الدكتور مصطفى فوزي يفكك تحولات السلطة والتمثيل السياسي وكلفة التنمية بزاكورة
شبكة بيئة ابوظبي، المملكة المغربية، 31 أكتوبر 2026
صدر حديثاً للدكتور مصطفى فوزي مؤلف علمي جديد بعنوان «صناعة النخب المحلية في المجتمعات الواحية: بين السلطة والمقدس والمدنس»، وهو دراسة سوسيو-أنثروبولوجية تتناول آليات تشكل النخب المحلية وتحولاتها داخل المجتمعات الواحية، والعلاقات التي تربط البنيات القبلية والاجتماعية بمراكز النفوذ السياسي والإداري والديني، مع اتخاذ إقليم زاكورة نموذجاً ميدانياً لتحليل جدلية السلطة والتمثيل السياسي والتنمية الترابية بالجنوب الشرقي للمغرب.
ويفتح الكتاب نقاشاً علمياً حول مفهوم النخبة ومحددات تشكلها وتصنيفاتها، مستحضراً الإشكالات النظرية والفكرية والفلسفية المرتبطة بالعلاقة بين مفهوم النخبة ومحتواه، والتمييز بين أنماطها ومواقعها داخل المجتمع. ومن هذا المدخل النظري، ينتقل المؤلف إلى دراسة التحولات التي عرفتها البنيات الاجتماعية والسياسية بإقليم زاكورة، من خلال تتبع الانتقال من التنظيم القبلي إلى المجال الحزبي والانتخابي، وتحليل كيفية انتقال تأثير الانتماءات القبلية والاجتماعية إلى الساحة السياسية، وانعكاس ذلك على اختيارات الناخبين خلال الاستحقاقات الانتخابية.
ويخصص المؤلف حيزاً مهماً لدراسة أنواع النخب الواحية وآليات اشتغالها، من خلال التمييز بين النخب السياسية التقليدية، القائمة على المكانة الاجتماعية والاعتبار العائلي وشبكات النفوذ، والنخب المنتخبة التي تستمد شرعيتها من المؤسسات والاقتراع. كما يتناول المراحل التاريخية والاجتماعية لنشأة هذه النخب، ويبحث في تحولات النخب السياسية الحديثة، مستحضراً تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب علاقة الفاعل السياسي بالزوايا وموقع المرجعيات الدينية في تشكيل النفوذ المحلي.
ولا يغفل الكتاب دور الجماعات الترابية والمجالس المنتخبة في إنتاج النخب وإعادة تشكيلها، مسلطاً الضوء على التوتر القائم بين مشروع الدولة لتحديث المجال واستمرار البنيات التقليدية في التأثير على صناعة القرار المحلي. كما يتوقف عند النخب الجمعوية، من خلال تحليل بنياتها وسياقات نشأتها وتمثلاتها، ومدى إسهام المجتمع المدني في تجديد النخب المحلية أو إعادة إنتاج أنماط النفوذ القائمة.
وفي امتداد لهذا التحليل، ينتقل العمل إلى دراسة النخب الترابية والإدارية المعينة، متخذاً مؤسسة العامل بإقليم زاكورة نموذجاً لفهم دور الإدارة الترابية في التأطير والمواكبة والتوجيه. ويحلل المؤلف آليات صناعة النخبة الإدارية، من خلال موقع الرقابة القانونية والوساطة المجالية، مع التوقف عند أدوار بعض المصالح الإدارية، ولاسيما قسمي الجماعات الترابية والشؤون القروية، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين العامل والفاعلين السياسيين المحليين، وما تطرحه من أسئلة حول حدود الحياد الإداري ومستويات الفاعلية في تدبير الشأن العام.
ويشكل السلوك الانتخابي أحد المحاور المركزية في الدراسة، حيث يبحث المؤلف في محددات الاختيار السياسي لدى الناخب بالمجتمعات الواحية، وتأثير العلاقات الشخصية والدينية والانتماءات الاجتماعية، إلى جانب مستوى الثقة في النظام الانتخابي وأولوية القضايا المحلية والمصالح الفردية في توجيه التصويت. كما يتناول صورة المنتخب الرجل في المخيال الانتخابي، وتمثلات ترشح المرأة، محللاً المفارقة بين رهانات تمكين النساء واستمرار بعض الآليات التقليدية في إعادة إنتاج النخب النسائية، فضلاً عن العلاقة بين المال السياسي وسلطة الأعراف ومدى تأثيرهما في استقلالية الإرادة الانتخابية.
ويعزز الكتاب هذا التحليل بدراسة ميدانية لنتائج اقتراعي 2015 و2021 بإقليم زاكورة، من خلال مقارنة الكتلة الناخبة المفترضة بالمسجلة، وتحليل نسب المشاركة الفعلية، والوقوف عند محدودية التمثيلية السياسية للنساء رغم ثقلهن الديموغرافي. كما يرصد تحولات أداء الأحزاب السياسية في المجال الواحي، بين أدوار التأطير التنظيمي ومنطق البراغماتية الانتخابية، متوقفاً عند تأثير التزكيات القبلية والاجتماعية وموازين السلطة المحلية في مقابل التزكيات الحزبية، وتحليل أنماط السلوك الانتخابي على مستوى الجماعات الترابية بالإقليم.
وفي فصله الأخير، الذي اختار له المؤلف عنوان «وزر النخبة أو كلفة التنمية»، ينتقل الكتاب من تحليل آليات صناعة النفوذ إلى مساءلة حصيلة النخب ومسؤوليتها في تدبير الشأن العام. ويتناول في هذا السياق أزمة الأداء البرلماني والتعطيل التشريعي، من خلال قراءة في الحصيلة البرلمانية لممثلي إقليم زاكورة خلال الفترة 2021-2026، إلى جانب رصد الاختلالات الميدانية في تدبير الجماعات الترابية، وتحليل نماذج من مظاهر ضعف الحكامة المحلية، ودور المعارضة داخل المجالس المنتخبة في مراقبة الأداء وتقييم القرارات.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من ربطها بين طبيعة النخب المحلية ومردودية المؤسسات المنتخبة والإدارية، وبين اختيارات الفاعلين السياسيين ونتائج السياسات والمشاريع التنموية. فتعثر التنمية الواحية، وفق المنظور الذي يطرحه الكتاب، لا يمكن تفسيره بالعوامل الطبيعية والمناخية وندرة الموارد المائية ومحدودية التمويل وحدها، بل يستدعي أيضاً مساءلة بنية السلطة المحلية، وكيفية إنتاج النخب، وطبيعة العلاقات التي تتحكم في صناعة القرار وتوزيع الموارد وترتيب الأولويات.
ويخلص هذا الطرح إلى أن تحقيق تنمية ترابية أكثر فعالية واستدامة يقتضي تجاوز إعادة إنتاج النخب التقليدية، وتعزيز آليات التداول على المسؤولية، وتوسيع المشاركة السياسية والمدنية، وترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، إلى جانب تقوية الشفافية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يبرز أهمية تمكين الشباب والنساء والكفاءات المحلية من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام وصناعة القرار التنموي.
وعلى المستوى الأكاديمي والمهني، يستند هذا الإصدار إلى المسار العلمي والميداني لمؤلفه الدكتور مصطفى فوزي، المتخصص في السوسيولوجيا والخبير في قضايا التخطيط المجالي والتهيئة العمرانية والتنمية الترابية المستدامة. ويشغل حالياً منصب المدير الترابي للوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان (ANDZOA) بإقليم زاكورة، حيث يواكب إعداد برامج التنمية الترابية وتتبع تنفيذها بالمجالات الواحية.
وقد رأى المؤلف تكويناً أكاديمياً متعدد التخصصات، شمل العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية بمدينة غرونوبل الفرنسية، وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة علوم الإعلام والاتصال بالرباط، والتخطيط والتنمية المجالية بالمعهد الوطني لإعداد التراب والتعمير بالرباط، وصولاً إلى الدكتوراه في السوسيولوجيا. كما نشر أبحاثاً ودراسات في مجلات علمية وطنية ودولية محكمة، من بينها Espace Géographique et Société Marocaine وGEOMAGHREB وRIMEC.
ويأتي هذا المؤلف امتداداً لاهتمام بحثي بقضايا الواحات وتحولاتها الاجتماعية والمجالية، سبق أن تجسد في كتاب «واحات وادي درعة الأوسط بين رهانات الفاعلين والتغيرات المناخية: مقاربة سوسيولوجية» الصادر سنة 2026، والمشاركة في المؤلف الجماعي «واحات درعة الوسطى: التاريخ والمجال والمجتمع» الصادر سنة 2024.
وبذلك، يقدم كتاب «صناعة النخب المحلية في المجتمعات الواحية» مساهمة بحثية في فهم التحولات السياسية والاجتماعية التي تعرفها المجالات الواحية، من خلال مساءلة العلاقة بين القبيلة والحزب والمؤسسة الإدارية والفاعل الديني والمجتمع المدني، واستكشاف أثر هذه العلاقات في تشكيل النخب وتوجيه التنمية. كما يفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن شروط الانتقال من نخب تستمد نفوذها من الامتدادات التقليدية وشبكات المصالح إلى نخب مؤهلة للاضطلاع بأدوار التمثيل الديمقراطي والتدبير التنموي.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز