جذور العربية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 29 أغسطس 2026
خلال تجربتي في تعليم العربية للناطقين بغيرها في نيبال، كنت ألحظ أحيانًا دهشة لطيفة في عيون المتعلمين. ففي إحدى الحصص تعلّم الطلاب الفعل: كتب، ثم بدأت أضيف أمامهم: كاتب، كتاب، مكتبة، كتابة، مكتب، مكتوب. ولم يكن ما شدّ انتباهي الكلمات نفسها، وإنما الفرح الذي ارتسم على وجوههم حين اكتشفوا أنهم لم يتعلموا كلمة واحدة، بل فتحوا بابًا كاملًا. بدا لهم أن اللغة تكشف سرًا من أسرارها.

في تلك اللحظة أدركت أن العربية حين تنمو فإنها تنمو كالأشجار؛ جذور تمتد في العمق، ومنها تتفرع أغصان كثيرة تحمل أوراقًا وثمارًا متعددة. فالطالب الذي يرى الكلمات منفصلة يشعر أنه مطالب بحفظ غابة كاملة شجرةً شجرة، أما حين يفهم الجذور فإنه يبدأ برؤية النظام الذي يحكم الغابة كلها.

والحق أن فكرة الجذور ليست حكرًا على العربية وحدها؛ فاللغات السامية تشاركها أصل هذا النظام بدرجات متفاوتة، مثل العبرية والآرامية وغيرها. غير أن العربية تمتلك ثراءً واتساعًا لافتين في قدرتها على الاشتقاق والإنتاج اللغوي، حتى تبدو الشجرة فيها أكثر كثافة في فروعها، وأكثر اتساعًا في ظلالها. فهي لا تضطر في كل مرة إلى إنشاء كلمة جديدة من الصفر، وإنما تستطيع أن تنتج من جذورها القائمة صيغًا ومعاني جديدة.

ومن الناحية التعليمية، لا يبدو هذا الأمر ميزة لغوية فحسب، بل مدخلًا تربويًا مهمًا أيضًا. فالطالب الذي يتعلم الكلمات من خلال جذورها لا يحفظ مفردات متفرقة، وإنما يبني خرائط ذهنية تساعده على فهم العلاقات بينها، وتسهّل عليه اكتساب مفردات جديدة بصورة أسرع وأكثر رسوخًا. ولهذا عرفت أن فرح أولئك المتعلمين في نيبال كان فرحًا باكتشاف النظام الذي يحكم اللغة نفسها.

واليوم، وأنا أتابع ما تتعرض له نيبال من كارثة بيئية قاسية بعد الفيضانات المدمرة التي ضربت مناطق منها، أعود إلى صورة الجذور التي صحبتني في قاعات الدرس هناك. ففي بلد تصنع الجبال جزءًا كبيرًا من هويته، تكشف التحولات البيئية عن هشاشة العلاقة بين الإنسان والطبيعة؛ فالثلوج والجليد والأنهار والجبال ليست مشهدًا جماليًا ثابتًا، وإنما منظومة دقيقة يمكن أن يؤدي اختلال بعض عناصرها إلى تغيرات هائلة في حياة الناس.

وهنا تبدو لي المفارقة ذات دلالة: ما يحدث فوق الجبال قد يغير حياة من يسكنون في الوادي، وما يحدث في الجذور يحدد مصير الأغصان. فالبيئة تعلمنا أن ما لا نراه قد يكون هو الذي يحفظ ما نراه؛ جذور الشجرة مختبئة تحت التراب، لكنها تمنح الساق ثباتها والأوراق حياتها. وكلما كانت الجذور أعمق وأقوى، ازدادت قدرة الشجرة على مقاومة الرياح والجفاف والتغيرات المحيطة بها.

واللغة لا تختلف كثيرًا عن ذلك. فجذورها الصرفية لا تظهر دائمًا للمتكلم وهو يستخدم الكلمات، لكنها تختزن قدرة هائلة على النمو والتجدد. وربما تمنح هذه البنية الاشتقاقية العربية قدرة خاصة على مقاومة ما سميناه في مقالات سابقة «الجفاف اللغوي». فالشجرة ذات الجذور العميقة لا تموت سريعًا حين يقل المطر؛ لأنها تحتفظ بمصادر تغذيتها في العمق. والعربية كذلك؛ لا تعتمد على مخزون ثابت من الكلمات، وإنما تملك قدرة داخلية على إنتاج كلمات جديدة واستعادة حيويتها كلما احتاجت الحياة إلى معانٍ جديدة.

بدأ هذا التأمل عندي في نيبال من كلمة صغيرة كتبتها أمام مجموعة من المتعلمين: كتب. واليوم تعيدني نيبال نفسها، بجبالها وأنهارها وما تواجهه بيئتها من تحديات، إلى المعنى ذاته: أن البقاء ليس دائمًا للأكثر ظهورًا، وإنما للأعمق جذورًا.

لهذا لا تبدو العربية، في نظري، غابة مزدحمة من الكلمات المتفرقة، وإنما أشجارًا مترابطة تمتد جذورها في عمق التاريخ، وتواصل إنتاج فروع جديدة كلما احتاجت الحياة إلى معنى جديد. ومن يدرك الجذور لا يتعلم كلمات أكثر فحسب، بل يتعلم كيف تنمو اللغة نفسها.
والأثر.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الضجيج اللغوي: حين تكثر الكلمات ويقل المعنى

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً