شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 01 يونيو 2026
لطالما نظرتُ إلى المجامع اللغوية بشيء من التحفظ. كنت أراها مؤسسات نخبوية تعيش في أبراج عالية، يناقش اللغويون فيها قضايا فكرية كبرى وأسئلة قديمة، بينما تتآكل اللغة في الشارع، وتضعف في المدرسة، وتتراجع في تفاصيل الحياة اليومية. وكان يبدو لي أحيانًا أن الفجوة تتسع بين اللغة التي تُناقَش داخل قاعات المجامع، واللغة التي يعيشها الناس خارجها.
وكنت ألوم نفسي أحيانًا على هذه النظرة القاتمة تجاه مؤسسات لغوية لها قدرها العلمي والتاريخي، حتى اكتشفت أن فكرة “المحميات” نفسها ليست محل اتفاق كامل في الفكر البيئي؛ فبعض البيئيين يرون أن حماية بقع محدودة داخل الأسوار لا تكفي ما دامت البيئة الكبرى تتعرض للتدهور المستمر.
غير أنني، كلما تأملت مفهوم المحميات في الفكر البيئي، بدأت أنظر إلى هذه المؤسسات من زاوية مختلفة. فالمحمية الطبيعية ليست مكانًا للترف، وإنما مساحة تُحفظ فيها الأنواع المهددة، ويُصان فيها التوازن، وتُحمى الذاكرة البيئية من التآكل. والمجامع اللغوية تؤدي، في وجه من وجوهها، وظيفة مشابهة؛ فهي تحفظ المصطلحات، وتتابع التحولات، وتنتج المعاجم، وتحاول حماية البنية العميقة للغة من الفوضى والتآكل.
لكن المشكلة لا تبدأ حين توجد المحمية، وإنما حين تنفصل عن الحياة من حولها. فالمحمية المعزولة قد تنجح في حماية جزء صغير من البيئة، لكنها لا تستطيع وحدها إيقاف التدهور إذا كانت البيئة الكبرى من حولها تتآكل باستمرار. وكذلك اللغة؛ لا يكفي أن تبقى حيّة في المؤتمرات والبحوث والقرارات الرسمية، بينما تضعف في التعليم، والإعلام، والفضاء الرقمي، ولغة الطفل، ولغة السوق والعمل.
ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: هل نحتاج إلى المجامع اللغوية؟ وإنما: كيف تتحول هذه المجامع من “محميات مغلقة” إلى مراكز إشعاع لغوي تمتد آثارها إلى المجتمع كله؟
ولعل من أبرز النماذج المعاصرة التي تنبّهت إلى هذا التحول مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي تجاوز فكرة المجمع التقليدي المنغلق إلى مشروع لغوي واسع الحضور، يعمل في التعليم، والتقنية، والبحث، والتدريب، والسياسات اللغوية، والمحتوى الرقمي، والتواصل العالمي. فصار أثره ظاهرًا في المجتمع، وفي المؤسسات التعليمية والإدارية، وامتد حضوره إلى خارج المملكة عبر برامج ومبادرات جعلت اللغة العربية جزءًا من الحياة اليومية والمعرفة المعاصرة، لا موضوعًا معزولًا في النخب الأكاديمية وحدها.
لقد أدرك الفكر البيئي الحديث أن حماية البيئة لا تتحقق بعزل بقعة صغيرة داخل الأسوار، وإنما ببناء وعي عام يغيّر علاقة الإنسان ببيئته كلها. واللغة كذلك؛ فهي لا تحتاج إلى حراس يقفون عند أبوابها بقدر حاجتها إلى مؤسسات تعيدها إلى الحياة، وتمنحها القدرة على الحضور في المدرسة، والتقنية، والإدارة، والثقافة، والمجتمع.
فالمجمع اللغوي الذي ينجح في وصل اللغة بالحياة، يتحول من “محمية معزولة” إلى قلب نابض داخل البيئة اللغوية كلها.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز