مؤسس الدبلوماسية البيئية
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 12 يوليو 2026
في ثنايا التربة الرطبة لدلتا النيل الخصبة، وتحت ظلال أشجار الريف المصري الوارفة، تكمن أسرار الحياة الدقيقة التي تبني الكون بصمت مذهل. من تلك البقاع المعطاءة، حيث يلتحم الإنسان بالأرض في علاقة أزلية مقدسة تضرب بجذورها في عمق التاريخ، استلهم الفتى القادم من مدينة زفتى شغفه الأول بعوالم الأحياء الدقيقة وعلم النبات. ولم يكن يدرك وهو يراقب نمو الفطريات وتفاعل الميكروبيات في معامل كلية العلوم بجامعة القاهرة، أن الأقدار تعدّه – من خلال هذا الفهم الدقيق لفسيولوجيا الكائنات الدقيقة وآليات تكيفها الوراثي والخلوي – ليكون الجسر المعرفي الفريد الذي يربط بين صرامة العلم التجريبي ومتاهات الدبلوماسية الدولية؛ إذ شكلت هذه الخلفية الميكروبيولوجية التخصصية ركيزة صلبت قدرته لاحقاً على استيعاب وصياغة الجوانب الفنية والتقنية بالغة التعقيد في الاتفاقيات الدولية كمعاهدة التنوع البيولوجي وحقوق الملكية الفكرية للأصول الوراثية، لينطلق ويعيد صياغة القوانين والاتفاقيات الدولية التي تحكم علاقة البشرية بكوكبها بأكمله.
لقد كان الأستاذ الدكتور مصطفى كمال طلبة نموذجاً فريداً ومستنيراً للعالِم الذي لم يأسره جدار المختبر الضيق، بل اتخذ من المعرفة العلمية الرصينة سلاحاً عابراً للقارات والمحيطات، ليؤسس علماً وفناً تفاوضياً جديداً عُرف باسم «الدبلوماسية البيئية». في وقت كان فيه العالم ينقسم بحدة واستقطاب شديد بين شمال صناعي يندفع نحو النمو المادي الأعمى متجاهلاً الآثار المدمرة للتلوث، وجنوب نامٍ يرزح تحت وطأة الفقر والتطلع إلى التنمية الاقتصادية بأي ثمن، استطاع طلبة، من فوق منصة برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، أن يفرض لغة بيئية مشتركة. كانت هذه اللغة قائمة على الحجة العلمية الدامغة والقدرة الإقناعية الفائقة التي تذيب الفوارق الأيديولوجية والسياسية.
يمثل هذا المقال الخاص بمناسبة اليوبيل المئوي لكلية العلوم بجامعة القاهرة رحلة توثيقية ملهمة ومفصلة في حياة رجل حوّل قضايا البيئة من ترف فكري ونظري إلى قضية أمن قومي كوكبي تمس بقاء البشرية، واضعاً بصمة مصرية وعربية خالدة في سجل البقاء البشري المعاصر.
بذور المعرفة في دلتا النيل
وُلد مصطفى كمال طلبة في الثامن من ديسمبر عام 1922 في مدينة زفتى التابعة لمحافظة الغربية، في بيئة ريفية تتسم بتقدير العلم والارتباط الوثيق بالأرض الزراعية ومواسم الحصاد. كان والده معلماً ومزارعاً يغرس في نفوس أبنائه قيم الانضباط والتحصيل المعرفي الدقيق. تذكر مذكراته الشخصية المنشورة في مجلة البيئة والتنمية تحت عنوان “ذكريات العمر”، أن طفولته كانت محفوفة بتوجيه دقيق من معلميه، ولا سيما الشيخ تاج الدين الذي تنبأ له بمستقبل باهر لكثرة شغفه بالقراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى وحفظه للمفردات والعبارات البليغة. نشأ طلبة وهو يرى كيف تؤثر الآفات الزراعية والفطريات على المحاصيل الاستراتيجية كالقطن والقمح، مما رسخ في عقله الباطن تساؤلات علمية مبكرة حول دور الكائنات الدقيقة في التوازن البيئي واستدامة الموارد الزراعية.
اللقاء التاريخي في جامعة فؤاد الأول
التحق طلبة بكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) في عام 1939، وتخصص في علم النبات الذي كان يمثل آنذاك عصب الدراسات الزراعية والبيئية والتطبيقية في مصر. في عام 1943، تخرج حاصلاً على درجة البكالوريوس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ليتم تعيينه معيداً بقسم النبات بالكلية لتميزه الأكاديمي الواضح وصبره الطويل في المعامل التدريسية.
في تلك الفترة، تشكلت صداقة تاريخية وعلمية استثنائية ربطته بزميل دربه الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص، الذي تخرج بعده بعام واحد (1944). شكل هذا الثنائي أقوى جبهة علمية عربية في الدفاع عن البيئة على مدار عقود؛ إذ تخصص القصاص في بيئة الصحراء ومكافحة التصحر والجفاف، بينما تعمق طلبة في الميكروبيولوجيا وفلسفة أمراض النبات وفسيولوجيا الفطريات. امتدت هذه الصداقة والتعاون العلمي لأكثر من سبعين عاماً، وكان القصاص رفيق رحلته ومستشاره العلمي الأول في كبريات المعارك البيئية الدولية التي خاضها طلبة في ردهات الأمم المتحدة.
من ضباب لندن إلى معامل الجيزة
أوفد طلبة إلى إنجلترا لإكمال دراساته العليا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث التحق بالكلية الإمبراطورية للعلوم والتكنولوجيا بجامعة لندن (Imperial College London). في عام 1949، نال درجة الدكتوراه في فلسفة أمراض النبات، وتحديداً في فسيولوجيا الفطريات والمواد المضادة للأحياء الدقيقة. تميزت أطروحته بالعمق والابتكار في دراسة التفاعل بين الميكروبات الممرضة وخلايا العائل النباتي.
عند عودته إلى مصر، بدأ في تأسيس مدرسة علمية رائدة وبانورامية في قسم النبات بكلية العلوم. ركزت أبحاثه، التي تجاوزت خمسة وتسعين بحثاً منشوراً في كبرى المجلات العلمية الدولية المحكمة، على دراسة فسيولوجيا الأحياء الدقيقة، وتأثير المركبات الفطرية على المحاصيل الاستراتيجية، ومقاومة النبات للأمراض البيولوجية. شغل كرسي الأستاذية في الميكروبيولوجيا بالكلية، كما عمل أستاذاً غير متفرغ بالمركز القومي للبحوث، وتمت إعارته إلى جامعة بغداد ليرأس قسم النبات بها بين عامي 1954 و1959، مساهماً في نقل الخبرات الأكاديمية المصرية وتطوير المناهج العلمية في العراق الشقيق في فترة تميزت بالنهضة العلمية العربية المشتركة.
الدبلوماسية الثقافية
لم يكن للدكتور طلبة أن يظل حبيس المعامل المغلقة؛ فذكاؤه الإداري وقدرته الفائقة على التنظيم وجذب الطاقات الأكاديمية لخدمة المجتمع جذبا أنظار صانع القرار في مصر بعد ثورة يوليو 1952. في عام 1959، عُين أميناً عاماً مساعداً للمجلس الأعلى للعلوم في مصر، ليربط البحوث الأكاديمية بقطاعات الصناعة والزراعة والصحة العامة، مع التركيز على حل المشكلات القومية الملحة كالملوحة الإقليمية وتدهور الأراضي الزراعية.
خطا طلبة أولى خطواته العملية في السلك الدبلوماسي عندما عُين مستشاراً ثقافياً ورئيساً للبعثة التعليمية المصرية في واشنطن عام 1963. أتاحت له هذه المحطة الدبلوماسية التعرف عن قرب على آليات إدارة المؤسسات الدولية والتفاعل مع مراكز الفكر وصنع القرار في الولايات المتحدة، وصقل مهارات التفاوض السياسي وبناء التحالفات الثقافية والعلمية.
في عام 1965، عاد إلى القاهرة ليشغل منصب وكيل وزارة التعليم العالي للشؤون الثقافية. من خلال موقعه هذا، تبنى رؤية طليعية غير مسبوقة تقضي بإدخال التربية البيئية وصون الطبيعة في المناهج التعليمية الأساسية، إيماناً منه بأن حماية البيئة تبدأ من وعي الطفل بالمدرسة وتنشئته على احترام الموارد. كما تم انتخابه نائباً للمدير العام لمنظمة اليونسكو في باريس للفترة من 1966 إلى 1973، مما صقل مهاراته الدبلوماسية متعددة الأطراف في قضايا التعليم والعلوم والثقافة على المستوى العالمي.
وزير الشباب ورئيس أكاديمية البحث العلمي
في عام 1971، تم اختيار الدكتور طلبة وزيراً للشباب في حكومة رئيس الوزراء المرموق الدكتور محمود فوزي، وترأس اللجنة الأولمبية المصرية. تذكر مذكراته بكثير من التقدير كيف كان رئيس الوزراء محمود فوزي رمزاً للرقي والكياسة الدبلوماسية، وتعلم منه كيفية إدارة الأزمات السياسية بهدوء وصبر، والاستماع الجيد للخصوم قبل صياغة الحلول التوفيقية، وذلك في إطار توجه الدولة المصرية آنذاك للاستعانة بالعلماء والتكنوقراط لإعادة هيكلة وإدارة الملفات الخدمية والشبابية برؤية علمية وتخطيط مستقبلي.
في سبتمبر من العام نفسه، عُين رئيساً لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر. ومن هذا المنبر الأكاديمي الرفيع، كُلف برئاسة اللجنة القومية التحضيرية للوفد المصري المشارك في مؤتمر الأمم المتحدة الأول للبيئة البشرية المقرر عقده في ستوكهولم عام 1972. كانت هذه المصادفة التاريخية هي البوابة الإعجازية والمنعطف الحاسم الذي عبر منه طلبة من الشأن المحلي الأكاديمي والسياسي إلى قيادة الحركة البيئية العالمية وصياغة مستقبل الكوكب.
ميلاد الدبلوماسية البيئية
عندما انطلق مؤتمر ستوكهولم للبيئة البشرية في يونيو 1972، كانت الهوة شاسعة ومظلمة بين معسكرين متناقضين تماماً: الدول الصناعية الكبرى التي كانت تخشى التلوث الصناعي وتغيرات جودة الهواء والماء وتريد فرض قيود بيئية صارمة على الإنتاج، والدول النامية (مجموعة الـ 77 والصين) التي كانت ترى في هذه القيود والاشتراطات البيئية “مؤامرة” استعمارية جديدة لعرقلة نموها الاقتصادي، معتبرة على لسان زعيمة الهند أنديرا غاندي أن الفقر هو “أسوأ أنواع التلوث” الذي يجب مكافحته وتحقيق التنمية الاقتصادية أولاً قبل الالتفات لرفاهية حماية البيئة.
وصل الدكتور طلبة متأخراً يومين عن بدء المؤتمر لارتباطات طارئة في القاهرة، ليفاجأ بأن المجموعة العربية والأفريقية قد انتخبتاه بالإجماع نائباً لرئيس المؤتمر ومتحدثاً رسمياً باسمهما لثقتهما في عقليته العلمية وقدرته على الإقناع والتعبير عن تطلعات دول الجنوب دون التفريط في الحقوق التنموية.
أمام استعصاء الوصول إلى توافق وتشنج المواقف في الجلسات العامة الصاخبة حول الإعلان الختامي للمؤتمر، شكل الأمين العام للمؤتمر، الدبلوماسي الكندي المرموق موريس سترونغ، لجنة مصغرة وغير رسمية من ثماني دول (أربع دول صناعية وأربع دول نامية) للعمل خلف الأبواب المغلقة بعيداً عن الميكروفونات وضغوط وسائل الإعلام والشعارات السياسية.
هنا تجلت عبقرية طلبة العلمية والدبلوماسية بشكل مذهل؛ إذ كان يصوغ الحلول التوفيقية بلغة علمية دقيقة ومحايدة لا تقبل التأويل السياسي، ومقبولة قانونياً للطرفين. تعلم طلبة من سترونغ في هذا المنعطف أن التوافقات البيئية الكبرى لا تصنع في الجلسات العامة الصاخبة التي تسيطر عليها الخطابة، بل في الحوارات الثنائية الهادئة والمشاورات غير الرسمية المبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة للأجيال القادمة.
تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومقر نيروبي
أوصى مؤتمر ستوكهولم التاريخي بإنشاء آلية دولية مستدامة لمتابعة شؤون البيئة وتنسيق الجهود الأممية، وهو ما أثمر عن صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2997 في ديسمبر 1972 بإنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP).
وتقرر، بعد معارك دبلوماسية شرسة، أن يكون مقر البرنامج الجديد في العاصمة الكينية نيروبي، كأول منظمة في تاريخ الأمم المتحدة تتخذ من دولة نامية في قلب القارة الأفريقية مقراً دائماً لها، كرسالة دعم تاريخية لدول العالم الثالث واعترافاً بأن قضايا البيئة والتنمية مترابطة بشكل وثيق في الجنوب العالمي.
في أوائل عام 1973، زار موريس سترونغ (الذي عُين مديراً تنفيذياً أول لليونيب) مصر، وطلب من الحكومة المصرية إعارة الدكتور طلبة ليكون نائباً له برتبة أمين عام مساعد للأمم المتحدة، مؤكداً للأوساط السياسية أنه لا يمكن قيادة هذا البرنامج البيئي الوليد بنجاح دون الاستعانة بعالم فذ من العالم النامي يمتلك المصداقية العلمية والقدرة الدبلوماسية الفائقة على توحيد الصفوف وتجسير الهوة بين الشمال والجنوب.
قيادة المنظومة البيئية العالمية
في عام 1975، استقال موريس سترونغ من منصبه ليعود إلى كندا، لتقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة بانتخاب الأستاذ الدكتور مصطفى كمال طلبة مديراً تنفيذياً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة برتبة نائب للأمين العام للأمم المتحدة. أُعيد انتخابه أربع مرات متتالية بالإجماع حتى نهاية عام 1992، في فترة تميزت بالنشاط الفائق واعتُبرت بحق “العصر الذهبي” للعمل البيئي الدولي والمؤسسي وتأسيس ركائز القانون الدولي للبيئة.
أطلق طلبة مصطلحاً فلسفياً وتطبيقياً حركياً غير مفاهيم الاقتصاد والسياسة التقليدية، وهو مفهوم “التنمية بلا دمار”. كان يرى، برؤيته العلمية الثاقبة، أن حماية البيئة والتنمية الاقتصادية هما وجهان لعملة واحدة؛ فالنظم البيئية السليمة والموارد الطبيعية المتجددة هي الأساس الحقيقي والوحيد الذي تقوم عليه التنمية المستدامة واستقرار المجتمعات.
استطاع طلبة إقناع قادة الدول النامية بأن الحفاظ على التربة، والمياه، والتنوع البيولوجي ليس عائقاً أمام الصناعة والنمو الاقتصادي، بل هو الضامن والركيزة الأساسية لاستمراره للأجيال القادمة. مهد هذا الطرح الفلسفي والعلمي الرائد لصدور التقرير الأممي الشهير “مستقبلنا المشترك” عام 1987 وتأسيس وتطوير مفهوم التنمية المستدامة بشكل علمي وقانوني متكامل.
دبلوماسية “حديقة المنزل” غير الرسمية
ابتكر طلبة أسلوباً فريداً وفعالاً للغاية لحل الخلافات البيئية المستعصية والمواقف المتشنجة بين وزراء البيئة والمسؤولين الدوليين؛ إذ كان يدعوهم لزيارات ودية غير رسمية في حديقة منزله بنيروبي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع.
بعيداً عن البروتوكولات الرسمية الخانقة، وضغوط وسائل الإعلام الحاضرة، وأوراق العمل المعقدة، كان الوزراء يتناولون الطعام ويتبادلون الآراء بكل أريحية وصراحة إنسانية. أتاح هذا الأسلوب المبتكر تذويب الجليد وحل القضايا الفنية والمالية الشائكة والوصول إلى تفاهمات أولية مرنة قبل الدخول إلى قاعات المؤتمرات الرسمية. سُمي هذا الأسلوب في كبريات الدوريات بـ “دبلوماسية الحديقة”، وكان له دور حاسم ومفصلي في إنجاح أعقد المفاوضات والاتفاقيات الدولية التي قادها يونيب.
الدبلوماسية البيئية الإقليمية وحماية البحار المشتركة
اختار الدكتور طلبة البدء بملفات إقليمية ملموسة لبناء الثقة الدولية وتأكيد قدرة “يونيب” الفتية على إحداث التغيير وصياغة الاتفاقيات. كان البحر المتوسط يعاني في السبعينيات من تلوث كارثي هدد بموته البيولوجي نتيجة مخلفات السفن والمصانع والصرف الصحي غير المعالج. كان التحدي سياسياً وجيوسياسياً بامتياز؛ إذ تطلب الأمر جمع دول عربية في حالة حرب مع إسرائيل، ودولاً أوروبية منقسمة بين معسكري الحرب الباردة، وتركيا واليونان المتنازعتين بشدة حول قضية قبرص.
طرح طلبة رؤية علمية محايدة ومنطقية ألغت الفوارق السياسية: “إن تلوث مياه البحر لا يعترف بالحدود السياسية ولا بالصراعات الأيديولوجية، والسموم والملوثات المنبعثة من شواطئ أي دولة ستصل حتماً لشواطئ جيرانها دون تمييز”. نجح هذا الطرح العلمي التوافقي في إقرار “خطة عمل البحر المتوسط” عام 1974، تلتها توقيع اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط من التلوث عام 1975 بمشاركة كافة الدول المطلة عليه دون استثناء، في إنجاز دبلوماسي تاريخي خارق للعادة أثبت فاعلية الدبلوماسية البيئية في تقريب الخصوم.
اتفاقية الكويت 1978: التغلب على عقبات التسمية الجغرافية
عندما شرع يونيب في صياغة اتفاقية بيئية لحماية البيئة البحرية في منطقة الخليج ومكافحة تلوث المياه بالنفط والناقلات، اصطدمت المفاوضات فوراً بعقبة سياسية بروتوكولية حول تسمية الخليج (هل هو الخليج “العربي” أم الخليج “الفارسي”؟). أدى هذا الخلاف اللفظي إلى جمود كامل في المفاوضات لسنتين كاملين وتهديد المشروع بالفشل.
استخدم طلبة مهاراته الابتكارية، واقترح إطلاق اسم العاصمة المضيفة على الاتفاقية لتصبح “اتفاقية الكويت لحماية البيئة البحرية” عام 1978، وصيغت البنود الجغرافية بدقة تصف الموقع الجغرافي والإحداثيات دون اللجوء للتسميات الخلافية.
والجدير بالذكر أن لجان المتابعة الفنية للاتفاقية كانت تجتمع وتتشارك دورياً بانتظام حتى في ذروة الحرب العراقية الإيرانية المدمرة، مما يثبت أن المصالح البيئية المشتركة قادرة على توحيد الخصوم السياسيين في أحلك الظروف العسكرية.
البحر الأحمر وخليج عدن ونهر الزامبيزي
طبق طلبة نفس المنهجية التوافقية الذكية في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن؛ ولتفادي العقبات السياسية في تمثيل دول غير عربية، شجع على أن تتبنى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ALECSO) رعاية المفاوضات بالتنسيق الفني مع يونيب كطرف مراقب، لتتوج بنجاح وتوقيع اتفاقية جدة لحماية البيئة البحرية عام 1982.
وعندما انتقل لملف المياه العذبة المشتركة، بدأ بنهر الزامبيزي في جنوب القارة الأفريقية تفادياً لحساسية موقعه كمواطن مصري في مناقشة ملف مياه نهر النيل الحساس، مما رسخ مصداقيته الدولية الكبرى كمسؤول أممي من طراز رفيع ومحايد يضع المصلحة العامة والمهنية فوق أي اعتبار شخصي أو إقليمي ضيق.
معركة حماية السماء.. اتفاقية فيينا وبروتوكول مونتريال
في منتصف السبعينيات، أطلق العالمان شيروود رولاند وماريو مولينا تحذيراً علمياً مفاده أن مركبات الكلوروفلوروكربون، المستخدمة على نطاق واسع في صناعات التبريد والمذيبات ورذاذ البخاخات، تتصاعد إلى طبقات الجو العليا (الستراتوسفير). هناك، وتحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية الضارة ذات الطاقة العالية، تتفكك هذه مركبات محررة ذرات الكلور النشطة، والتي تقوم بدورها بتفكيك غاز الأوزون عبر تفاعل كيميائي محفز. إن تحرر ذرة الكلور مجدداً في نهاية التفاعل يعني قدرتها المستمرة على تدمير آلاف جزيئات الأوزون المتتالية في حلقة تفاعلية مدمرة، مما يؤدي لترقق طبقة الأوزون الحامية وزيادة تدفق الأشعة فوق البنفسجية الضارة إلى سطح الأرض، مسببة سرطانات الجلد، والكتاراكت (المياه البيضاء في العين)، وتدمير الهائمات النباتية الأساسية في المحيطات التي تشكل قاعدة السلسلة الغذائية البحرية.
من اتفاقية فيينا 1985 إلى الإعجاز التاريخي في مونتريال 1987
تبنى الدكتور طلبة القضية بقوة علمية ودبلوماسية هائلة ومثابرة مستمرة. قاد مفاوضات مضنية استمرت لسنوات بين الحكومات وكبريات شركات الكيماويات العالمية، تكللت أولاً بتوقيع اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون عام 1985، وهي اتفاقية إطارية دعت لتعزيز البحوث والتعاون الدولي دون فرض قيود إلزامية لخفض الإنتاج.
لكن مع توفر الأدلة العلمية القاطعة وظهور ما عرف بـ “ثقب الأوزون” فوق القارة القطبية الجنوبية وتصاعد القلق العام، دفع طلبة بقوة باتجاه إقرار بروتوكول تنفيذي صارم ومحدد بجداول زمنية إلزامية. في سبتمبر 1987، شهدت مدينة مونتريال الكندية ولادة الإعجاز البيئي المتمثل في توقيع “بروتوكول مونتريال بشأن المواد الاستنفادية لطبقة الأوزون”.
ولكي يضمن توقيع ومشاركة الدول النامية (مثل الصين والهند) التي كانت تخشى تعطل تنميتها الصناعية الناشئة المعتمدة على الفريون، ابتكر طلبة حلاً عبقرياً يتلخص في منح الدول النامية (المصنفة تحت المادة 5 من البروتوكول) فترة سماح إضافية مدتها عشر سنوات قبل البدء في خفض إنتاج واستهلاك المواد المستنفدة للأوزون، مما أزال مخاوفها وجعلها شريكاً فاعلاً.
أما المعضلة التمويلية الكبرى فقد حلها طلبة عبر اقتراح تاريخي لإنشاء “الصندوق متعدد الأطراف لتنفيذ بروتوكول مونتريال” عام 1990 بتمويل كامل من الدول المتقدمة لمساعدة الدول النامية على تحويل تقنياتها الصناعية نحو بدائل صديقة للأوزون وتغطية التكاليف الإضافية لهذا التحول الهيكلي.
أدار الصندوق لجنة مكونة من 14 دولة ممثلة بالتساوي بين الدول النامية والمتقدمة، مع اشتراط تصويت الأغلبية المزدوجة لاتخاذ القرارات المعتمدة، مما وضع نموذجاً مثالياً للحوكمة البيئية والمالية الدولية التي يحتذى بها حتى اليوم كأنجح اتفاقية بيئية حمت الغلاف الجوي للكوكب. وبفضل هذه الجهود المترابطة، يسير كوكب الأرض الآن نحو التعافي الكامل لطبقة الأوزون بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين.
اتفاقية بازل وحظر تصدير السموم الكيميائية
في ثمانينيات القرن الماضي، نشطت تجارة رخيصة وغير أخلاقية مروعة أطلق عليها الدكتور طلبة مصطلح “الاستعمار السام”؛ إذ كانت المصانع والشركات الكبرى في الدول الغنية والمصنعة تقوم بتصدير ملايين الأطنان من نفاياتها الكيميائية والسامة والخطرة والمشعة والتخلص منها في أراضي ومياه الدول النامية الفقيرة (وخاصة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية) بعيداً عن الرقابة البيئية الصارمة وبتكلفة منخفضة للغاية.
قاد طلبة معركة شرسة ودبلوماسية ضد كبريات الدول الصناعية والشركات متعددة الجنسيات لوقف هذا الإغراق السام وحماية صحة المجتمعات الفقيرة. تكللت هذه الجهود الشاقة بتوقيع “اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود” عام 1989 في مدينة بازل السويسرية.
وضعت الاتفاقية شروطاً قانونية صارمة تمنع تصدير النفايات الخطرة إلا بموافقة كتابية مسبقة ومستنيرة من الدولة المستوردة، وتلزم الدول المصدرة بضمان معالجة هذه النفايات بطرق بيئية سليمة في بلد المنشأ إن أمكن وتجريم التجارة غير المشروعة للنفايات السامة. مثلت هذه الاتفاقية انتصاراً تاريخياً وأخلاقياً للعدالة البيئية الدولية وحماية سيادة الدول الضعيفة والنامية.
استشراف الخطر الكوكبي المبكر للاحتباس الحراري
في وقت كان فيه مصطلح “تغير المناخ” و”الاحتباس الحراري” مجرد نظريات أكاديمية وأوراق بحثية في أدراج الجامعات، أدرك الدكتور طلبة، بحسه العلمي والبيولوجي الثاقب، أن غازات الدفيئة، وفي مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، والميثان، ستؤدي حتماً إلى خلل في ميزان الطاقة الأرضي وزيادة مطردة في درجات الحرارة العالمية وذوبان الثلوج وارتفاع منسوب البحار.
وفي عام 1988، وبالتعاون والتنسيق الوثيق مع الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، قام الدكتور مصطفى كمال طلبة بتأسيس “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ”. تم تقسيم هذه الهيئة العلمية الرفيعة إلى ثلاث مجموعات عمل رئيسية مستدامة:
1. الأولى لتقييم الجوانب والعلوم الفيزيائية والعلمية للنظام المناخي وتغير المناخ وتراكم الغازات.
2. الثانية لتقييم مدى تأثر الأنظمة البيئية والاجتماعية والاقتصادية وعواقب ذلك وطرق التكيف المرنة.
3. الثالثة لتقييم خطة الاستجابة واستراتيجيات التخفيف من الانبعاثات وخفض الكربون.
لقد غدت تقارير هذه الهيئة التقييمية المتتابعة هي المرجع العلمي الأوحد والحاسم الذي تلتزم به دول العالم أجمع، وحازت الهيئة بفضل دقة تقاريرها ومصداقيتها الشديدة على جائزة نوبل للسلام عام 2007 كتقدير رفيع لدورها في تنبيه البشرية لمخاطر التغير المناخي وصياغة مسارات المواجهة والحد من الانبعاثات الكربونية.
بفضل البيانات العلمية الرصينة والتحذيرات القاطعة التي قدمتها الهيئة التقييمية الأولى الصادرة عام 1990 بتكليف وإشراف مباشر من طلبة، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على بدء المفاوضات الحكومية الرسمية لصياغة اتفاقية دولية ملزمة بشأن المناخ، والتي توجت بتوقيع “اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ” (UNFCCC) خلال قمة الأرض التاريخية في ريو دي جانيرو عام 1992، ممهدة لمسار بروتوكول كيوتو واتفاق باريس اللاحق للمناخ.
صون التنوع البيولوجي وقمة الأرض التاريخية 1992
في أواخر الثمانينيات، كلف مجلس محافظي “يونيب” الدكتور طلبة ببدء مفاوضات دولية شاقة لإعداد اتفاقية شاملة لحماية الحياة البرية والتنوع البيولوجي المهدد بالانقراض نتيجة الأنشطة البشرية الجائرة. اعتقدت الدول المتقدمة في البداية أن الاتفاقية ستقتصر على إنشاء محميات طبيعية كلاسيكية لحماية الحيوانات والنباتات البرية وتصوير الطبيعة.
لكن طلبة، كأستاذ متخصص في علم الوراثة والميكروبيولوجيا والتقنية الحيوية، أصر برؤية استشرافية على إدخال مفهوم أكثر شمولية وعمقاً للاقتصاد الأخضر: حماية الأصول ومصادر المادة الوراثية النباتية والحيوانية، والتنظيم القانوني الدولي لاستغلالها التجاري وتطبيقات الهندسة الوراثية والبيوتكنولوجية.
صياغة اتفاقية التنوع البيولوجي 1992 والتقاسم العادل
أطلق طلبة معركة قانونية واقتصادية بالغة الصعوبة والتعقيد بين الشمال والجنوب; إذ كانت الدول الصناعية الكبرى والشركات الكبرى في مجال التقنيات الحيوية والصيدلانية والدوائية تستحوذ على براءات الاختراع المستخلص المأخوذ من نباتات وحيوانات الغابات المطيرة الاستوائية الموجودة في الدول النامية بالجنوب، دون دفع أي مقابل مادي أو أدبي لهذه الدول الأصلية المالكة والمحافظة على هذا التنوع البيولوجي الغني.
نجح طلبة بعبقرية تفاوضية في صياغة بنود تاريخية وملزمة في “اتفاقية التنوع البيولوجي” تضمن:
● سيادة الدول المطلقة والشرعية على مواردها البيولوجية والوراثية الوطنية.
● مبدأ التقاسم العادل والمنصف للمنافع والفوائد الناشئة عن استخدام واستغلال هذه الموارد الوراثية التجارية.
● نقل التكنولوجيا الحيوية والبيوتقنية الصديقة للبيئة للدول النامية بشروط ميسرة وتفضيلية تضمن العدالة المعرفية.
مكافحة التصحر والعدالة لقلب أفريقيا والشرق الأوسط
لم ينس الدكتور طلبة يوماً أصوله المصرية والعربية وأثر الجفاف وزحف الرمال والتصحر على مساحات شاسعة من الأراضي في الوطن العربي والقارة الأفريقية، مهدداً المجتمعات الريفية والأمن الغذائي. بتوجيه ومتابعة منه، وبدعم علمي وثيق ومستمر من رفيق دربه الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص، قاد يونيب جهوداً جبارة لتسليط الضوء العلمي على ظاهرة زحف الرمال وتدهور الأراضي الجافة وشبه الجافة.
رغم أن الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر (UNCCD) لم تفتح للتوقيع رسمياً وبشكل نهائي إلا في عام 1994 بعد مغادرته طواعية لليونيب، إلا أن كافة الدراسات العلمية، واللجان التحضيرية الفنية، وجمع البيانات الميدانية والمسودات القانونية الأولى تمت بالكامل تحت مظلة وإشراف ومتابعة يومية مباشرة ومكثفة من طلبة والقصاص. كان يعتبر حماية التربة الزراعية ومكافحة الجفاف خط الدفاع الأول والحيوي للأمن الغذائي والسلم الاجتماعي لمليار إنسان يعيشون في المناطق القاحلة والجافة في أفريقيا وآسيا.
قيادة منظمة دولية من قلب العالم النامي
واجه الدكتور طلبة تحديات لوجستية وسياسية هائلة وغير مسبوقة لإدارة برنامج دولي فتي بحجم اليونيب من العاصمة الكينية نيروبي في السبعينيات والثمانينيات. كانت قلة وسائل الاتصال الحديثة، والخطوط الهاتفية الضعيفة، وصعوبة خطوط الطيران والمواصلات تمثل عبئاً إدارياً وتحدياً كبيراً مقارنة بالمنظمات الأممية المستقرة والمرفهة في جنيف، أو فيينا، أو نيويورك.
إلا أن طلبة، بإرادته الحديدية، استطاع تحويل هذا التحدي اللوجستي الصعب إلى ميزة نسبية ملهمة؛ حيث كان موظفو وباحثو اليونيب يعيشون ويتنفسون وسط التحديات البيئية الميدانية الحقيقية لأفريقيا، مما جعل تقاريرهم وتدخلاتهم الفنية أكثر واقعية وملامسة وعمقاً لاحتياجات المجتمعات المحلية والدول النامية والفقيرة.
اشتهر طلبة في أروقة الأمم المتحدة بإدارته المالية الصارمة والشفافة؛ إذ كان يستثمر كل دولار من أموال الصندوق البيئي الطوعي بكفاءة متناهية، موجهاً الموارد المتاحة نحو المشاريع الميدانية المؤثرة وصياغة التشريعات والاتفاقيات الدولية القانونية، مقللاً من المصروفات الإدارية والمكتبية غير الضرورية ووفود السفر المبالغ فيها، مما كسب احترام وثقة الدول المانحة والمستفيدة على حد سواء وجذب المزيد من الدعم الطوعي للمنظمة.
شخصيات تركت أثراً في حياته الملهمة
الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص: عقل البيئة المفكر والرفيق الوفي
كان القصاص بمثابة البوصلة العلمية الموثوقة والمستشار الأقرب للدكتور طلبة؛ فكان يستعين به ويستشيره دوماً في صياغة الأوراق العلمية والاستراتيجيات الكبرى المتعلقة بالأراضي الجافة والتصحر وصون الطبيعة والتنوع البيولوجي، وظلت صداقتهما وتكاملهما نموذجاً رائعاً للوفاء والتكامل العلمي والفكري لسبعة عقود كاملة حتى رحل القصاص تاركاً فراغاً كبيراً في قلب رفيقه.
الدكتور عبد الرحمن العوضي: رائد العمل البيئي العربي المشترك
تعاون الدكتور طلبة بشكل وثيق ومثمر مع الدكتور عبد الرحمن العوضي، وزير الصحة والبيئة الكويتي الأسبق، في تأسيس المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية وإطلاق المبادرات والاتفاقيات البيئية العربية المشتركة، مبرزين ومثمنين دور دول الخليج العربي كداعم مالي وتقني وبشري رئيسي للعمل البيئي الإقليمي والدولي ومشاريع التنمية المستدامة.
وانغاري ماثاي: من أروقة نيروبي إلى منصة نوبل للسلام
كان الدكتور طلبة مؤمناً بشدة بدور المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والمرأة في حماية البيئة وصون الطبيعة على المستوى الميداني. قدم الدعم المالي والتقني الأول والتشجيع من يونيب للناشطة الكينية وانغاري ماثاي لتأسيس حركة “الحزام الأخضر” لزراعة الأشجار ومكافحة تدهور التربة في كينيا وأفريقيا، وهي المسيرة الملهمة والمكافحة التي تكللت بحصولها على جائزة نوبل للسلام عام 2004 كأول امرأة أفريقية تنال هذا الشرف الرفيع في التاريخ.
العودة إلى محراب البحث العلمي بكلية العلوم جامعة القاهرة
في نهاية عام 1992، قرر الدكتور طلبة التقاعد طوعاً ومغادرة منصبه في برنامج الأمم المتحدة للبيئة وهو في قمة مجده وعطائه الدولي، مفسحاً المجال لأجيال جديدة. لم يركن للراحة والرفاهية، بل عاد فوراً إلى جامعته الحبيبة “جامعة القاهرة” كأستاذ غير متفرغ بقسم النبات والميكروبيولوجيا بكلية العلوم، مواصلاً بنشاط وتواضع إلقاء المحاضرات على طلاب الدراسات العليا والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، ليعيد نقل خبراته العالمية الوفيرة إلى أجيال مصر القادمة والعلماء الشباب.
تأسيس المركز الدولي للبيئة والتنمية (ICED)
في عام 1993، أسس في جنيف والقاهرة “المركز الدولي للبيئة والتنمية” (ICED)، وهو مركز فكري واستشاري عالمي مستقل غير هادف للربح، تخصص في تقديم الاستشارات البيئية العلمية الرصينة، وصياغة مشاريع التنمية المستدامة، وتقييم الأثر البيئي للمشاريع الهندسية والتنموية الكبرى في الدول النامية والمنطقة العربية بمشاركة كبار العلماء والخبراء الدوليين.
الرحيل الصامت والتكريم الخالد
في الثامن والعشرين من مارس عام 2016، غيب الموت العالم الجليل والأستاذ الدكتور مصطفى كمال طلبة في إحدى مستشفيات مدينة جنيف السويسرية عن عمر يناهز الأربعة وتسعين عاماً، قضى جلها في خدمة العلم ورفعة البشرية وصون كوكبنا من الدمار البيئي.
نعت الأمم المتحدة بكافة هيئاتها وبرامجها البيئية الدولية الراحل الكبير واصفة إياه بـ “البطل الكوكبي الفريد ومؤسس الدبلوماسية البيئية الحديثة”، وشيع جثمانه الطاهر في جنازة عسكرية وأكاديمية مهيبة في مسقط رأسه بمصر تليق بمقامه الرفيع وتاريخه الحافل بالعطاء والإنجازات الدولية الخالدة.
الأوسمة والدكتوراه الفخرية والتقدير الدولي
حصل الأستاذ الدكتور مصطفى كمال طلبة طوال مسيرته العلمية والدبلوماسية الحافلة على أرفع الأوسمة والجوائز والدراسات الفخرية من كبريات الجامعات والمؤسسات الدولية تقديراً لدوره الفريد، ومنها:
● درجات الدكتوراه الفخرية: من كبريات الجامعات العالمية ومنها جامعة موسكو الحكومية، وجامعة لندن، وجامعة غنت ببلجيكا، وجامعة كينياتا بنيروبي، وغيرها من الصروح العلمية العريقة.
● الزمالات الأكاديمية الرفيعة: زمالة الكلية الإمبراطورية للعلوم والتكنولوجيا بلندن عام 1988.
● الأوسمة الوطنية والدولية:
1. وسام النيل من جمهورية مصر العربية (أعلى وسام مدني مصري يعطى لأصحاب البصمات الاستثنائية).
2. وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من جمهورية مصر العربية لتميزه العلمي والوطني.
3. وسام جوقة الشرف برتبة قائد من جمهورية فرنسا تقديراً لجهوده الكوكبية.
4. وسام الكوكب الأردني من الطبقة الأولى من المملكة الأردنية الهاشمية.
5. جائزة جون وميليت للبيئة من الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية.
6. جائزة ساساكاوا الدولية للبيئة من الأمم المتحدة لتميزه في إدارة يونيب والاتفاقيات.
من مدرجات كلية العلوم إلى قيادة البقاء الإنساني
لم تكن سيرة الدكتور مصطفى كمال طلبة مجرد قصة نجاح أكاديمية وفردية لعالم مصري متميز في مجاله، بل كانت تجسيداً عملياً لإمكانية إحداث التغيير الكوكبي البناء عندما تلتقي المعرفة العلمية الرصينة والدقيقة مع الحكمة الدبلوماسية المرنة وسعة الأفق الإنساني. لقد أثبت طلبة للعالم أجمع أن الدول النامية والعلماء القادمين من قلب الجنوب قادرون على قيادة البشرية بحكمة، وصياغة مستقبل البقاء الآمن لكوكبنا، وأن لغة العلم المحايدة هي الجسر الوحيد والموثوق القادر على ردم الهوة وتوحيد الخصوم تحت راية واحدة هي راية البقاء المشترك وصون الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
بمناسبة الاحتفال باليوبيل المئوي لتأسيس كلية العلوم العريقة بجامعة القاهرة، نضع بين أيدي صناع القرار، والأكاديميين، والشباب والباحثين التوصيات الحيوية التالية لاستلهام وتطوير إرث هذا العالم الجليل والمحافظة عليه:
1. تأسيس أكاديمية عربية للدبلوماسية البيئية: ندعو جامعة الدول العربية، بالتنسيق مع جامعة القاهرة والمؤسسات الأكاديمية والبيئية الرائدة كـ شبكة بيئة أبوظبي، لتأسيس “أكاديمية الدكتور مصطفى كمال طلبة للدبلوماسية البيئية واستدامة الموارد”؛ لتدريب جيل جديد من المفاوضين، والدبلوماسيين، والعلماء العرب على مهارات التفاوض البيئي والمناخي الدولي القائم على الحجج العلمية والبيانات الصارمة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
2. دمج الدبلوماسية البيئية والبيولوجية في المناهج الجامعية المشتركة: ضرورة إدراج مساقات ومناهج متخصصة تدرس نظرية وتطبيق “الدبلوماسية البيئية وقوانين البيئة الدولية والتنوع الوراثي” كمتطلبات تكاملية تربط بين طلبة العلوم الأساسية وطلبة القانون والعلوم السياسية والإعلام لتهيئة كوادر وطنية متكاملة الرؤية وصانعة للسياسات المستنيرة.
3. دعم وتمويل الأبحاث البيئية الاستباقية للحد من التصحر وتغير المناخ: حث الحكومات والقطاع الخاص العربي والمؤسسات المانحة على إنشاء “صندوق طلبة لتمويل أبحاث التقنية الحيوية والتغير المناخي والتصحر وصون الطبيعة”؛ لدعم المشاريع والابتكارات التطبيقية للباحثين الشباب الرامية لإيجاد حلول علمية محلية ومستدامة لتحديات البيئة العربية الملحة كمحدودية المياه الصالحة للشرب وتدهور الأراضي الجافة وزيادة درجات الحرارة القياسية.
4. تعزيز المشاركة والتمثيل العربي الفعال في المحافل البيئية والمناخية الدولية: تشجيع العلماء والباحثين العرب المتميزين على الانضمام الفعال والمستمر للهيئات العلمية والأممية المرموقة كالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية، لضمان إيصال صوت وتحديات المنطقة العربية وصياغة السياسات الدولية بما يتوافق مع مصالحنا القومية والأمن البيئي والغذائي والمائي المستدام.
إن أفضل وأصدق تكريم لذكرى الأستاذ الدكتور مصطفى كمال طلبة في مئوية كليتتنا الحبيبة ليس فقط برثائه واستذكار إنجازاته الخالدة في الأوراق الأكاديمية، بل بمواصلة المسيرة التنموية والبيئية التي بدأها بجهد وعرق وإخلاص طوال حياته، حاملين مشعل العلم النافع والدبلوماسية الراقية، لنثبت للعالم أجمع أن مصر والأمة العربية ولادتان بالعلماء والرموز القادرين على قيادة وحماية الإرث المشترك والبيئي للبشرية جمعاء.
هاشتاجات:
#الدكتور_مصطفى_كمال_طلبة – #مؤسس_الدبلوماسية_البيئية – #بروتوكول_مونتريال – #حماية_الأوزون – #التنوع_البيولوجي – #برنامج_الأمم_المتحدة_للبيئة – #التنمية_المستدامة – #مئوية_كلية_العلوم_جامعة_القاهرة – #الأمن_البيئي_العربي – #التقنية_الحيوية – #الوعي_العلمي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
***
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز