الإنسان والأرض، من علاقة الاستنزاف إلى هندسة التعايش

 

المعماري عصام خراط:
• الطبيعة ليست مجرد مصدر للإلهام الجمالي، بل مختبر هندسي متكامل يقدم حلولاً مبتكرة لبناء مدن أكثر استدامة ومرونة في مواجهة التغير المناخي.
• أحلم بعمارة تتنفس وتتعلم وتتكيّف كالكائنات الحية، وتوظف المحاكاة الحيوية والذكاء الاصطناعي لتحويل المباني من مستهلكة للموارد إلى شريكة في حماية الأرض.

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المعماري عصام خراط (*) الإمارات العربية المتحدة، 02 نوفمبر 2026
ماذا لو كانت أعظم الحلول الهندسية لمشكلات المدن المعاصرة موجودة أمام أعيننا منذ ملايين السنين، لكننا لم نتعلم بعد كيف نقرأها؟ وماذا لو استطاعت المباني أن تتنفس كما تتنفس الكائنات الحية، وأن تنظم حرارتها كما يفعل جسم الإنسان، وأن تعيد تدوير مواردها كما تفعل النظم البيئية، وأن تتعلم من محيطها باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

لم تعد هذه الأسئلة مجرد خيال معماري، بل أصبحت مدخلاً علمياً لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعمران والطبيعة، في وقت تواجه فيه المدن تحديات متزايدة تتعلق بالتغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتلوث الهواء، وتنامي الطلب على الطاقة والمياه. وهي تحديات تكشف أن مستقبل العمارة لا يمكن أن يستمر بالاعتماد على منطق البناء والاستهلاك وحده، بل يحتاج إلى تحول جذري نحو تصميم أنظمة عمرانية أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على التكيف.

لقد أمضت الطبيعة مليارات السنين في تطوير أنظمة معقدة تقوم على التكامل بين الوظائف، وكفاءة استخدام الموارد، والتكيف مع الظروف المتغيرة. فمن بنية العظام التي تجمع بين الخفة والمتانة، إلى أوراق النباتات التي تنظم تبادل الغازات والمياه، وصولاً إلى الأنظمة البيئية التي تعيد تدوير المواد والعناصر الغذائية، تقدم الطبيعة نماذج يمكن للهندسة المعمارية أن تستلهم مبادئ عملها، لا أن تكتفي بتقليد أشكالها.

ومن هنا تبرز المحاكاة الحيوية (Biomimicry) بوصفها منهجاً علمياً وتصميمياً يستفيد من استراتيجيات الكائنات الحية والنظم الطبيعية لتطوير حلول هندسية أكثر استدامة. ومع تقدم تقنيات الاستشعار والتحكم الذكي والذكاء الاصطناعي، تتسع إمكانات ترجمة هذه المبادئ إلى مبانٍ قادرة على مراقبة أدائها البيئي، والاستجابة للتغيرات المناخية، وتحسين استهلاك الطاقة والمياه، والحد من النفايات والانبعاثات.

غير أن التحول الحقيقي لا يكمن في جعل المباني أكثر ذكاءً من الناحية التقنية فحسب، بل في إعادة تعريف، وظيفتها، وعلاقتها بالإنسان، والطبيعة. فالمبنى المستدام ليس مجرد منشأة تستهلك موارد أقل، وإنما جزء من منظومة عمرانية وبيئية مترابطة، ينبغي أن تسهم في تحسين جودة الحياة، وتقليل الضغوط على النظم الطبيعية، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة المخاطر المستقبلية.

ومن هذا المنطلق، تعود بي الذاكرة إلى عام 1996، عندما حاولت من خلال مشروع تخرجي في الهندسة المعمارية من جامعة اللاذقية (تشرين سابقاً) تصور مدينة عائمة قادرة على توفير بيئة آمنة للحياة في عالم قد تتفاقم فيه مشكلات التلوث والتدهور البيئي. لم يكن المشروع مجرد تمرين على ابتكار شكل عمراني غير مألوف، بل محاولة مبكرة للإجابة عن سؤال ما زال يرافقني حتى اليوم: هل ينبغي أن نصمم مدناً تحمي الإنسان من بيئة تتدهور، أم أن التحدي الأهم هو إعادة تصميم علاقتنا بالبيئة حتى لا نصل إلى مرحلة البحث عن النجاة منها؟

بعد ثلاثة عقود تقريباً، ومع تسارع التحولات المناخية والتكنولوجية، أجد أن هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحاً. فالعمارة التي نحتاج إليها في المستقبل ليست تلك التي تتحدى الطبيعة أو تنفصل عنها، بل التي تتعلم من قوانينها، وتحاكي كفاءة أنظمتها، وتعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي شريكاً في استدامة الحياة، لا مجرد مستهلك لمواردها.
إنها دعوة للانتقال من عمارة تستنزف الأرض إلى عمارة تتعايش معها؛ ومن مبانٍ نعيش داخلها إلى أنظمة عمرانية حية نتعلم منها كيف نعيش بصورة أفضل، دون أن نستهلك مقومات المستقبل.

الأرض جسد والإنسان فيروس:
تأمّلات معماريّ في الخلق والعمارة والنجاة، في البدء كان التصميم
قبل أن يكون هناك حجرٌ أو ضوءٌ أو زمن، كانت هناك فكرة. وكلُّ معماريٍّ يعرف أن الفكرة تسبق المادة، وأن المخطط يُرسم في العقل قبل أن يُرسم على الورق. فإذا تأمّلنا الكون بعين المعماري، رأينا أعظم مشروعٍ عرفه الوجود: كونٌ مبنيٌّ بنسبٍ دقيقة، وقوانين لا تختلّ، وتوازنٍ يُمسك المجرّات في مداراتها كما تُمسك الأعمدةُ السقف.

هنا يقف المعماري متواضعاً أمام المعمار الأول والأكبر، الخالق الذي يصف صنعه بلغة البناء: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. بنيناها، لا “أوجدناها” فحسب؛ كأنّ الكلمة تدعونا إلى أن نقرأ الكون مخططاً معمارياً مفتوحاً، قابلاً للتأمّل والدرس والمحاكاة. وفي موضعٍ آخر: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. والإتقان هو الكلمة التي يحلم بها كلّ مهندس، وقلّما يبلغها.
لكنّ الفرق جوهريّ: الخالق يُبدع من العدم، والمعماري يُركّب من الموجود. نحن لا نخلق، بل نُحاكي. وهذه المحاكاة ليست نقصاً في المهنة، بل هي جوهرها؛ فالمعماري الحقيقي تلميذٌ دائم في مدرسة الخلق، يقرأ الجناح ليصمّم السقف، والعظم ليصمّم الهيكل، والورقة ليصمّم الواجهة.

ومن هنا تتحدد وظيفة المعماري في نظري: ليست رسم الجدران، بل التفكير نيابةً عن الآخرين. أن يرى ما لم يُرَ بعد، وأن يقلق قبل أن يقلق الناس، وأن يضع الحلّ قبل أن تقع المشكلة. المعماري الحقيقي يفكّر خارج الصندوق لأنه يعرف أن الصندوق نفسه من صنع البشر، وأن الطبيعة لم تصمّم شيئاً في صندوق.

الإنسان: التقويم الأحسن والسقوط الممكن
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۝ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. أقرأ هذه الآية بعين المهندس فأرى فيها معادلةً كاملة. “التقويم” في اللغة هو الضبط والتعديل والتسوية، وهو مصطلحٌ هندسيٌّ بامتياز. الجسد البشري أكثر الآلات تعقيداً على الإطلاق: هيكلٌ عظميٌّ يجمع بين الخفة والمتانة بما يعجز عنه أفضل الفولاذ، وجهازٌ تنفسيٌّ يبادل الغازات عبر مساحةٍ هائلة مطويّة في صدرٍ صغير، ودورةٌ دمويّة تشكّل شبكة نقلٍ لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً، وكليتان تعملان كمحطة تنقيةٍ لا تعرف العطل، وجلدٌ يتنفّس ويعرق ويحمي ويُحسّ في آنٍ واحد، ودماغٌ يدير كلّ ذلك دون أن نشعر.

هذا هو “أحسن تقويم”: نظامٌ متكامل، كلّ عضوٍ فيه يخدم الآخر، ولا يعمل أيٌّ منها لنفسه وحده.
ثم يأتي الشطر الثاني: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. وهنا يكمن السؤال الذي يؤرقني منذ عقود: هل السقوط قدرٌ محتوم، أم نتيجة اختيار؟ الآية التالية تحمل الاستثناء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فالسقوط إذن ليس حتمياً، بل هو المآل الطبيعي لمن يهمل ويُفسد. والعمل الصالح، بلغة عصرنا، يشمل أيضاً الحفاظ على البيت الذي نسكنه: الجسد، والمبنى، والكوكب.

الأرض: الجسد الأكبر
حين أنظر إلى كوكب الأرض لا أرى صخرةً تدور حول الشمس، بل أرى كائناً حياً. ولستُ وحدي في ذلك؛ فقد طرح العالم البريطاني جيمس لوفلوك في سبعينيات القرن الماضي ما عُرف بـ “فرضية غايا”، ومفادها أن الأرض تتصرّف كنظامٍ حيٍّ واحد ينظّم نفسه ليحافظ على شروط الحياة. لكنّ القرآن سبق إلى الإشارة حين جمع الآفاق والأنفس في آيةٍ واحدة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾. كأنّ ما في الأنفس مرآةٌ لما في الآفاق، وكأنّ الجسد خريطةٌ مصغّرة للكوكب.

فلنُشرّح هذا الجسد الأكبر عضواً عضواً:
الرئتان: الغابات المطيرة والعوالق النباتية في المحيطات. هي التي تتنفّس ثاني أكسيد الكربون وتزفر الأكسجين، والمفارقة أن النصيب الأكبر من أكسجين الأرض لا يأتي من الغابات وحدها، بل من كائناتٍ مجهريةٍ تسبح في البحر، تماماً كما تتم عملية التنفس في الحويصلات الدقيقة لا في القصبة الهوائية.
الدورة الدموية: المحيطات وتياراتها العميقة، التي تنقل الحرارة من خط الاستواء إلى القطبين كما ينقل الدم الدفء إلى الأطراف. والأنهار شرايين، والجداول شعيرات، والمياه الجوفية أوردةٌ خفية.

الكليتان: الأراضي الرطبة والمستنقعات وغابات المانغروف، ويسمّيها علماء البيئة صراحةً “كلى الأرض”، لأنها تُرشّح المياه من الملوّثات قبل أن تصل إلى البحر. ونحن في الخليج نعرف قيمة المانغروف في سواحلنا جيداً.
الجلد: الغلاف الجوي وطبقة الأوزون، يحميان الجسد من الإشعاع كما يحمي الجلد من الشمس. والمجال المغناطيسي درعٌ غير مرئيّ يردّ الرياح الشمسية، كما يردّ الجلد الأجسام الغريبة.

الهيكل العظمي: الجبال والصفائح التكتونية. ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ أوتادٌ تثبّت، كما تثبّت العظام الجسد وتمنحه شكله.
القلب: النواة المنصهرة في باطن الأرض، التي تنبض بالحرارة وتولّد المجال المغناطيسي، ولو توقّفت لماتت الأرض كما يموت الجسد إذا توقّف القلب.
الجهاز الهضمي: التربة، بمليارات الكائنات الدقيقة فيها، التي تحلّل الموتى والفضلات وتعيدها غذاءً للحياة. لا شيء يضيع في الطبيعة؛ كلّ نهايةٍ بدايةٌ جديدة.

الجهاز العصبي: شبكات الفطريات تحت الأرض، التي اكتشف العلماء أنها تربط جذور الأشجار ببعضها، فتتبادل عبرها الغذاء والإشارات، حتى سُمّيت “شبكة الإنترنت الخشبية”.
الجهاز المناعي: التنوّع الحيوي. فكلما تنوّعت الكائنات قوي النظام وقاوم الأمراض والصدمات، وكلما فقدنا نوعاً ضعُفت المناعة.
تنظيم الحرارة: الأغطية الجليدية والسحب، تعكس أشعة الشمس وتبرّد الجسد، كما يبرّد العرقُ الجلد.
هذا الجسد الكوكبي عاش ملايين السنين في توازنٍ مُدهش، يمرض ويتعافى، يجرح ويلتئم. حتى جاء الإنسان.

الإنسان فيروساً: الضارّ والنافع
قد يبدو تشبيه الإنسان بالفيروس قاسياً، لكنه في رأيي أدقّ تشبيهٍ علميٍّ لعلاقتنا بالأرض من الناحية الوظيفية. والفيروس ليس شرّاً مطلقاً كما نتصوّر؛ إنه كائنٌ لا يعيش إلا داخل غيره، ومصيره مرهونٌ بمصير مضيفه. وهذا بالضبط حال الإنسان مع الأرض: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾.
ويميّز علم الأحياء بين أنماطٍ من السلوك الفيروسي، أراها تنطبق على أنماط البشر:

الفيروس المدمّر: يدخل الخلية، يستولي على مواردها، يتكاثر بلا حدود حتى تنفجر الخلية وتموت، ثم ينتقل إلى غيرها. هذا هو الإنسان المستهلك الذي يقطع الغابة ليبني، ويستنزف المياه الجوفية حتى تجفّ، ويحرق الوقود حتى يختنق الهواء، ولا يسأل عن الغد. والمفارقة القاتلة أن الفيروس الذي يقتل مضيفه يقتل نفسه معه.

الفيروس الكامن: يدخل الخلية ويختبئ في مادتها الوراثية، ساكناً لا يضرّ ولا ينفع، حتى تأتي ظروفٌ تُوقظه. هذا هو الإنسان اللامبالي، الذي لا يدمّر بيده لكنه لا يحرّك ساكناً أمام الدمار، ويظنّ أن الحياد براءة.
الفيروس المتكافل: وهنا المفاجأة العلمية الأجمل. فنحو ثمانية بالمئة من الحمض النووي البشري أصلُه فيروسات قديمة دخلت أجساد أسلافنا قبل ملايين السنين واندمجت فيها. وأحد هذه الجينات الفيروسية مسؤولٌ عن تكوين المشيمة، أي أن الأمومة البشرية نفسها مدينةٌ لفيروسٍ قرّر أن يتعايش بدل أن يدمّر. وفي المحيطات، تعيد الفيروسات تدوير المغذّيات فتغذّي السلسلة الغذائية كلها. هذا هو الإنسان الذي نحلم به: كائنٌ يعيش داخل الكوكب فيمنحه أكثر مما يأخذ، ويصبح جزءاً من مناعته لا سبباً لمرضه.

والجسد حين يُهاجَم لا يقف صامتاً. ترتفع حرارته، وهي الحمّى، كوسيلة دفاعٍ لقتل الغزاة. أليس الاحترار العالمي حُمّى الكوكب؟ أليست الفيضانات والحرائق والأعاصير ردّ فعلٍ مناعيّاً لجسدٍ يحاول أن يتخلّص مما يؤذيه؟ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. لاحظوا الكلمة الأخيرة: “يرجعون”. فالحمّى ليست حكماً بالإعدام، بل إنذارٌ وفرصةٌ للعودة.

عام 1996: حين رسمتُ المستقبل قبل أوانه:
في عام 1996، كان العالم منشغلاً بأشياء أخرى. كان العالم يحتفل بالإنترنت الوليد، ويخشى “مشكلة عام 2000” في الحواسيب، وكان بروتوكول كيوتو للمناخ لم يوقع بعد حيث تم توقيعه بعد سنتين في ديسمبر 2027 و لم يدخل حيز التنفيذ إلا في عام 2005 للحد من الاحتباس الحراري ولم يأخذه كثيرون على محمل الجد. وكان الحديث عن التغيّر المناخي يُعدّ ترفاً أكاديمياً أو تشاؤماً مبالغاً فيه.
في ذلك الوقت، جلستُ أمام مشروع تخرّجي، وطرحتُ على نفسي سؤالاً بدا لزملائي غريباً: ماذا لو أصبح الهواء خارج بيوتنا غير صالحٍ للتنفّس؟ ماذا لو استمرّ الإهمال حتى صار الكوكب نفسه بيئةً معادية؟ كيف سيعيش الإنسان حينها؟
فتخيّلتُ مدينةً عائمة، تعيش وتنجو وسط بيئةٍ ملوّثة، بأنظمةٍ مستدامة وتقنياتٍ متقدمة.

الصورة (١): المدينة العائمة المقترحة، مشروع التخرج 1996 — الحلقة الخارجية كغشاء الخلية، والقباب الشفافة كحويصلات تحفظ الهواء النقي

لم تكن الفكرة في شكل القباب ولا في هندسة المنصّة، بل في المبدأ الذي يقف خلفها. حين أنظر اليوم إلى تلك الصور، أدرك أنني كنتُ، دون أن أعي تماماً، أرسم خليةً حيّة: الحلقة الخارجية هي الغشاء الخلوي الذي يفصل الداخل عن الخارج ويتحكم بما يدخل وما يخرج، والقباب الشفافة حويصلاتٌ تحفظ هواءً نقياً في قلب عالمٍ ملوّث، والقاعدة الخضراء نسيجٌ حيٌّ يُنتج الأكسجين، والمحاور التي تعبر المدينة شرايين تنقل الطاقة والحياة بين أجزائها.

الصورة (٢): الوحدات العائمة تدور حول البرج المركزي كخلايا حول نواة، وسط الماء والنبات

وفي المشهد الآخر خلية من الوحدات العائمة حول البرج المركزي تبدو كخلايا تدور حول نواة، والماء الذي يحيط بها كالسائل الذي تسبح فيه الخلايا، والنباتات المنتشرة في كل زاوية رئاتٌ صغيرة تتنفّس للمكان.
ما يهمّني اليوم ليس أن التصميم كان جميلاً أو قابلاً للتنفيذ، بل أن السؤال طُرح مبكراً. فما كان يبدو خيالاً علمياً عام 1996، صار اليوم واقعاً نقرؤه في نشرات الأخبار: مدنٌ تُغلق مدارسها بسبب تلوّث الهواء، وأخرى تغرق بارتفاع البحر، وثالثة تختنق بالحرّ. وهنا تكمن قيمة التفكير خارج الصندوق: أن ترى الكارثة قبل وقوعها، فتمنح البشرية وقتاً إضافياً لتتجنّبها، أو على الأقل أدواتٍ لتعالجها.

تقوم المدينة في التصور على وحدة متكررة تسمى الخلية، وفي الهندسة يعرف هذا المبدأ بالتصميم المعياري، فالمبنى يُركب من وحدات متماثلة تُصنع مرة وتتكرر كثيرا، فيرخص الإنتاج ويسهل الإصلاح والنمو. والطبيعة سبقت الهندسة إلى هذا المبدأ: فالجسد كله مبني من خلايا تتشابه في تركيبها الأساسي وتختلف في وظائفها، والنحل يبني خلايا سداسية متماثلة تكفي كل خلية منها لتخزين العسل وتربية الصغار. والخلية في المشروع تعمل كعضو مكتف بذاته: منصة دائرية تطفو على الماء، تحمل غطاء خيميا يظلل ممراتها، وتتوسطها أعمدة تربط مستوياتها بالأعلى والأسفل. وهي تحمل الماء والهواء والطاقة داخل حدودها، ثم تتصل بجاراتها. وكما تحمل كل خلية في الجسد الحياة كاملة بالتعاون مع ما حولها، فإن الخلية هنا أصغر صورة للمدينة، وأي خلل فيها يمكن عزله دون أن ينهار الكيان.

المعماري طبيباً للكوكب
إذا كانت الأرض جسداً، فإن المعماري أقرب ما يكون إلى الطبيب. والطب نوعان: طبٌّ يعالج المرض بعد وقوعه، وطبٌّ وقائيٌّ يمنع المرض قبل أن يبدأ. والمعماري الذي يفكر خارج الصندوق يمارس النوعين معاً.
يقول تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. وأتوقّف طويلاً عند كلمة “استعمركم”؛ فهي من الجذر نفسه الذي اشتُقّت منه “العمارة” و”المعمار”. أي أن العمارة في أصلها تكليفٌ بإعمار الأرض لا بتخريبها، وأن المعماري مؤتمنٌ على الجسد الذي يبني فوقه.

والمعماري الذي يتأمّل الخلق يجد الحلول جاهزةً في الطبيعة، تنتظر من يقرؤها. فقد بنى أسلافنا في الخليج البراجيل، أبراج الرياح التي تلتقط النسيم وتدفعه إلى البيوت، وهي في جوهرها رئةٌ معمارية تتنفّس للبيت. وصمّموا المشربيات التي تعمل كالجلد: تحجب الشمس، وتسمح بمرور الهواء، وتحفظ الخصوصية. وفي زمننا، صمّم المعماري ميك بيرس مبنى “إيست غيت” في هراري بزيمبابوي محاكياً تلال النمل الأبيض، التي تحافظ على حرارةٍ ثابتة رغم تقلّب الطقس، فاستغنى المبنى عن معظم التكييف التقليدي.

هذا هو جوهر ما يسمّى اليوم “المحاكاة الحيوية”: ألا نخترع من الصفر، بل أن نسأل: كيف حلّت الطبيعة هذه المشكلة؟ فالطبيعة سبقتنا بملايين السنين من التجريب، وما بقي منها هو الحلّ الناجح.

الحلم: مبنى يعمل كما يعمل جسد الإنسان
يعمل جسم الإنسان بوصفه شبكة من الأنظمة المترابطة التي تحافظ على ثبات الظروف الداخلية رغم تقلب الخارج. يسمي علماء وظائف الأعضاء هذا الثبات «الاتزان الداخلي»، وهو يقوم على حلقات تغذية راجعة: إذا ارتفعت الحرارة تعرق الجسد، وإذا انخفض السكر يفرز الكبد ما يعيده. ولا يعمل عضو بمعزل عن غيره، فالقلب يحمل الأكسجين الذي تنتجه الرئتان، والكلى تنظف الدم الذي يغذي الدماغ.

وهنا أصل إلى الحلم الذي يرافقني منذ ذلك المشروع الأول: أن أصمّم مبنى لا يُشبه جسد الإنسان في شكله، بل يعمل كما يعمل تماماً.
مبنى له هيكلٌ عظمي يحمله بأقل مادةٍ ممكنة وأقصى متانة، كما تفعل العظام المجوّفة.
وله جلدٌ حيٌّ يتنفّس، ينفتح حين يعتدل الجو وينغلق حين يشتدّ، يتعرّق ليبرد، ويتلوّن ليعكس الشمس أو يمتصّها بحسب الحاجة.

وله رئتان تسحبان الهواء الملوّث من الخارج وتنقّيانه بالنبات والمرشّحات الحيوية، قبل أن تُوزّعاه نقياً في الداخل.
وله دورةٌ دموية من المياه تدور فيه بلا انقطاع: تُجمع من المطر والرطوبة، وتُستخدم، ثم تمرّ على كليتين من الأحواض النباتية والمرشّحات فتعود صالحةً للاستخدام من جديد.
وله جهازٌ هضميّ يحوّل النفايات العضوية إلى طاقةٍ وسماد، فلا يخرج منه شيءٌ ضائع.
وله أيضٌ يُنتج طاقته من الشمس والرياح وحرارة الأرض، ويخزّنها كما يخزّن الجسد الدهون لوقت الحاجة.

وله جهازٌ عصبيّ من آلاف المستشعرات التي تقيس الحرارة والرطوبة وجودة الهواء واستهلاك الطاقة لحظةً بلحظة.
وله دماغٌ من الذكاء الاصطناعي يربط كل ذلك، فيتعلّم ويتكيّف ويقرّر، كما يدير الدماغ وظائف الجسد دون أن نطلب منه.
وله جهازٌ مناعي يكتشف الخلل قبل أن يتفاقم: تسرّب ماء، أو هدر طاقة، أو تلوّث داخلي، فيعالجه أو ينبّه إليه.

السكّان: الفيروسات التي تعيش في الجسد
وهنا تكتمل الفكرة. فإذا كان المبنى جسداً، فإن سكّانه هم الفيروسات التي تعيش فيه بكل أنواعها: منهم المتكافل، ومنهم الكامن، ومنهم المدمّر.

والمبنى الذي أحلم به لا يكتفي بأن يكون صحياً، بل يفرض على ساكنيه أسلوب حياةٍ صحيحاً يلتزمون به ليحافظوا على الجسد الذي يؤويهم. ليس بالقمع، بل كما يفعل الجسد تماماً: بالتوازن والإشارة والاستجابة.
حين يُسرف الساكن في استهلاك الماء، يشعر المبنى بالعطش ويُخبره. وحين يترك الطاقة تُهدر، تنخفض حرارة المبنى أو ترتفع ليُذكّره. وحين يُحسن الاستخدام، يكافئه المبنى بهواءٍ أنقى وراحةٍ أكبر وكلفةٍ أقل. فيتعلّم الساكن، شيئاً فشيئاً، أن يكون فيروساً نافعاً لا ضاراً؛ أن يعيش مع المبنى لا عليه.

ويكاد الكوكب يعمل بالمنطق نفسه. فالتيارات المحيطية تنقل الحرارة من خط الاستواء إلى القطبين كما يوزع القلبالدم، والغابات والعوالق البحرية تمتص ثاني أكسيد الكربون وتعيد الأكسجين، والأراضي الرطبة تنقي المياه كما تفعل الكلى، ودورات الكربون والنيتروجين تعيد تدوير المواد كما يفعل الجهاز الهضمي حين يحوّل الطعام إلى طاقة. وقد تبنّى لفلوك وليفيلوك عام 1972 فرضية «غايا» التي ترى الأرض نظاما تنظّمه الكائنات الحية لحفظ ظروفها، وهي فرضية ما زالت موضع جدل علمي، لكنها أفادت كإطار يربط علم المناخ بعلم الأحياء.

وهذا ما يهم المهندس: الأنظمة المستقرة لا تعتمد على عنصر واحد، بل على تعدد المسارات وتداخل الحلقات. ومن هنا تبدأ المحاكاة.
وهذا المبنى في حقيقته نموذجٌ مصغّرٌ للكوكب. فإذا تعلّم الإنسان أن يعيش متكافلاً مع جدرانٍ يراها ويلمسها، فقد يتعلّم أن يعيش متكافلاً مع الكوكب الذي لا يرى حدوده. المبنى مدرسة، والكوكب هو الامتحان الأكبر.

الخاتمة: إلى التكنولوجيا أم إلى الطين؟
يبقى السؤال الذي بدأتُ به معلّقاً: هل سيبلغ الإنسان بالتكنولوجيا مرتبةً تقترب من محاكاة الخلق، فيبني أجساداً معماريةً تتنفّس وتفكّر وتشفي نفسها؟ أم أنه سيعود، بعد كل هذا الغرور التقني، إلى أصل خلقه من طينٍ وتراب؟
أظنّ أن الجواب الأعمق أن الطريقين يلتقيان. فأرقى تكنولوجيا ممكنة هي تلك التي تتعلّم من الطين: من حكمة التربة التي لا تُهدر شيئاً، ومن صبر الشجرة التي تبني نفسها خليةً خلية، ومن تواضع الجسد الذي يعمل بصمتٍ دون أن يطلب شكراً.

والعودة إلى الطين ليست هزيمةً، بل قد تكون أعلى درجات الوعي، حين يدرك الإنسان أنه جزءٌ من الجسد لا سيّدٌ عليه.
بين “أحسن تقويم” و”أسفل سافلين” مسافةٌ يقطعها الإنسان باختياره. ودور المعماري، كما أراه، أن يبني الجسور التي تعيد الإنسان نحو التقويم الأحسن: أن يصمّم بيئاتٍ تُذكّره كل يوم بأنه ضيفٌ في جسدٍ حيّ، وأن بقاءه مرهونٌ بصحّة مضيفه.
في عام 1998 رسمتُ مدينةً مستدامة تنجو من التلوث. واليوم أحلم بما هو أبعد: مبنى يعلّم الإنسان كيف لا يحتاج إلى النجاة أصلاً.
فالخالق، المعمار الأول، ترك لنا في كل خليةٍ وورقةٍ ونهرٍ مخططاً مفتوحاً. وما علينا إلا أن نقرأه بتواضع، ونحاكيه بإتقان وبطريقة مستدامة.

(*) بقلم: المعماري عصام خراط
مهندس معماري، مدير شركة إيوان الخليج الهندسية، خبرة ثلاثون سنة في الخليج (أبوظبي)، عمل في التصميم المعماري والتنفيذ للعديد من المشاريع الكبرى والقصور الخاصة أنتج العديد من الحلول المعمارية المتميزة.
هاتف 00971506620321 – issam_kharrat@hotmail.com

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حديقة النباتات العُمانية تحصل على أربع شهادات للريادة في الطاقة والتصميم البيئي “LEED”

من الفئة البلاتينية وترسم معايير عالمية جديدة للبناء المستدام شبكة بيئة ابوظبي، مسقط، سلطنة عمان، …

اترك تعليقاً