بين البحر الأحمر والأراضي الرطبة، تستقبل مصر رحّالة السماء، وتواجه مسؤولية حماية محطاتهم ومساراتهم بمشاركة العلم والمجتمع
سلسلة «خواطر زراعية» الحلقة (54)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 03 نوفمبر 2026
حين نرفع أعيننا إلى السماء في موسم الهجرة، قد نرى أسرابًا تعبر في تشكيلات متتابعة، ثم تختفي وراء الأفق. لكن هذه الدقائق العابرة تختصر رحلة طويلة بين قارات، تتوقف سلامتها على بحيرة لم تُردم، وشاطئ لم يتحول إلى مصيدة، وممر هوائي أُخذ في الحسبان عند التخطيط للمشروعات. وفي قلب هذه الخريطة تقف مصر؛ أرضًا للعبور والإقامة الشتوية، وحلقة مهمة في شبكة حياة تتجاوز حدود الدول.
وفي مناسبة اليوم العالمي للطيور المهاجرة، الذي وافق احتفاله الخريفي 10 أكتوبر 2026، تبدو الرسالة أقرب إلينا مما نتصور. فقد حملت حملة هذا العام شعارًا يمكن ترجمته إلى: «كل طائر يُحتسب… مشاهداتك مهمة!»، تأكيدًا لقيمة مشاركة الناس في الرصد وجمع المعلومات. وللتوضيح، فإن موعدي الاحتفال العالمي خلال عام 2026 هما 9 مايو و10 أكتوبر، وليس يومي 9 و10 أكتوبر.
جسر بين القارات
تمنح الجغرافيا مصر موقعًا استثنائيًا على مسارات الهجرة، خاصة مسار الوادي المتصدع والبحر الأحمر، الذي يصل مناطق التكاثر في أوروبا وغرب آسيا بمناطق قضاء الشتاء في أفريقيا. ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن هذا المسار تستخدمه سنويًا أكثر من مليوني طائر من الطيور الحوامة، تشمل الجوارح واللقالق والبجع وغيرها. وهذا الرقم يخص المسار المشار إليه، ولا ينبغي اعتباره حصرًا لجميع الطيور المهاجرة التي تدخل مصر.
وتوضح أهمية الموقع أن حماية الطيور مسؤولية تتصل بكيفية إدارة الأرض والمياه والطاقة. فالطائر الذي يعبر الحدود لا يعرف اختلاف القوانين والجهات، لكنه يتأثر بنتائجها مباشرة. وقد تنجح دولة في حماية موطن تكاثره، ثم تتعثر رحلته عند محطة عبور فقدت مقومات الأمان. لذلك فإن قيمة الممر المصري تنبع من كونه جزءًا من رحلة متصلة، لا يمكن ضمان سلامتها بحماية نقطة واحدة فقط.
الماء محطة حياة
تحتاج الطيور إلى موائل تلبي احتياجات مختلفة؛ فمنها ما يعبر سريعًا، ومنها ما يتوقف ليستريح ويتغذى، ومنها ما يقضي الشتاء. وتبرز هنا أهمية الأراضي الرطبة، التي تستضيف أنواعًا من البط والبلشونات والطيور الخواضة وغيرها. وتؤكد منظمة «بيردلايف إنترناشونال» أن محدودية هذه البيئات في مصر، بوصفها بلدًا شديد الجفاف، تجعل المحافظة عليها ضرورة، خاصة مع تعرضها لضغوط الاستصلاح والتوسع البشري وتغير المناخ.
ومن ثم، ينبغي أن ننظر إلى البحيرة أو المنطقة الضحلة بوصفها بنية أساسية للحياة. فالموقع الذي يبدو للبعض مساحة قابلة للردم قد يكون محطة لا يسهل تعويضها. وحماية هذه المحطات تتطلب متابعة جودة المياه، والحد من التلوث والإزعاج، وإدخال احتياجات الطيور ضمن خطط الإدارة. كما تستحق المواقع البديلة دراسة علمية؛ فقد رصدت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة أهمية بعض مواقع معالجة مياه الصرف للطيور، وهو ما يفتح بابًا لإدارتها بيئيًا بعناية.
طاقة نظيفة ومسارات آمنة
وتطرح الهجرة سؤالًا تنمويًا بالغ الأهمية: كيف نتوسع في الطاقة المتجددة ونحافظ في الوقت نفسه على التنوع الحيوي؟ فبعض المناطق المناسبة لإنتاج طاقة الرياح تتداخل مع ممرات الطيور. وتعرض التجربة المصرية تطبيق «الإيقاف عند الطلب»، حيث تُوقَف بعض التوربينات أو جميعها مؤقتًا عندما يستدعي مرور الطيور ذلك، استنادًا إلى الرصد وتقدير الخطر. وتبين هذه التجربة أن المعرفة الدقيقة تساعد على الجمع بين إنتاج الكهرباء وحماية الحياة البرية.
والدرس الأوسع هو أن التقييم البيئي ينبغي أن يبدأ قبل اختيار موقع المشروع وتصميمه، وأن يستمر أثناء التشغيل. وقد أعدت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة أطلسًا لحساسية مناطق الطيور الحوامة في مصر، يستند إلى بيانات توزيعها وحركتها، بهدف تحديد المواقع التي تحتاج اهتمامًا خاصًا. ومثل هذه الخرائط يمنح متخذ القرار فرصة لتوقع المشكلات وتقليلها قبل أن تتحول إلى خسائر يصعب تداركها.
حين يصبح المشاهد شريكًا
يمنح شعار هذا العام دورًا واضحًا للمواطن. فملاحظة موثقة لطائر، أو مشاركة في مسح منظم، يمكن أن تضيف معلومة إلى فهم أوسع لمسارات الهجرة وتغير أعداد الطيور وحالة موائلها. وتؤكد الحملة العالمية أهمية الانضمام إلى برامج علم المجتمع واتباع طرقها، حتى تصبح المشاهدات قابلة للاستخدام في البحث والحماية. وهنا تتحول متعة المراقبة إلى مشاركة معرفية، تتكامل مع عمل المتخصصين وتوسع نطاقه.
وأقترح أن تتبنى الجامعات والمدارس المصرية أنشطة منتظمة لمراقبة الطيور، بالتعاون مع المختصين والمحميات والجمعيات البيئية. ويمكن أن تبدأ المشاركة بتدريب بسيط على تسجيل المكان والتاريخ والعدد التقريبي، مع التصريح بعدم التأكد عندما يصعب التعرف إلى النوع. فالقيمة العلمية للمشاهدة تنبع من دقتها، والاعتراف بحدود المعرفة جزء من هذه الدقة. كما ينبغي أن يتعلم المشاركون مراقبة الطائر من مسافة مناسبة، دون مطاردته طلبًا لصورة.
فرصة للمجتمعات المحلية
ويمكن ربط حماية الطيور بفرص عمل وخدمات محلية، من الإرشاد البيئي إلى تنظيم الزيارات والتصوير المسؤول. وقد وثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشاركة نساء وشباب في التدريب على التعرف إلى الطيور ورصدها ضمن جهود الحماية بمشروعات الرياح في مصر. وتكشف هذه الخبرة أن الاستثمار في المهارات البيئية يتيح مسارات مهنية، ويجعل المجتمع المحلي شريكًا في صون المورد الذي يعيش بجواره.
ولكي يستمر هذا الاتجاه، أقترح أن تحصل المجتمعات المحيطة بمواقع الرصد على نصيب واضح من فوائد الزيارة المنظمة، وأن تشارك في تحديد قواعدها. فالمرشد الذي يعرف المكان، وصاحب الخدمة الذي يفهم قيمة الهدوء والنظافة، يستطيعان المساهمة في تجربة تحترم الزائر والطائر معًا. وتستطيع وسائل الإعلام دعم ذلك بتقديم قصص العاملين والحماة، وإبراز قيمة الطيور الحية، وتجنب تحويل مشاهد الصيد أو الإمساك بالطيور إلى مادة للتفاخر والترفيه.
إن مصر على طريق الطيور المهاجرة تحمل أمانة تتجدد مع كل موسم. وحين نحمي محطة استراحة، أو نحسن تخطيط مشروع، أو نوثق مشاهدة بدقة، فإننا نمنح الرحلة فرصة للاستمرار. ولعل أجمل ما نقدمه لهذه الأسراب أن تبقى سماؤنا مفتوحة لعبورها، وأرضنا جديرة بثقتها؛ فتعود الأجيال المقبلة لترفع أعينها، وترى في حركة الأجنحة دليلًا على أن الحياة ما زالت تجد طريقها.
(*) د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات.
المرجع العلمي:
Yassin, F. E. (2024, May 12). Crossing Egypt: Migratory birds fly home safely this season. United Nations Development Programme. https://www.undp.org/arab-states/blog/crossing-egypt-migratory-birds-fly-home-safely-season
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز