هدر الطعام والأمن الغذائي

نحو سياسة وطنية متكاملة للحد من الفاقد والمهدر الغذائي في المغرب

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 03 أغسطس 2026

تقديم عام
يمثل هدر الطعام أحد أكبر التحديات التي تواجه الأمن الغذائي والاستدامة البيئية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين. ففي الوقت الذي يعاني فيه مئات الملايين من الأشخاص من الجوع أو انعدام الأمن الغذائي، يتم إهدار كميات هائلة من الأغذية الصالحة للاستهلاك. ويعد المغرب من الدول التي تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع معدلات هدر الغذاء من جهة، وتزايد الضغوط على الموارد المائية والزراعية نتيجة التغيرات المناخية من جهة أخرى. وتدعو هذه الورقة إلى اعتماد سياسة وطنية متكاملة للحد من هدر الطعام، مستلهمة من التجارب الدولية الناجحة، بما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

أولاً: خلفية الإشكالية
يعد الأمن الغذائي أحد أهم مرتكزات الأمن القومي، ويقوم على أربعة أبعاد رئيسية:
• توفر الغذاء.
• إمكانية الحصول عليه.
• الاستفادة منه بصورة سليمة.
• استقرار الإمدادات الغذائية.
غير أن هدر الطعام أصبح يقوض هذه الأبعاد، حيث تشير الأمم المتحدة إلى أن حوالي 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين عالمياً ينتهي كنفايات، بينما يعاني 783 مليون شخص من الجوع ويواجه أكثر من 2.8 مليار شخص انعدام الأمن الغذائي بدرجات مختلفة.

ثانياً: مؤشرات رقمية حول هدر الطعام
1- هدر الطعام على مستوى المغرب
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الأسر المغربية تهدر حوالي:
• 91 كغ للفرد سنوياً ، أي ما يقارب 250 غراماً من الغذاء يومياً لكل فرد،
• حوالي 4.2 مليون طن من الأغذية سنوياً
وتعد هذه الأرقام تقديرات دولية تحتاج إلى مزيد من القياس الوطني المباشر، لكنها تعكس حجم الظاهرة وأهميتها في سياق ندرة المياه والضغوط على الإنتاج الزراعي.
وهو مستوى يستدعي اعتماد سياسات فعالة للحد من الهدر وتعزيز الأمن الغذائي.
2- هدر الطعام على المستوى العالمي
• يتجاوز الهدر العالمي للطعام 1.05 مليار طن سنوياً، تستحوذ الأسر على نحو 60% منه.
• تهدر الأسر حول العالم ما يزيد عن مليار وجبة بشكل يومي.
• تتصدر دول مثل الصين والهند والولايات المتحدة وزيمبابوي ونيجيريا قوائم الدول الأكثر هدراً للأغذية من حيث الحجم الإجمالي.
• يتسبب هذا الهدر في توليد ما بين 8 إلى 10 بالمائة من انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة لتغير المناخ.

ثالثاً: العلاقة بين هدر الطعام والأمن الغذائي
يساهم الحد من هدر الغذاء في:
• زيادة الكميات الغذائية المتاحة دون زيادة الإنتاج.
• تخفيض الضغط على الموارد المائية.
• تقليص واردات الغذاء.
• تحسين استقرار الأسواق.
• تعزيز صمود الأنظمة الغذائية أمام الأزمات.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن خفض الهدر الغذائي يعد من أقل التدخلات كلفة وأكثرها مردودية لتحقيق الأمن الغذائي.

رابعاً: تجارب دولية ناجحة
1- فرنسا
أقرت فرنسا سنة 2016 قانوناً يمنع المتاجر الكبرى من إتلاف الأغذية الصالحة للاستهلاك، ويلزمها بالتبرع بها للجمعيات وبنوك الطعام.
النتائج
• إنقاذ أكثر من 46 ألف طن من الأغذية سنوياً عبر شبكة بنوك الطعام الفرنسية.
• استفادة ملايين المحتاجين من الأغذية المسترجعة.
• انخفاض ملموس في كميات الأغذية المرسلة إلى الطمر.
2- إيطاليا
اعتمدت سنة 2016 قانون Gadda الذي يشجع الشركات على التبرع بالغذاء عبر تبسيط الإجراءات الضريبية والإدارية.
النتائج
• ارتفعت كميات الأغذية المتبرع بها بأكثر من 20% خلال السنوات الأولى.
• توسعت شبكات بنوك الطعام والجمعيات الخيرية.
3- الدنمارك
أطلقت الحكومة حملة أوقف هدر الغذاء Stop Wasting Food بالتعاون مع المجتمع المدني.
النتائج
• انخفاض هدر الغذاء الوطني بحوالي 25% خلال خمس سنوات.
• أصبحت التجربة من أنجح المبادرات الأوروبية في تغيير سلوك المستهلكين.
4- المملكة المتحدة
أطلقت منظمة WRAP برنامج Love Food Hate Waste. أحب الطعام، لا تهدره.
النتائج
• خفض هدر الغذاء المنزلي بحوالي 21% بين 2007 و2018.
• توفير مليارات الجنيهات للأسر البريطانية.
5- كوريا الجنوبية
تعتمد نظاماً متقدماً لفرز النفايات الغذائية وفرض رسوم حسب الكمية.
النتائج
• إعادة تدوير أو تثمين أكثر من 95% من النفايات الغذائية.
• انخفاض كبير في الطمر.
• إنتاج السماد والطاقة الحيوية.

خامساً: الوضع في المغرب
رغم وجود الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، وبرامج الاقتصاد الدائري، فإن المغرب لا يزال يفتقر إلى:
• استراتيجية وطنية خاصة بالحد من هدر الغذاء.
• نظام وطني لقياس هدر الطعام.
• إطار قانوني للتبرع بالغذاء.
• بنوك غذائية تغطي مختلف الجهات.
• برامج إلزامية لاسترجاع فائض الأغذية من المتاجر والفنادق والمطاعم.

سادساً: مقترحات سياسة عمومية
تقترح هذه الورقة اعتماد برنامج وطني يرتكز على ستة محاور:
1. إعداد قانون وطني للحد من هدر الغذاء.
2. إنشاء مرصد وطني لقياس الفاقد والمهدر الغذائي.
3. إلزام الأسواق الكبرى بالتبرع بالغذاء الصالح للاستهلاك.
4. تحفيز المقاولات على استرجاع فائض الأغذية بإعفاءات ضريبية.
5. إدماج التربية على الاستهلاك المسؤول في المناهج الدراسية.
6. تعميم فرز النفايات العضوية وتحويلها إلى سماد أو طاقة حيوية.

سابعاً: الأثر المتوقع

إذا نجح المغرب في خفض هدر الطعام بنسبة 50% تماشياً مع الهدف 12.3 من أهداف التنمية المستدامة، فمن المتوقع:
• استرجاع ما يقارب 1.65 مليون طن من الأغذية سنوياً (استناداً إلى التقدير الحالي البالغ 3.3 مليون طن).
• توفير ملايين الأمتار المكعبة من المياه الافتراضية المستخدمة في إنتاج الغذاء.
• تقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن طمر النفايات العضوية.
• دعم الأمن الغذائي وتقليل الضغط على الواردات الغذائية.
• تعزيز الاقتصاد الدائري وخلق فرص عمل في مجالات جمع وفرز واسترجاع وتثمين الغذاء.

خاتمة
يعد الحد من هدر الطعام أحد أكثر السياسات العمومية فعالية من حيث الكلفة والعائد، إذ يجمع بين حماية الموارد الطبيعية، وتعزيز الأمن الغذائي، والحد من الفقر، وتقليص الانبعاثات الكربونية. وتؤكد التجارب الدولية أن النجاح لا يعتمد فقط على التشريعات، بل يستلزم شراكة متكاملة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين. وبالنسبة للمغرب، فإن تبني سياسة وطنية شاملة للحد من هدر الغذاء يمكن أن يشكل رافعة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية وتعزيز القدرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية.

المراجع
• برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP). Food Waste Index Report 2024.
• برنامج الأمم المتحدة للبيئة. World squanders over 1 billion meals a day – UN Report.
• منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO). Food Waste Index Report 2024.

(*) مصطفى بنرامل
استشاري مغربي في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، بخبرة تفوق 25 سنة في التأطير وتطوير البرامج. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. حاصل على عدة شهادات متخصصة في تكوين المكونين وتدبير الكوارث من جامعات ومؤسسات دولية ووطنية مرموقة. ساهم في تصميم وتنفيذ برامج التربية البيئية والمناخية وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة لدى مختلف الفئات.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

دراسة حول حرائق الواحات والغابات في المغرب (02 – 05)

بين الاستراتيجيات الحكومية القطاعية وتداعيات التغيرات المناخية: دراسة تحليلية مقارنة مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا …

اترك تعليقاً