“وجبة …. إبداع وابتكار (142) القيادة بالمسافة مقابل التميز بالاتصال بالواقع المؤسسي – 2”

حين لا يكفي الاقتراب من الميدان للوصول إلى الحقيقة

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز واستشراف المستقبل، 18 اكتوبر 2026
في الجزء الأول، انتهينا إلى أن الخطر لا يبدأ من وجود المسافة التنظيمية في ذاتها، بل من تحوّلها إلى «فجوة واقع قيادي» تجعل القائد يتخذ قراراته استناداً إلى صورة قد تكون صحيحة في أجزائها، لكنها لا تمثل الواقع كاملاً، غير أن إدراك هذه الفجوة يفتح تحدياً آخر: كيف يقترب القائد من الحقيقة دون أن يتحول إلى مدير للتفاصيل، ودون أن يهدم التفويض الذي تحتاج إليه المؤسسة؟
قد يبدو النزول إلى الميدان هو الإجابة الأقرب، لكنه ليس ضمانة في ذاته؛ فالقائد قد يصل إلى موقع العمل، ويلتقي الموظفين، ويرى العمليات، ومع ذلك لا يرى إلا الواقع الذي أُعدّ له أن يراه، ومن هنا تنتقل القضية من مجرد الوصول إلى الميدان إلى القدرة على الوصول إلى حقيقته.

القرب من الميدان لا يعني الوصول إلى الحقيقة
وقد يحاول بعض القادة معالجة هذه المسافة بالزيارات الميدانية، وهي ممارسة مهمة، لكن مجرد الوصول إلى موقع العمل لا يضمن الوصول إلى حقيقته، فقد يعتقد القائد أنه متصل بالميدان لأنه يزور المواقع باستمرار، لكن إذا كانت كل زيارة معلنة مسبقاً، ويُختار الموظفون الذين سيقابلهم، وتُرتب المواقع، وتُراجع الملفات، وتُجهز الإجابات، فقد يكون قد اقترب جسدياً من المؤسسة بينما بقي معرفياً بعيداً عنها، بل قد تمنحه الزيارة ثقة أكبر في صورة جرى إعدادها خصيصاً ليراها.
وهنا يمكن تسمية هذه الحالة «القرب المسرحي»: أن يحضر القائد إلى الميدان، لكن الميدان الذي يراه ليس بالضرورة الميدان الذي يعمل كل يوم. «فليس كل نزول إلى الميدان اقتراباً من الحقيقة.»

وتدعم البحوث الإدارية هذا التمييز بين مجرد الحضور الميداني وبين القدرة على تحويل ما يكشفه الميدان إلى فعل مؤسسي، ففي دراسة ميدانية عشوائية أجرتها أنيتا تاكر (Anita L. Tucker) وسارا سينغر (Sara J. Singer) على ممارسة الإدارة بالتجول في مواقع العمل (Management-By-Walking-Around – MBWA) في بيئة الرعاية الصحية، لم يؤدِّ مجرد انتقال كبار المديرين إلى مواقع العمل الأمامية والاستماع إلى العاملين إلى تحسين الأداء، بل أظهرت الدراسة أن البرنامج كان له، في المتوسط، أثر سلبي على الأداء. وفي المقابل، ارتبط تحسن الأداء بتحمل كبار المديرين مسؤولية التأكد من معالجة المشكلات التي جرى تحديدها، وتكشف هذه النتيجة أن قيمة الحضور الميداني لا تكمن في الوصول إلى موقع العمل وحده، بل في قدرة الإدارة على تحويل ما يكشفه ذلك الوصول إلى معالجة فعلية للمشكلات.

والمقصود ليس أن تصبح الزيارات مفاجئة دائماً أو أن يتعامل القائد مع مؤسسته بمنطق التفتيش، وإنما أن تكون لديه مسارات تسمح للواقع الطبيعي بأن يظهر أمامه، فقد تكون مقابلة موظفين من مستويات مختلفة، أو الاستماع المباشر إلى المتعاملين، أو مراجعة الشكاوى، أو مشاهدة عملية كما تحدث فعلاً، أو الاطلاع عند الحاجة على البيانات الخام، أكثر كشفاً من عرض شديد الإتقان أُعد خصيصاً لاجتماع القيادة.

فقد تعرض لوحة الأداء، مثلاً، متوسطاً مرتفعاً لرضا المتعاملين، بينما تكشف مراجعة الشكاوى أن فئة محددة منهم تواجه المشكلة نفسها بصورة متكررة في خطوة واحدة من الخدمة، وقد يكون المؤشر العام صحيحاً، لكن مشاهدة العملية والاستماع إلى الموظف الذي ينفذها والمتعامل الذي يمر بها تكشف أن المتوسط أخفى نقطة احتكاك لا تظهر بوضوح في الرقم المجمع، وهنا لا تلغي المعرفة المباشرة المؤشر، وإنما تمنح القيادة السياق الذي تحتاج إليه لتفسيره.

من الوصول إلى الواقع إلى بناء القدرة على كشفه
وتقدم تجربة شركة ألكوا (Alcoa) في عهد رئيسها التنفيذي بول أونيل (Paul O’Neill) مثالاً مختلفاً على إدارة هذه المسافة، وألكوا شركة صناعية أمريكية تعود جذورها إلى عام 1888 في مدينة بيتسبرغ، ونمت لتصبح من الشركات العالمية الكبرى في صناعة الألومنيوم ومنتجاته، ومع انتشار عملياتها عبر مئات المواقع حول العالم، لم يكن وصول القيادة مباشرة إلى كل واقعة تشغيلية أمراً ممكناً، لكن معالجة هذه المسافة لم تكن بإلغاء المستويات التنظيمية أو تركيز القرارات في الإدارة العليا، وإنما ببناء آليات تجعل المعلومات التشغيلية المهمة قابلة للوصول والتعلم منها بسرعة.

وفي مجال السلامة، أوضح أونيل أن الشركة أنشأت نظاماً فورياً لمعلومات السلامة يربط 343 موقعاً حول العالم، وكان مطلوباً تسجيل أي إصابة، بما في ذلك حالات الإسعافات الأولية، خلال أربع وعشرين ساعة، حتى تتمكن المواقع الأخرى من التعلم مما حدث ولا تضطر المؤسسة إلى تعلم الدرس نفسه مرة بعد أخرى، بذلك لم تعد المسافة الجغرافية أو التنظيمية تعني بالضرورة مسافة معرفية بالقدر نفسه، لأن النظام صُمم لتقليل الزمن والمسارات التي تفصل بين حدوث الواقعة وتحولها إلى معرفة يمكن أن تستفيد منها المؤسسة.

والدلالة القيادية في هذه التجربة لا تتعلق بالسلامة وحدها، بل بطريقة تصميم تدفق الحقيقة داخل المؤسسة، فالاتصال بالواقع لا يقتضي أن يكون القائد حاضراً في كل موقع، وإنما أن يبني نظاماً يجعل الأحداث المهمة قابلة للظهور والمقارنة والتعلم قبل أن تفقد دلالتها أثناء انتقالها، كما لا يعني ذلك إلغاء التقارير أو التفويض، بل منع المسافة التنظيمية من أن تتحول تلقائياً إلى مسافة معرفية.

فالقائد لا يحتاج إلى الوصول إلى كل معلومة، لكنه يحتاج إلى أكثر من طريق للوصول إلى الحقيقة.
هنا يصبح التميز بالاتصال بالواقع المؤسسي نظاماً، لا سلوكاً شخصياً يقوم به القائد عندما يشعر بأن هناك مشكلة، فالقائد يحتاج إلى التقارير والمؤشرات، لكنه يحتاج أيضاً إلى صوت المتعامل والموظف، وإلى قنوات آمنة لرفع الأخبار غير المريحة، وإلى معرفة ما يحدث في نقاط الاحتكاك الحقيقية داخل العمليات، وإلى مقارنة ما يسمعه من المستويات المختلفة، وإلى القدرة على طرح سؤال خارج النص المعد للاجتماع.

والأهم أن تكون هذه القنوات طبيعية ومستمرة، لا محاولة للتحقق من صدق الأشخاص، فالاتصال بالواقع لا يقوم على الشك في القيادات الوسيطة، وإنما على الاعتراف بأن كل نظام لنقل المعلومات يفقد شيئاً من التفاصيل والسياق أثناء انتقالها.

كما أن القائد المتصل بالواقع لا ينبغي أن يتحول إلى مركز بديل لكل القرارات، فإذا أصبح الموظفون يتجاوزون مديريهم إليه، أو أصبحت الوحدات تنتظر تدخله لحل التفاصيل، يكون قد عالج المسافة المعرفية بإضعاف النظام التنظيمي نفسه، والتميز الحقيقي أكثر صعوبة من ذلك، أن يحافظ على المسافة التي يحتاج إليها للتفويض والقيادة الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه يبني جسوراً تمنع هذه المسافة من التحول إلى حاجز بينه وبين الحقيقة.

المشكلة ليست أن تكون هناك مسافة بين القائد والعمل، بل أن تصبح المسافة حاجزاً بين القائد والحقيقة.
وفهم العلاقة بين المفاهيم التي يقوم عليها هذا المسار، أن تبدأ «المسافة التنظيمية» بوصفها ضرورة طبيعية في المؤسسة الكبيرة، لكنها قد تنتج «مسافة معرفية قيادية» إذا أصبحت معرفة القائد معتمدة بصورة مفرطة على الواقع المنقول، وأثناء انتقال المعلومات قد يتشكل «الواقع المُرشَّح»، حيث تصل حقائق صحيحة لكنها لا تمثل الحقيقة الكلية، وإذا استمر ذلك، تتسع «فجوة الواقع القيادي» بين المؤسسة التي يعتقد القائد أنه يقودها والمؤسسة التي تعمل فعلياً.

والخطر عندئذ لا يقع على معرفة القائد وحدها، بل على الاستراتيجية والقرار والثقافة والثقة، فقد يطلب القائد تحسين مشكلة لا يعرف حجمها الحقيقي، أو يحتفل بمؤشر يخفي وراء متوسطه حالات مختلفة، أو يعتمد مبادرة يعتقد أن الموظفين قادرون على تنفيذها، أو يظن أن ثقافة المؤسسة مستقرة لأن الأصوات التي تصل إليه هي أصوات أكثر قدرة على الوصول.

أما المؤسسة الناضجة فلا تحاول إلغاء المسافة التنظيمية، لأنها تحتاج إليها، ولا تجعل القائد غارقاً في التفاصيل، لأنها تحتاج إلى قيادته، وإنما تدير المسافة بحيث يبقى القرار قريباً بما يكفي من الحقيقة وبعيداً بما يكفي عن التدخل في عمل الآخرين.

وهنا يصبح الاتصال بالواقع المؤسسي قدرة قيادية قائمة على التوازن: تفويض دون انفصال، وتقارير دون ارتهان لها، وبيانات دون فقدان السياق، وزيارات دون مسرحية، واستماع دون تجاوز للتسلسل التنظيمي، وثقة بالآخرين دون التخلي عن التحقق.

فالقائد لا يقود المؤسسة التي تظهر في العرض، ولا المؤسسة التي يصفها التقرير، ولا المؤسسة التي يراها في زيارة أُعدت لاستقباله. إنه يقود المؤسسة التي تعمل كل يوم عندما لا يكون موجوداً ليراها.
ولهذا فإن جودة القيادة لا تقاس فقط بوضوح الرؤية التي ينظر بها القائد إلى المستقبل، بل أيضاً بوضوح النافذة التي ينظر منها إلى الحاضر، فكلما كانت هذه النافذة أوسع وأقل ترشيحاً، اقترب القرار من الحقيقة. وكلما ضاقت، ازدادت احتمالات أن يقود القائد صورة شديدة التنظيم عن مؤسسة أكثر تعقيداً بكثير.

والتميز بالاتصال بالواقع لا يطلب من القائد أن يعرف كل شيء، فذلك مستحيل، وإنما أن يعرف أن ما يصل إليه ليس كل شيء، وأن يبني من القنوات والثقافة والسلوك ما يسمح للحقيقة بأن تصل إليه حتى عندما تكون غير مريحة.
فالقيادة بالمسافة تبدأ عندما يطمئن القائد إلى الصورة التي تصل إليه دون أن يمتلك وسائل مستقلة لاختبارها، أما الاتصال بالواقع المؤسسي فيبدأ عندما تصبح معرفة الحقيقة جزءاً من تصميم القيادة نفسها، لا رهناً بمن يقف بين القائد وبينها، فكلما ارتفع القائد في المؤسسة ازدادت حاجته إلى المسافة التي تمكّنه من القيادة، وإلى الجسور التي تمنع تلك المسافة من إبعاده عن الحقيقة.

ليست القضية أن يختار القائد بين المسافة والقرب؛ فكلاهما ضرورة في موضعه، القضية أن يبني مؤسسة يستطيع أن يقودها من موقعه، من دون أن يصبح موقعه سبباً في ابتعاده عن حقيقتها، فالمسافة التي تمنح القيادة مجالاً للرؤية ينبغي ألا تحجب عنها ما يستحق أن يُرى.

كلمات مفتاحية:
القيادة بالمسافة، الاتصال بالواقع المؤسسي، الواقع المُرشَّح، فجوة الواقع القيادي، المسافة المعرفية القيادية، ترشيح المعلومات، الاتصال الصاعد، تأثير حجب الأخبار السيئة (MUM Effect)، التفويض والتمكين، الواقع التشغيلي.

(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي، واستشراف المستقبل.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

المراجع:
1. Alcoa. (n.d.). Our history. https://www.alcoa.com/global/en/who-we-are/history
2. Francis, R. (2013). Report of the Mid Staffordshire NHS Foundation Trust Public Inquiry: Executive summary (HC 947). The Stationery Office. https://www.gov.uk/government/publications/report-of-the-mid-staffordshire-nhs-foundation-trust-public-inquiry
3. Occupational Safety and Health Administration. (2013, November 7). Press teleconference on proposed new rule to improve tracking of workplace injuries and illnesses. U.S. Department of Labor. https://www.osha.gov/news/teleconf/11072013
4. Rosen, S., & Tesser, A. (1970). On reluctance to communicate undesirable information: The MUM effect. Sociometry, 33(3), 253–263. https://doi.org/10.2307/2786156
5. Rosen, S., & Tesser, A. (1972). Fear of negative evaluation and the reluctance to transmit bad news. Journal of Communication, 22(2), 124–141. https://doi.org/10.1111/j.1460-2466.1972.tb00140.x
6. Tucker, A. L., & Singer, S. J. (2015). The effectiveness of management-by-walking-around: A randomized field study. Production and Operations Management, 24(2), 253–271. https://doi.org/10.1111/poms.12226

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (138) ” القيادة بالشفافية مقابل التميز بالوضوح المؤسسي – 4″

قياس الوضوح: من الانطباع إلى القدرة المؤسسية شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، …

اترك تعليقاً