يحتاج إلى معرفته، ومع تكرار هذه العملية يتقلص الواقع شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى القيادة في صورة أكثر ترتيباً وأقل تعقيداً من حقيقته.
وفي حالة ميد ستافوردشاير، تكشف نتائج التحقيق أن المشكلة لم تكن في غياب الأصوات التي تشير إلى الخلل؛ فقد عبّر مرضى وأسرهم وموظفون عن مخاوف وشكاوى، لكن النظام المؤسسي الأوسع لم ينجح في جمع دلالات هذه الإشارات والاستجابة لها بما يعكس حجم المشكلة التي كانت تتشكل، وهنا تظهر إحدى صور «الواقع المرشَّح»: لا تختفي الحقيقة بالضرورة لأن شخصاً قرر إخفاءها، وإنما قد تتوزع بين قنوات متعددة، أو تُقرأ كل إشارة منفردة، أو تفقد دلالتها عندما لا تُجمع مع غيرها في صورة واحدة تصل إلى من يستطيع اتخاذ القرار.
وهنا تظهر «المسافة المعرفية القيادية» بوصفها نتيجة محتملة للمسافة التنظيمية، حين يصبح ما يعرفه القائد عن المؤسسة أقل اتصالاً بما يحدث فعلياً داخلها، وكلما اعتمد على قناة واحدة أو مجموعة محدودة من الأشخاص لفهم المؤسسة، ارتفعت احتمالات أن يصبح ما يعرفه انعكاساً لطريقة هؤلاء في رؤية الواقع، لا الواقع وحده.
وقد يسهم «الفريق الحاضن» أو المقربون أو المستشارون في ذلك عندما يتحولون من مساعدين للقائد إلى بوابة شبه وحيدة لما يصل إليه، لكن اختزال المشكلة فيهم سيكون تبسيطاً، فقد يكون القائد نفسه أحد أهم أسباب بناء هذه المسافة.
فالقائد الذي ينزعج من الأخبار السيئة، أو يقاطع من يعرض مشكلة، أو يفضل الأرقام الإيجابية، أو يربط نقل الإخفاق بالمساءلة الشخصية قبل فهم أسبابه، يرسل رسائل يتعلم منها المحيطون به بسرعة، وبعد فترة لا يحتاج إلى أن يطلب منهم إخفاء شيء؛ فقد أصبحوا يعرفون ما الذي يسعده، وما الذي يزعجه، وما الذي يستحق أن يُرفع، وما الذي يمكن تأجيله أو تخفيف لغته أو وضعه في نهاية العرض.
«قد لا يطلب القائد من الآخرين إخفاء الحقيقة، لكن طريقة استقباله لها قد تعلمهم أي جزء منها يريد أن يسمع».
ويتقاطع ذلك مع ما تناولته أدبيات الاتصال من ظواهر تتعلق بترشيح المعلومات أثناء انتقالها، كما ينسجم بصورة أكثر تحديداً مع ما عُرف بـ«تأثير حجب الأخبار السيئة» (MUM Effect)؛ أي الميل إلى التردد في نقل الأخبار أو المعلومات غير المرغوبة، وقد أظهرت الدراسات المبكرة للظاهرة أن الأخبار السيئة قد تُنقل بدرجة أقل اكتمالاً وتلقائية من الأخبار الجيدة، كما بحثت بعض هذه الدراسات أثر الخوف من التقييم السلبي وما قد يترتب على نقل الخبر بالنسبة إلى المتلقي. وفي البيئة التنظيمية يكتسب هذا المعنى بعداً قيادياً إضافياً؛ فطريقة استقبال القائد للمشكلة، وربط نقلها باللوم أو المساءلة، أو تكوين انطباع سلبي عمن يرفعها، قد تؤثر في استعداد المحيطين به لنقل المعلومات غير المريحة، وهكذا لا ترتبط جودة المعلومات التي تصل إلى القيادة بمن يجمعها وينقلها فقط، بل أيضاً بالبيئة التي صنعتها القيادة لاستقبالها.
حين لا تكفي المعلومات لمعرفة الواقع
وتتضح خطورة هذه الحالة أكثر في تجربة ميد ستافوردشاير ؛ فالإشارات التي كشفت لاحقاً حجم المشكلة لم تكن كلها غائبة عن المؤسسة أو الجهات المحيطة بها، لكن وجود المعلومات لا يعني بالضرورة أن دلالتها الكلية أصبحت مرئية لمن يتخذ القرار، وقد أظهر التحقيق العام وجود تدفق مستمر من المعلومات والإشارات التي كانت تستدعي القلق، في الوقت الذي لم يستجب فيه النظام الأوسع لها بما يكفي لاكتشاف حجم المشكلة والتعامل معها في وقت أبكر.
وتكشف هذه الحالة فارقاً مهماً بين امتلاك المعلومات وامتلاك صورة صادقة عن الواقع، فقد تكون الشكوى صحيحة، والمؤشر صحيحاً، والتقرير صحيحاً، وكل منها يعرض جزءاً من المؤسسة، لكن القرار لا يُبنى على صحة الأجزاء منفردة بقدر ما يُبنى على قدرة المؤسسة على جمعها وقراءتها في سياق يكشف ما تعنيه مجتمعة.
وهنا لا تكمن المشكلة في نقص البيانات وحده، بل في قدرة النظام القيادي على التقاط الإشارات المتفرقة وربطها قبل أن تتحول المشكلة التشغيلية إلى واقع أكبر من الصورة التي تصل إلى مواقع القرار، فالقيادة قد تمتلك معلومات كثيرة عن المؤسسة، ومع ذلك تظل هناك أجزاء حاسمة من حقيقتها خارج مركز الصورة.
ومن هنا تظهر «فجوة الواقع القيادي»: المسافة بين الواقع الذي تعيشه المؤسسة فعلياً والواقع الذي يصل إلى القائد ويعتقد أنه يقود على أساسه، وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح ممكناً أن يتخذ القائد قراراً منطقياً تماماً بناءً على صورة غير مكتملة، وهذه من أخطر حالات القيادة، لأن القائد قد لا يعرف أنه لا يعرف.
وهنا تصبح القضية أعمق من مجرد تحسين التقارير أو زيادة عدد المؤشرات؛ فالتحدي الحقيقي هو كيف يستطيع القائد أن يقترب من الواقع من دون أن يهدم التفويض، وأن يتحقق من الحقيقة من دون أن يتحول إلى مدير للتفاصيل. فهل يكفي أن ينزل إلى الميدان ويرى العمل بنفسه؟ أم أن القرب من الميدان قد يصنع، هو الآخر، صورة تبدو حقيقية أكثر مما هي كذلك؟
في الجزء الثاني: حين لا يكفي الاقتراب من الميدان للوصول إلى الحقيقة، وكيف يمكن للقيادة أن تبني اتصالاً بالواقع دون أن تفقد المسافة التي تحتاج إليها للقيادة.
(*) د. أنيس رزوق
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي، واستشراف المستقبل. عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
المراجع:
1. Alcoa. (n.d.). Our history. https://www.alcoa.com/global/en/who-we-are/history
2. Francis, R. (2013). Report of the Mid Staffordshire NHS Foundation Trust Public Inquiry: Executive summary (HC 947). The Stationery Office. https://www.gov.uk/government/publications/report-of-the-mid-staffordshire-nhs-foundation-trust-public-inquiry
3. Occupational Safety and Health Administration. (2013, November 7). Press teleconference on proposed new rule to improve tracking of workplace injuries and illnesses. U.S. Department of Labor. https://www.osha.gov/news/teleconf/11072013
4. Rosen, S., & Tesser, A. (1970). On reluctance to communicate undesirable information: The MUM effect. Sociometry, 33(3), 253–263. https://doi.org/10.2307/2786156
5. Rosen, S., & Tesser, A. (1972). Fear of negative evaluation and the reluctance to transmit bad news. Journal of Communication, 22(2), 124–141. https://doi.org/10.1111/j.1460-2466.1972.tb00140.x
6. Tucker, A. L., & Singer, S. J. (2015). The effectiveness of management-by-walking-around: A randomized field study. Production and Operations Management, 24(2), 253–271. https://doi.org/10.1111/poms.12226
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز