من الأمن المائي إلى المرونة المائية… ورقة علمية تدعو إلى انتقال المدن العربية من إدارة ندرة المياه إلى استباق المخاطر المناخية وبناء القدرة على التكيف والتعافي
شبكة بيئة أبوظبي، مراكش، المملكة المغربية، 03 نوفمبر 2026
شارك المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة أبوظبي، في أعمال القمة الأكاديمية الأولى للمياه في الفضاء الناطق باللغة العربية (العربوفونية)، التي تستضيفها مدينة مراكش بالمملكة المغربية خلال الفترة من 2 إلى 4 نوفمبر 2026، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والخبراء والمهتمين بقضايا المياه والتنمية المستدامة.
وقدم المهندس عماد سعد ورقة علمية يوم الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 بعنوان “من الأمن المائي إلى المرونة المائية… رؤية عربية لمواجهة تغير المناخ”، تناول فيها التحولات المطلوبة في السياسات والممارسات المائية العربية، في ظل تصاعد الضغوط المناخية، وتزايد الطلب على الموارد المائية، واتساع المخاطر المرتبطة بالجفاف والفيضانات والظواهر الجوية المتطرفة. وركزت الورقة على سؤال محوري: كيف يمكن للمدن والمجتمعات العربية الانتقال من إدارة ندرة المياه إلى بناء القدرة على التكيف والاستباق والتعافي؟
المرونة المائية… مفهوم يتجاوز توفير المياه
استعرض سعد في ورقته الفرق بين الأمن المائي والمرونة المائية، موضحاً أن الأمن المائي يركز على ضمان توافر المياه وجودتها وإمكانية الوصول إليها بصورة آمنة ومستدامة، في حين تتجاوز المرونة المائية هذا الإطار لتشمل قدرة الأنظمة المائية والمؤسسات والمجتمعات على توقع الصدمات والضغوط المناخية، والاستعداد لها، والتكيف معها، والتعافي من آثارها مع المحافظة على الخدمات الأساسية.
وأكدت الورقة أن توفير المياه في الظروف الطبيعية لم يعد معياراً كافياً للحكم على كفاءة الأنظمة المائية، ما لم تكن قادرة على الاستمرار في أداء وظائفها عند حدوث الجفاف أو الفيضانات أو اضطرابات الإمداد.
كما تناولت أسباب تزايد أهمية المرونة المائية في المنطقة العربية، وفي مقدمتها ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر، وتغير أنماط الهطول المطري، وتكرار الظواهر المناخية الشديدة، إلى جانب النمو السكاني والعمراني وارتفاع الطلب على المياه.
خريطة جديدة للمخاطر المائية العربية
وخصصت الورقة محوراً لتحليل التباين في المخاطر المائية بين المناطق العربية، مشيرة إلى أن المدن الساحلية تواجه تحديات تختلف عن المناطق الجافة والصحراوية والمناطق الزراعية والتجمعات البشرية المرتبطة بالأنهار.
وأوضحت أن المدن الساحلية تتعرض لمخاطر الفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر، بينما تواجه المناطق الصحراوية ضغوط الجفاف والاستنزاف الجوفي، في حين تتأثر المناطق الزراعية بتغير الهطول المطري وكفاءة الري وتوافر الموارد المائية.
ودعت الورقة إلى الانتقال من التخطيط المائي الموحد إلى سياسات محلية تستند إلى طبيعة المخاطر والموارد والاحتياجات في كل منطقة، مع تعزيز استخدام البيانات العلمية والخرائط المناخية في تحديد الأولويات.
من البنية التحتية التقليدية إلى المدن المرنة مائياً
وتناول المهندس عماد سعد مجموعة من المسارات التطبيقية لتعزيز المرونة المائية في المدن العربية، وفي مقدمتها خفض الفاقد المائي في شبكات التوزيع، ورفع كفاءة الاستخدام، وتنويع مصادر المياه، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة.
وأشار إلى أهمية التمييز بين الفاقد الحقيقي الناتج عن التسربات والفاقد الظاهري المرتبط بأخطاء القياس والإدارة، باعتبار أن معالجة كل منهما تتطلب أدوات مختلفة.
كما استعرض دور حصاد مياه الأمطار، وأحواض الاحتجاز، والأسطح المنفذة للمياه، واستعادة المجاري الطبيعية ومناطق الامتصاص، في تخفيف مخاطر الفيضانات وتعزيز الاستفادة من مياه الأمطار داخل المدن.
وشددت الورقة على أهمية الجمع بين الحلول الهندسية والحلول القائمة على الطبيعة، بما يسهم في حماية البنية التحتية وتقليل المخاطر وتعزيز جودة البيئة الحضرية.
المسؤولية المجتمعية… من ترشيد الاستهلاك إلى صناعة الأثر
وأفردت الورقة محوراً لدور المسؤولية المجتمعية في بناء المرونة المائية، مؤكدة أهمية الانتقال من حملات التوعية التقليدية إلى مبادرات تشاركية قابلة للقياس، تسهم في تغيير السلوك وتحسين كفاءة استخدام المياه.
وتناول هذا المحور ثلاثة مستويات مترابطة، تبدأ ببناء الوعي والمعرفة، ثم تعزيز المشاركة المجتمعية في تحديد المشكلات وتطوير الحلول، وصولاً إلى صناعة الأثر من خلال مبادرات عملية تستهدف خفض الاستهلاك وتحسين إدارة الموارد.
كما أبرزت الورقة أهمية تكامل أدوار المؤسسات الحكومية والبلديات ومرافق المياه والقطاع الخاص والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والسكان، باعتبار المرونة المائية مسؤولية مشتركة لا تستطيع جهة واحدة تحقيقها بمعزل عن بقية الشركاء.
خارطة طريق عربية لإدارة المخاطر المائية
واختتم سعد ورقته بطرح إطار عملي يساعد المدن العربية على الانتقال من الخريطة المناخية إلى خريطة المخاطر، من خلال خمس خطوات مترابطة:
1. تحديد المخاطر المناخية والمائية التي تواجه المدينة.
2. تقييم نقاط الضعف في البنية التحتية والخدمات والفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر.
3. اختيار التدخلات المناسبة وفق الأولويات والموارد المتاحة.
4. تعزيز الاستعداد والاستجابة والتعافي من الصدمات.
5. تحديث الخطط بصورة دورية استناداً إلى نتائج المتابعة والتقييم.
وأكدت الورقة أن الأولوية ينبغي أن تعطى للحلول الأكثر كفاءة وقدرة على تقليل المخاطر، وليس بالضرورة للمشروعات الأعلى تكلفة، مع أهمية اعتماد مؤشرات واضحة لقياس التحسن في استمرارية الخدمات وكفاءة الموارد والقدرة على التعافي.
نحو مستقبل مائي عربي أكثر استدامة
وتأتي مشاركة المهندس عماد سعد في القمة الأكاديمية الأولى للمياه ضمن الجهود المعرفية التي تبذلها شبكة بيئة أبوظبي لتعزيز الحوار العلمي العربي حول قضايا الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، وربط المعرفة العلمية بالحلول التطبيقية التي تستجيب لاحتياجات المدن والمجتمعات.
وتؤكد الورقة أن مستقبل إدارة المياه في المنطقة العربية يتطلب تحولاً استراتيجياً من التركيز على تأمين الإمدادات وحدها إلى بناء أنظمة مائية قادرة على التعامل مع عدم اليقين المناخي، والاستمرار في تقديم خدماتها الأساسية، والتعافي من الأزمات بكفاءة.
وتتمثل الرسالة المركزية للورقة في أن الأمن المائي يضمن توافر المياه اليوم، بينما تضمن المرونة المائية قدرة المجتمعات على مواجهة تحديات الغد؛ وأن بناء مستقبل مائي عربي مستدام يبدأ بالانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى استباق المخاطر والاستعداد لها.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز