التضخم اللغوي: حين تفقد الكلمات قيمتها

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، يونيو 2026
نعيش في زمن يبدو فيه كل شيء استثنائيًا. مبادرة تاريخية، ممثل أسطوري، مطعم خرافي، قرار ثوري، أداء استثنائي، خطأ كارثي. حتى يكاد المرء يتساءل: متى أصبح التاريخ يحدث كل يوم؟ ومتى تحولت الاستثناءات إلى أحداث اعتيادية تتكرر في تفاصيل الحياة اليومية؟

في الاقتصاد، يحدث التضخم حين تزداد الكمية على نحو يُفقد الأشياء شيئًا من قيمتها وقوتها الشرائية. ويبدو أن للكلمات أيضًا شكلًا من أشكال التضخم؛ إذ قد تُستهلك فوق حاجتها الطبيعية، حتى تضعف قدرتها على أداء معناها الدقيق. فالكلمات ليست أصواتًا عابرة، وإنما أوعية للمعنى، وحين تُحمَّل أكثر مما تحتمل، تبدأ حدودها في التآكل.

إن عدم ترشيد استخدام المفردات يجعل المعنى يضيع أو يصل مشوَّهًا. فحين يُوصَف كل لاعب بأنه أسطوري، وكل مباراة بأنها تاريخية، وكل هدف بأنه خرافي، وكل أداء بأنه استثنائي، وكل تغيير بأنه ثوري، وكل خطأ بأنه كارثي، تصبح متابعة المشهد أشبه بعيشٍ دائم داخل زلزال لغوي؛ لا يعود المتلقي قادرًا على التمييز بين ما يستحق الدهشة وما هو عادي، وبين الإنجاز الحقيقي والحدث العابر. وعندما تأتي لحظة استثنائية فعلًا، أو خطأ يحمل أثرًا كارثيًا بحق، أو شخصية تترك أثرًا أسطوريًا في مجالها، تكون الكلمات قد استُنزفت قبل وصولها إلى مكانها الطبيعي.

وأذكر أن أحد الأصدقاء استشارني في قصيدة كتبها، فلما قرأتها قلت له: «قصيدة جيدة». فما كان منه إلا أن أرسل وجهًا تعبيريًا يوحي بخيبة الأمل، ثم كتب مستغربًا: «فقط جيدة؟!». فقلت له: «عكس الجيد الرديء، فأي الوصفين تختار؟». يومها أدركت أن المشكلة لم تكن في الكلمة، بل في توقعاتنا منها؛ فقد اعتدنا الإفراط في المديح حتى بدا الوصف الدقيق وكأنه انتقاص، وأصبحت الكلمات المعتدلة أقل قدرة على إيصال معناها الحقيقي.

وفي البيئة، يؤدي الإفراط في استهلاك الموارد إلى استنزافها وإضعاف قدرتها على التجدد. واللغة تعرف شيئًا قريبًا من ذلك؛ فالمشكلة ليست دائمًا في فقر المفردات أو ندرتها، وإنما في طريقة استخدامها. فالإسراف في استهلاك الكلمات الكبيرة يجعلها تفقد شيئًا من بريقها، كما تفقد التربة خصوبتها حين تُستنزف دون وعي.

قد يبدو الأمر مسألة أسلوبية صغيرة، لكنه في حقيقته أعمق من ذلك. فاللغة الدقيقة لا تصنع خطابًا أجمل فقط، وإنما تصنع فهمًا أدق للعالم. وحين تضيع الفروق بين الكلمات، تضيع معها الفروق بين الأشياء نفسها؛ فلا يعود الإنجاز إنجازًا، ولا الأزمة أزمة، ولا الحدث حدثًا استثنائيًا.

ربما يكون أحد أشكال الالتزام اللغوي أن نعيد للكلمات أحجامها الطبيعية، فلا نستهلكها فوق حاجتها، ولا نحمّلها أكثر مما تحتمل. فاللغة، مثل البيئة، لا تتضرر من الفقر وحده؛ فقد تتضرر أحيانًا من الإسراف. والكلمة التي تُستخدم في موضعها الصحيح لا تصف العالم فقط، وإنما تحفظ توازنه أيضًا.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

رياح التغيير

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً