من ضفاف النيل إلى الواحات والحقول العربية، تفتح التكنولوجيا أبوابًا لإدارة الماء والإنتاج والتسويق… ويبقى نجاحها مرهونًا بوصول فائدتها إلى المزارع الصغير
سلسلة «خواطر زراعية» الحلقة رقم (55)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 05 نوفمبر 2026
حين نتحدث عن مستقبل الزراعة في مصر والعالم العربي، تتقدم أسئلة الماء والتربة والمناخ وتكاليف الإنتاج. كيف ننتج غذاءً كافيًا بموارد محدودة؟ وكيف نحمي دخل المزارع ونقلل الفاقد؟ وسط هذه الأسئلة تظهر الزراعة الرقمية، بما تحمله من تطبيقات الهاتف والحساسات والخرائط وتحليل البيانات. وهي أدوات تزداد قيمتها عندما تساعد صاحب الأرض على اتخاذ قرار أفضل، وتمنح المؤسسات قدرة أدق على فهم المشكلات وتوجيه الخدمات والاستثمارات إلى مواقع الاحتياج.
المعرفة تصل إلى الحقل
تعني الزراعة الرقمية توظيف البيانات والتقنيات في إدارة النشاط الزراعي، من التخطيط للزراعة حتى وصول المنتج إلى المستهلك. وقد تبدأ برسالة إرشادية، أو سجل إلكتروني للمصروفات، وتمتد إلى متابعة المحاصيل بالأقمار الصناعية والتحكم في الري. وتتنوع احتياجات المنطقة العربية؛ فما يناسب حقلًا صغيرًا في الوادي قد يختلف عما تحتاج إليه مزرعة نخيل في واحة أو بيت محمي في بيئة صحراوية.
ولهذا ينبغي أن تبدأ الرقمنة بسؤال الفلاح عن مشكلته. فقد يحتاج إلى معرفة موعد الري، أو تشخيص إصابة، أو الوصول إلى مشترٍ موثوق. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة في رؤيتها الإقليمية أهمية الإرشاد الرقمي، ومتابعة المياه والطقس، والتتبع، لدعم قرارات تستند إلى الأدلة وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة الضغوط المناخية والاقتصادية.
مصر… خطوات تحتاج إلى امتداد
في مصر، سبق أن تعاونت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي و«الفاو» لإطلاق مبادرة للإرشاد الزراعي الرقمي، تستهدف تعزيز تبادل المعلومات ونقل التكنولوجيا. وتبين هذه الخطوة أن الوصول إلى المزارع عبر الوسائل الرقمية أصبح مسارًا مطروحًا منذ سنوات. لكن إطلاق المبادرات يحتاج إلى متابعة مستمرة: هل تصل الخدمة إلى مستخدميها؟ وهل تتجدد معلوماتها؟ وهل يستطيع المزارع طلب تفسير عندما لا تنطبق التوصية على أرضه؟
ومن الأمثلة المصرية مشروع تطوير تطبيق «إروي»، الذي أتاح مشاركة المزارعين والمؤسسات في تصميم خدمة لتحسين توقيت الري وإنتاجية المياه. وتكمن أهمية هذا النهج في إشراك المستخدم منذ البداية؛ فهو يعرف مواعيد وصول المياه، وطبيعة أرضه، وما يستطيع تنفيذه. ولا يعني عرض تجربة سابقة أن نتائجها تعممت، بل إنها تقدم درسًا في ضرورة ربط الحل التقني بظروف التشغيل الفعلية.
الماء في قلب التحول
تحتل إدارة المياه أولوية في الزراعة العربية. ويمكن لقياسات رطوبة التربة وبيانات الطقس ومرحلة نمو النبات أن تساعد على تحسين جدولة الري، بينما تتيح الصور الفضائية متابعة الاختلافات بين المناطق. لكن توفير الماء يتوقف على كفاءة الشبكة وانتظام التشغيل وصحة القياس. وقد تفشل توصية دقيقة إذا تعذر تنفيذها، لذلك يجب أن يصاحب الرقمنة تحسين للخدمة المائية وتنسيق بين مستخدميها.
وفي الأراضي الجديدة والواحات، يمكن ربط بيانات الملوحة والصرف والمياه باختيار المحاصيل وإدارة التربة. أما البيوت المحمية فتتيح مراقبة الحرارة والرطوبة والري بصورة متواصلة. ومع ذلك، ينبغي حساب الطاقة والصيانة وثمن الأجهزة والعمر التشغيلي. فالمنفعة الاقتصادية والبيئية تحتاج إلى قياس خلال مواسم متعددة، مع مقارنة النتائج بممارسة مناسبة، حتى نعرف ما أضافته التكنولوجيا بالفعل تحت الظروف المحلية.
خرائط ترى الاختلافات
تساعد نظم المعلومات الجغرافية على جمع بيانات التربة والمياه والارتفاعات والطرق في خرائط قابلة للتحليل. ويمكن استخدامها لتوجيه أخذ العينات، وتقييم ملاءمة الأراضي، وتحديد مواقع الخدمات. وتوفر متابعة الصور عبر الزمن إشارات إلى تغير نمو المحاصيل. غير أن انخفاض الاخضرار لا يحدد سببه وحده؛ إذ قد يرتبط بالعطش أو الملوحة أو المرض، وتظل المعاينة والتحاليل ضرورية قبل اتخاذ القرار.
وتفيد هذه البيانات البحث الزراعي أيضًا، عندما ترتبط نتائج تجارب الأصناف بخصائص المواقع وظروفها المناخية. فالتوسع في توصية صنفية يحتاج إلى معرفة استقرار الأداء وتفاعله مع البيئة. ويمكن للأدوات الرقمية تنظيم السجلات وتحسين المقارنة، بشرط سلامة التجارب والتحليل. وتظل معرفة الباحث وخبرة المزارع أساسًا لتفسير النتائج وتحويلها إلى ممارسة مناسبة، خاصة مع تنوع البيئات الزراعية العربية.
السوق جزء من الحكاية
يمتد التحول إلى ما بعد الحصاد، عبر منصات تربط المنتجين بالمشترين، وسجلات تنظم الكميات والمواعيد، وأدوات تتابع النقل والتخزين. ويمكن أن يساعد التتبع في توثيق مصدر المنتج ومعاملاته. لكن السوق الرقمية تحتاج إلى عقود مفهومة، ومواصفات جودة واضحة، وضمانات للسداد. فمعرفة سعر مرتفع في سوق بعيدة لا تكفي قبل حساب النقل والفرز والعمولات واحتمال التلف.
وتستطيع الجمعيات الزراعية تقوية استفادة أصحاب الحيازات الصغيرة، بتجميع الإنتاج والتعاقد على الخدمات وتوفير دعم فني مشترك. كما يمكن تأجير خدمات القياس والتحليل بدلًا من تحميل كل مزارع تكلفة امتلاك الأجهزة. ويحتاج هذا النموذج إلى إدارة موثوقة وشفافية في الرسوم، حتى يحصل الأعضاء على خدمة مستمرة يمكن تقييم أثرها في التكلفة والإنتاج وصافي العائد.
الفجوة الرقمية سؤال عدالة
قد تتقدم المزارع القادرة على الاستثمار، بينما يتأخر من يفتقد الاتصال أو التمويل أو التدريب. لذلك تحتاج الخدمات إلى واجهات عربية بسيطة، ومحتوى صوتي، وإمكان العمل عند ضعف الشبكة، وتدريب يشمل النساء والشباب وكبار السن. ومن الضروري توفير بدائل عبر المرشدين والرسائل والهاتف العادي، حتى لا يصبح امتلاك جهاز حديث شرطًا للحصول على المعرفة الزراعية الأساسية.
وتستحق بيانات الفلاح حماية واضحة؛ فموقع أرضه وحجم إنتاجه ومشترياته معلومات ذات قيمة. ينبغي شرح أغراض جمعها، ومن يطلع عليها، وكيف يمكن تصحيحها أو نقلها. كما يلزم الفصل بين الإعلان التجاري والتوصية العلمية، وإتاحة مراجعة بشرية للتشخيصات الحساسة. فالثقة تنمو عندما يعرف المستخدم حدود الخدمة ومسؤولية مقدمها، ويرى استجابة جادة للشكاوى والأخطاء.
تعاون عربي يبدأ من الاحتياج
يمكن للتعاون العربي أن يدعم تبادل الخبرات والبيانات المناخية والمحتوى الإرشادي، مع تكييف الحلول لكل بيئة. وتعمل «الفاو» على إنشاء شبكة إقليمية للزراعة الرقمية لتبادل المعرفة والتعلم والتعاون بين الحكومات والباحثين والممارسين والقطاع الخاص. وتزداد جدوى هذه الجهود حين ترتبط بمشكلات محددة ونتائج قابلة للتحقق، وتتيح للجامعات وشباب الريف المشاركة في التطوير والتدريب والصيانة.
ستنجح الزراعة الرقمية حين يرى المزارع أثرها في أرضه وحياته: ماء يُدار بحكمة، وخسارة تُكتشف مبكرًا، ومحصول يجد سوقًا عادلة. ومن هنا تبدأ الطريق العربية؛ بخدمة موثوقة، وتجربة ميدانية، وقياس صادق، واستثمار متواصل في الإنسان الذي يحمل مسؤولية إنتاج غذائنا.
(*) الدكتور قاسم زكي:
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز