الذكرى الـ 105 لميلاد القصاص.. الأب الروحي لمكافحة التصحر
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 08 يوليو 2026
عندما تحل ذكرى ميلاد الرواد، فإننا لا نستحضر مجرد تاريخ شخصي، بل نستلهم رؤية معرفية متكاملة صاغت وجدان الفكر البيئي المعاصر. وفي السادس من يوليو ، نحتفل بالذكرى المئة والخامسة لميلاد الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص (1921–2012)، القمة الشاهقة في تاريخ العلوم البيئية، والأب الروحي لمكافحة التصحر في العالم. لم يكن القصاص مجرد أستاذ أكاديمي ينكفئ على مدرجات الجامعات ومعاملها، بل كان فيلسوفاً بيئياً، ورائد وعي كوني استقرأ أزمات كوكبنا المعاصرة قبل وقوعها بعقود. لقد لخص العالم الهندي الكبير إم. إس. سواميناثان مسيرة القصاص بوصف دقيق قائلاً: “تجسيدٌ لكل ما هو خيّر في الإنسان، فقد جعل من حياته رسالة، ووقف لتحقيق الانسجام بين البشر والطبيعة، وكذلك السلام والوئام بين الأمم” موقع الاتحاد الدولي لصون الطبيعة.
آمن القصاص طوال حياته بأن التنمية والبيئة وجهان لعملة واحدة; فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون حماية المنظومة الحيوية للأرض، كما لا يمكن حماية البيئة بينما يرزح الإنسان تحت وطأة الفقر والجوع. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، أسس هذا العالم المصري الفذ أول مدرسة علمية رصينة لدراسة بيئة الصحراء، مقدماً مفهوماً ثورياً حول هشاشة النظم الجافة. واليوم، ونحن نرى تسارع التغيرات المناخية وتمدد الرقعة المتصحرة وتآكل التنوع البيولوجي، تكتسب أطروحاته مصداقية ويقينية مذهلة، وكأن كلماته التي سطرها في كتابه الشهير “التصحر: تدهور الأراضي في المناطق الجافة” عام 1999 هي قراءة حية للواقع البيئي الكارثي الذي نعيشه اليوم.
أهدي هذا المقال إلى روح أستاذنا الجليل الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص (1921–2012)، في ذكرى ميلاده المئة والخامسة.. الرجل الذي لم يرَ في الصحراء قفاراً موحشة، بل موطناً للحياة وأمانة نحملها للأجيال القادمة. إلى كل باحث يؤمن بأن حماية الأرض هي دفاع عن الوجود الإنساني ذاته.
إننا في هذا المقال التوثيقي الشامل، لا نحتفي بذكرى ميلاد أستاذنا الجليل فحسب، بل نعيد قراءة إرثه العلمي في ضوء آخر الأرقام الكونية الصادرة عن الأمم المتحدة ومخرجات القمم الدولية الكبرى مثل مؤتمر الأطراف السادس عشر لمكافحة التصحر (COP16) بالرياض. إنه استحضار لواجب الوفاء العلمي، ومحاولة لرسم ملامح الأمن البيئي العربي مسترشدين بعقل حارس الأرض ورائدها الأول.
النشأة والتكوين.. من شواطئ البرلس إلى أروقة كامبريدج
ولدت عبقرية الدكتور القصاص من رحم بيئة جغرافية استثنائية تركت بصمتها على روحه وعقله طوال حياته. فقد أبصر النور في السادس من يوليو عام 1921 بقرية برج البرلس الساحلية بمحافظة كفر الشيخ في مصر. تلك البقعة الفريدة حيث تلتقي المياه العذبة لنهر النيل بأمواج البحر الأبيض المتوسط المالحة، وتجاورها بحيرة البرلس النابضة بالحياة البيولوجية. هذا التباين الحاد والمباشر بين الملوحة والعذوبة، وبين خصوبة الطمي وقحط الشواطئ الرملية، شكل الوعي البيئي الأول للطفل القصاص، وأيقظ في نفسه فضولاً علمياً مبكراً نحو توازن الكائنات وطرق تكيفها.
بدأ مسيرته المعرفية في سن الرابعة بحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، وهو ما صقل ملكاته الذهنية واللغوية، وغرس في قلبه قيم الأمانة والمسؤولية تجاه الأرض ومخلوقاتها. لاحقاً، انتقل إلى مدينة الإسكندرية للدراسة الابتدائية بمدرسة طاهر بك والتعليم الثانوي بمدرسة العباسية العريقة. وخلال هذه السنوات، برزت لديه هواية جمع النباتات البرية والأعشاب، وتجفيفها، وتدوين ملاحظاته الدقيقة حول أماكن نموها ومواسم ازدهارها في كراس خاص؛ وهي الهواية التي مثلت المختبر الجنيني الأول والمؤشر الصادق لولادة عالم نبات من طراز رفيع.
التحق القصاص بكلية العلوم بجامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول آنذاك)، وتخرج عام 1944 حاصلاً على بكالوريوس العلوم في علم النبات بمرتبة الشرف الأولى مع درجة الامتياز، ليعين فوراً معيداً بالكلية. واصل شغفه الأكاديمي لينال درجة الماجستير في بيئة النبات عام 1947، قبل أن يُبتعث إلى المملكة المتحدة لينضم إلى جامعة كامبريدج العريقة، حيث حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم في بيئة النبات عام 1950. في كامبريدج، انفتح القصاص على أحدث المناهج العلمية في دراسة النظم البيئية المتكاملة، ليعود إلى وطنه متسلحاً برؤية شمولية ترفض دراسة عناصر الطبيعة بشكل معزول، وتدعو لفهم الروابط الديناميكية العميقة بينها.
تأسيس مدرسة البيئة الصحراوية وتأصيل المنهج الكمي
عقب عودة الدكتور القصاص من بريطانيا، واجه تحدياً أكاديمياً وفكرياً كبيراً؛ إذ كانت البحوث النباتية في مصر تركز بشكل شبه كامل على المحاصيل الزراعية والنباتات في الوادي والدلتا الخصيبين، بينما كانت الصحاري الشاسعة التي تغطي أكثر من 95% من مساحة مصر تعامل كقفار ميتة ومساحات منسية لا تستحق عناء البحث العلمي المنهجي. من هنا تجلت ريادة القصاص، حيث أطلق صيحة علمية تؤكد أن الصحراء نظام حيوي بالغ الحساسية والتعقيد، يزخر بتكيفات مبهرة ويخضع لقوانين أحيائية دقيقة تجب دراستها وتوثيقها.
بدأ القصاص في وضع اللبنات الأولى لمدرسته العلمية معتمداً على مبدأ “الميدان هو المختبر الحقيقي”. قاد فرقاً بحثية وجاب مع تلامذته ونظرائه الصحراء الشرقية والغربية وسيناء والساحل الشمالي والنوبة، مجهزين بأدوات القياس الميداني الكمي الصارم. كان يعلم تلاميذه كيفية استخدام المربعات الحديدية (Quadrats) لحصر الأنواع، ودراسة كثافتها، وتحليل عينات التربة لمعرفة محتواها المائي والملحي، وربط كل ذلك بالمعطيات المناخية مثل سرعة الرياح ومعدلات التبخر وهطول الأمطار.
تميزت مدرسة القصاص بمنهج ثلاثي الأبعاد لا غنى عنه في الدراسات البيئية الرصينة:
1. الرصد الميداني الصارم: لجمع البيانات الواقعية من قلب الطبيعة دون تحريف.
2. التحليل المعملي الدقيق: لعينات التربة والنبات وتحديد التكيفات الفسيولوجية والقدرات الجنينية للبذور.
3. النمذجة واستشراف المستقبل: لبناء نماذج تفسر تتابع المجتمعات النباتية (Plant Succession) وتوقع تحولاتها تحت تأثير التغير المناخي والتدخل البشري.
تفرعت عن هذه المدرسة الأم مدارس تخصصية متميزة قادها تلامذته النجباء؛ فظهرت مدرسة بحوث ميكروبيولوجيا التربة بالتعاون مع الدكتور محمد سامي الأبيض، ومدرسة بيئة عشائر الأعشاب الحقلية مع الدكتور محمد نبيل الحديدي، ومدرسة صون الطبيعة وبيئة الصحراء بقيادة الدكتور محمود عبد القوي زهران والدكتور وليم عبد الله جرجس. تحولت هذه المنظومة إلى خلية نحل علمية أنتجت مئات الأبحاث التي نشرت في أرقى المجلات الدولية، لتصبح مدرسته مرجعاً عالمياً لا غنى عنه.
التصحر.. المفهوم العلمي والتحدي الكوني
يرتبط اسم الدكتور القصاص عالمياً بظاهرة “التصحر” (Desertification). وقبل إسهاماته الفكرية، كان العالم ينظر إلى الكارثة على أنها مجرد زحف طبيعي للرمال أو حركة ميكانيكية للكثبان. لكن القصاص غيّر هذه الرؤية كلياً، حيث أدخل مصطلح التصحر إلى القاموس الدولي وعرّفه بأنه: “عملية تدهور بيئي شاملة تصيب الأراضي المنتجة في المناطق الجافة وشبه الجافة وتحت الرطبة، نتيجة لعوامل متعددة تشمل التغيرات المناخية والأنشطة البشرية غير المستدامة، مما يفقد الأرض قدرتها الحيوية والاقتصادية على الإنتاج”.
شخّص القصاص أسباب التصحر مقسماً إياها إلى شقين متفاعلين يغذي أحدهما الآخر:
● الأسباب الطبيعية: وتشمل التغيرات المناخية، وتذبذب الأمطار وانحباسها لمواسم متتالية، والانجراف الطبيعي للتربة بفعل الرياح والسيول الفجائية التي تكتسح الطبقة السطحية الخصبة الهشة.
● الأسباب البشرية (الأشد خطورة): وتتمثل في الرعي الجائر الذي يقضي على الغطاء النباتي ويمنعه من التجدد، والزراعة المجهدة للتربة، وقطع الأشجار بغرض الاحتطاب، ونظم الري الخاطئة التي تؤدي لتملح التربة، ناهيك عن الزحف العمراني على الأراضي الزراعية الهشة.
وكانت تجربة الدكتور القصاص خلال فترات إعارته لجامعة الخرطوم بالسودان (1952–1956 و1964–1968) بمثابة المعاينة الميدانية الصادمة لحجم المأساة. فقد رصد بعينه كيف تراجعت خطوط السافانا الغنية ومراعي “الهشاب” مئات الكيلومترات نحو الجنوب في غضون سنوات قليلة، وزحفت الصحراء لتخل محل الأراضي المنتجة بسبب تضافر الجفاف والضغط الرعوي، فصاغ تقارير علمية مبكرة دقت ناقوس الخطر وحذرت المجتمع الدولي من مجاعات وشيكة في النطاق الأفريقي الساحلي.
حذر القصاص مبكراً من البعد الاجتماعي والجيوسياسي للتصحر، وكان أول من صاغ وحذر من مصطلح “اللاجئين البيئيين” (Environmental Refugees). وأكد أن تدهور التربة وشح المياه سيدفعان بملايين البشر مجبرين لترك ديارهم والهجرة نحو المدن أو عبور الحدود الدولية، مما يسبب نزاعات وصراعات عنيفة حول الموارد الشحيحة المتبقية، وهو ما نشهده اليوم واقعاً ملموساً في بقاع شتى من العالم.
التصحر في مرآة العصر.. بيانات كشفية ومستجدات كونية (2024–2025)
تثبت الإحصائيات الرسمية والمؤشرات الصادرة عن المنظمات الدولية في عامي 2024 و2025 أن تحذيرات الدكتور القصاص الاستشرافية قد تحولت مع الأسف الشديد إلى واقع كوني مرعب. فقد تسارعت وتيرة تدهور الأراضي لتتجاوز كافة الخطط الموضوعة للمواجهة، وباتت الأرقام تطالب المجتمع الدولي بوقفة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتكشف أحدث التقارير الإحصائية الصادرة عن أمانة اتفاقية مكافحة التصحر التابعة للأمم المتحدة الحقائق المروعة التالية:
● توسع النطاق الجاف: تشكل الأراضي الجافة والقاحلة اليوم قرابة 40.6% من إجمالي مساحة اليابسة على الكوكب، مسجلة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالعقود الماضية.
● نزيف الأراضي السنوي: يفقد العالم سنوياً نحو 100 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة والمراعي التي تتحول إلى أراضٍ متدهورة فاقدة للإنتاجية.
● الفاتورة الاقتصادية: تُقدر الخسائر الاقتصادية الكونية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن تدهور الأراضي والتصحر بنحو 878 مليار دولار أمريكي كل عام.
● التهديد الإنساني: يواجه أكثر من 2 مليار إنسان خطورة العيش في مناطق تعاني من شح مائي حاد وتدهور للأراضي، مع توقعات بنزوح 135 مليون شخص بحلول نهاية العقد الحالي إذا لم يتم تدارك الأزمة.
وفي هذا السياق المقلق، مثّل انعقاد الدورة السادسة عشرة لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) في العاصمة السعودية الرياض ديسمبر 2024 لحظة فارقة وتحولاً دولياً حاسماً. فقد شهد المؤتمر مشاركة دولية واسعة وأطلق مبادرات وصفت بالتاريخية، وجاءت مخرجاته لتعبر عن جدية حقيقية في مواجهة الكارثة:
● أجندة الرياض للعمل: التزام دولي طموح باستعادة وتأهيل 1.5 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030.
● الشراكة لمرونة الجفاف: تأسيس صندوق مالي وصيغة شراكة بقيمة 12.15 مليار دولار لمساعدة 80 دولة من الدول الأكثر هشاشة وعرضة لموجات الجفاف.
● تمويل استعادة الأراضي: التوصية برفع التمويل الدولي السنوي الموجه لبرامج استعادة التربة، ليرتفع تدريجياً ليلبي الاحتياجات الفعلية المقدرة بـ 355 مليار دولار سنوياً.
● تثمين المعارف التقليدية: اعتراف رسمي بالدور الجوهري الذي تلعبه المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية في حماية الأرض وموارد المياه عبر أساليبهم التقليدية المستدامة.
الأمن البيئي العربي والمصري في فكر القصاص
يقع العالم العربي، بحكم موقعه الفلكي والجغرافي، في أكثر نطاقات العالم جفافاً وقسوة بيئية؛ حيث تشير البيانات المعاصرة إلى أن أكثر من 65% من المساحة الإجمالية للوطن العربي تقع في نطاقات صحراوية قاحلة، بينما تتعرض قرابة 75% من أراضيه القابلة للزراعة أو الرعي لخطر التدهور والتصحر الفعلي. هذه المعطيات تضع قضايا الأمن البيئي والمائي والغذائي العربي في مقدمة مهددات الأمن القومي الشامل، وتجعل من رؤية القصاص دليلاً استراتيجياً لا غنى عنه.

ويتوزع التدهور البيئي بنسب متفاوتة في جغرافيا الوطن العربي كاشفاً عن عمق الأزمة:
الدولة أو الإقليم نسبة التصحر والحساسية البيئية الحالة والتشخيص الإجراءات والمبادرات القائمة
دول الخليج العربي (البحرين، الإمارات، الكويت، قطر) 95% – 100% تصحر طبيعي حرج للغاية برامج التشجير الحضري المكثف، واستخدام مياه الصرف المعالجة
المملكة العربية السعودية 70% – 80% تراجع الغطاء النباتي الرعوي وانضغاط التربة نتيجة الأنشطة البشرية المتسارعة مبادرة “السعودية الخضراء” الطموحة (زراعة 10 مليارات شجرة)
جمهورية مصر العربية 60% – 80% (في الهوامش) تدهور خطير وتملح للتربة مشاريع قومية ضخمة مثل “مبادرة 100 مليون شجرة”
السودان وموريتانيا 75% – 85% تصحر زاحف وحرج المشاركة الفعالة في مشروع “الجدار الأخضر العظيم” الأفريقي
المغرب والجزائر وتونس 60% – 75% تدهور في بيئة السهوب والسهول برامج مكافحة التصحر الإقليمية وحماية الغابات المتوسطية
سوريا والعراق تتجاوز 50% تملح شديد وتراجع في رطوبة التربة إعادة تشجير الغابات النهرية، وبرامج إدارة المياه المشتركة
وكانت مصر في قلب فكر القصاص وعمله؛ إذ رفض دوماً النظر إلى الصحراء المصرية الشاسعة الممتدة شرقاً وغرباً وفي سيناء كعبء جغرافي، بل كان يراها الامتداد الاستراتيجي والكنز الحقيقي لمستقبل التنمية المستدامة. وكان يحذر بشدة من تطبيق ممارسات الري والزراعة التقليدية للوادي والدلتا ونقلها حرفياً إلى البيئة الصحراوية الهشة دون مراعاة لقدرتها الاستيعابية الحقيقية.
وتجلت شجاعة القصاص العلمية والأخلاقية في موقفه الشهير من مشروع “توشكى” القومي في جنوب الصحراء الغربية عام 1997؛ حيث وقف وقفة العالم المستقل والموضوعي، وأبدى تحفظاته وتحذيراته الصريحة من أن نقل كميات هائلة من مياه النيل العذبة عبر قنوات مكشوفة في منطقة ذات تبخر فائق الارتفاع، وبتربة ذات تكوينات جيولوجية ملحية صخرية، سيؤدي حتماً لتملح التربة سريعا واستنزاف الحصة المائية الاستراتيجية للبلاد وتشتيت جهود التنمية. وبمرور السنوات، ثبت للجميع أن مخاوف القصاص العلمية كانت مبنية على حقائق راسخة وقراءة عبقرية لطبيعة الصحراء المصرية.
أفرد القصاص كتاباً كاملاً بعنوان “النيل في خطر”، حذر فيه باستشراف علمي ثاقب من مهددات نهر النيل؛ بدءاً من التلوث الصناعي والزراعي والصرف الصحي، وتأثير التغيرات المناخية على معدلات هطول الأمطار في الهضبة الإثيوبية والبحيرات الاستوائية، وانتهاءً بغياب التنسيق الاستراتيجي المشترك بين دول حوض النيل. ودعا مبكراً لربط الأمن المائي بالأمن الغذائي القومي، معتبراً حماية تدفقات النيل قضية وجودية لمصر، وهي الرؤية الاستشرافية التي تتردد أصداؤها اليوم في كافة الملفات والتجاذبات السياسية والمائية الراهنة التي تعيشها المنطقة.
كما شغلت سيناء الحبيبة مكانة مقدسة في أبحاث القصاص الميدانية، فكان يجوب أوديتها ويوثق غطاءها النباتي النادر وتراجع أشجار السيال والأعشاب الطبية الفريدة نتيجة الرعي والاحتطاب الجائرين. وطرح رؤية وطنية تدعو لإشراك المجتمعات البدوية المحلية كشركاء أساسيين في حماية البيئة وإدارة المحميات؛ لما يملكونه من معرفة تقليدية موروثة بطرق التكيف والتعايش السلمي والمستدام مع بيئتهم الشحيحة والمقدسة.
تمكين المجتمعات المحلية وتكامل المعرفة التقليدية مع العلم الحديث
في خضم التطور التكنولوجي الهائل، تبرز قيمة الأطروحة التي طالما نادى بها الدكتور القصاص بضرورة إشراك المجتمعات المحلية والبدو والأهالي كشركاء أصيلين في إدارة وصون المحميات الطبيعية ومكافحة التصحر، والاعتراف بتكامل المعرفة التقليدية مع الأبحاث العلمية المعاصرة. إن استقصاء الرؤية الفكرية للقصاص يكشف أن حماية البيئة لا يمكن أن تنجح إذا صيغت في غرف مغلقة وفُرضت على الأهالي كقوانين جافة؛ بل لا بد أن تنطلق من مبدأ “العدالة المعرفية البيئية” التي توائم بين المنهج الأكاديمي الصارم والموروث الثقافي المتراكم لدى سكان الصحراء عبر آلاف السنين.
1. نظام “الحمى” التراثي: آلية عربية أصيلة للصون
لقد أثبتت الدراسات البيئية المعاصرة أن نظام “الحمى” (Hema)، وهو نظام تقليدي عربي لإدارة الموارد الطبيعية وحماية المراعي والمياه امتد لقرون، يمثل أرقى نماذج الإدارة التشاركية المستدامة. يقوم هذا النظام على تقسيم الأهالي للأراضي الرعوية وتناوب استخدامها علمياً لإتاحة الفرصة للغطاء النباتي للنمو والتجدد. كان القصاص من أوائل الأكاديميين الذين دعوا إلى إحياء هذا نظام التراثي وتقنينه وتطويره بأدوات العصر. فالأهالي والبدو ليسوا مجرد مستهلكين للموارد، بل هم حراسها الطبيعيون الذين يرتبط استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي ببقاء هذه المنظومة الحية خصبة ومعطاءة.
2. قبائل سيناء وريادة حماية التنوع البيولوجي النباتي
في محمية “سانت كاترين” بجنوب سيناء، تبرز تجربة فريدة بالغة الأهمية لتكامل المعرفة البدوية مع جهود الصون؛ حيث تمتلك قبيلة “الجبالية” معرفة استثنائية وعميقة بالخصائص الفسيولوجية والطبية للنباتات والحيوانات النادرة التي تستوطن الجبال الوعرة. يتعلم الأطفال البدو منذ نعومة أظفارهم كيفية التمييز بين أنواع النباتات الطبية الفريدة مثل الشيح والزعتر الجبلي والسموة، وتجنب اقتلاع جذورها أثناء الجمع، وحماية مسارات المياه الجبلية الطبيعية.
عندما يتم دمج هؤلاء الأهالي كمرشدين وحراس في المحميات الطبيعية، يتحول الصون من كونه “مهمة حكومية مكلفة” إلى “ثقافة حياة” يومية يمارسها المجتمع المحلي طواعية. وبذلك، يتم تقديم نموذج رائع وحقيقي لحماية البيئة يضمن العيش الكريم للأهالي ويوفر لهم فرص عمل بيئية مستدامة، ويمنع هجرتهم القسرية نحو المدن الكبرى كلاجئين بيئيين.
3. فك شفرة المعرفة التقليدية بأدوات الجينوم الحديثة
إن التكريم الحقيقي لرؤية الدكتور القصاص يتمثل في استخدام أدوات العلوم المتقدمة لإثبات وفك شفرة المعرفة التقليدية للبدو والأهالي؛ فعوضاً عن إهمال خبراتهم المتراكمة في التداوي بالأعشاب أو اختيار البذور المقاومة، يجب على مراكز الأبحاث الوطنية استخدام تقنيات “علم الجينوم البيئي” (Metagenomics) والتقنية الحيوية لدراسة التركيب الوراثي للنباتات التي يجمعها البدو، وتحديد المركبات الفعالة بدقة، والجينات المسؤولة عن مقاومتها الفائقة للجفاف والملوحة.
إن هذا التكامل المعرفي يتيح للعلماء استنباط سلالات زراعية جديدة كلياً مبنية على أصول برية تم رصدها وتوثيقها بفضل بصيرة الأهالي وحكمتهم التراكمية. إنها علاقة منفعة متبادلة تجعل من المجتمع المحلي شريكاً في الابتكار العلمي ومستفيداً من عوائده الاقتصادية.
آفاق التقنية الحيوية والذكاء الاصطناعي في إكمال مسيرة القصاص
لم ينعزل القصاص يوماً عن روح العصر وتطبيقاته؛ فقد ترأس الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) كأول عالم من العالم الثالث والمنطقة العربية (1978–1984)، وكان مستشاراً ومؤسساً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، وساهم بقلمه وفكره في صياغة البنود الجوهرية للاتفاقيات الدولية الكبرى المنبثقة عن قمة الأرض بريو دي جانيرو 1992.
وانطلاقاً من تخصصنا الأكاديمي في التقنية الحيوية والوراثة، فإننا نرى في هذا العلم السلاح المعرفي الأحدث لإكمال مسيرة القصاص وتحقيق رؤيته في استعادة الأراضي المتصحرة:
● نقل الجينات المسؤولة عن تحمل الإجهادات البيئية غير الحيوية (كالجفاف والملوحة): من خلال فك الشفرة الوراثية للنباتات البرية الصحراوية التي تقاوم أقسى الظروف الطبيعية، وإدخال هذه الجينات المقاومة لبعض المحاصيل الزراعية الاستراتيجية (كالقمح والشعير)، مما يرفع نسب بقائها وإنتاجيتها في التربة الهشة.
● هندسة الكائنات الدقيقة في التربة: استزراع البكتيريا والفطريات الصديقة للبيئة القادرة على تثبيت النيتروجين الجوي وتحسين قدرة جذور النباتات على امتصاص المياه الشحيحة والمغذيات من أعماق التربة الصحراوية.
بالإضافة إلى ذلك، تشهد الإدارة البيئية اليوم ثورة تكنولوجية كبرى عبر دمج الذكاء الاصطناعي (AI) وتقنيات الاستشعار عن بعد (Remote Sensing):
● خرائط الرصد المباشر: استخدام بيانات الأقمار الصناعية المتطورة وخوارزميات التعلم الآلي المغذاة بالبيانات البيئية التاريخية التي جمعتها مدرسة القصاص على مدار نصف قرن، لبناء نماذج تنبؤية فائقة الدقة تراقب ديناميكيات التصحر الحالية مقارنة بالقرن الماضي ورصد مؤشرات تدهور الغطاء النباتي ورطوبة التربة بشكل فوري ومستمر.
● الإنذار المبكر بالجفاف: توفر نماذج الذكاء الاصطناعي قدرة تنبؤية فائقة بموجات الجفاف قبل حدوثها بأشهر، مما يتيح للحكومات والفرق الميدانية اتخاذ تدابير استباقية لحماية الموارد المائية ومكافحة تدهور التربة قبل فوات الأوان.
توصيات استراتيجية
إن رحلتنا المعمقة والمطولة في سيرة وفكر وإرث الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص، بمناسبة الاحتفال بالذكرى المئة والخامسة لميلاده، ومطابقة رؤاه بواقع كوكبنا الراهن ومستجدات عامي 2024 و2025، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام عقل استشرافى فذ ومنارة علمية سبقت عصرها بمسافات ضوئية. لم تكن حماية البيئة بنظر القصاص انشغالاً فكرياً عابراً أو ترفاً أكاديمياً، بل هي جوهر البقاء والضمان الحقيقي لتنمية عادلة بين الأجيال. إن الحفاظ على هذا الإرث وتطويره بالتقنيات الحديثة هو التكريم الحقيقي والوحيد لذكراه العطرة.
وبناءً على خلاصة هذا الفكر المعرفي، نطرح جملة من التوصيات الاستراتيجية الحيوية:
1. الالتزام الكامل بتطوير وتنفيذ مخرجات مؤتمر الرياض لمكافحة التصحر، وتفعيل التعهدات الخاصة باستعادة الأراضي وصون كرامة التربة الزراعية.
2. الاستثمار المكثف في تطبيقات التقنية الحيوية والهندسة الوراثية لاستنباط سلالات زراعية وغابات شجرية قادرة على العيش والإنتاج في ظروف الملوحة والجفاف المرتفعة بالبلدان العربية.
3. توطين أدوات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد لبناء شبكة رصد وإنذار مبكر عربية وإقليمية موحدة لمراقبة زحف الرمال وتدهور الغطاء النباتي واستشراف موجات الجفاف الحاد.
4. تفعيل مبدأ “القدرة الاستيعابية البيئية” كشرط أساسي وملزم قانوناً لاعتماد وتمويل كافة المشاريع التنموية والعمرانية الجديدة في الأراضي الصحراوية والهامشية.
5. تثبيت وإرساء دور المجتمعات البدوية والمحلية كشركاء أصيلين وأصحاب مصلحة حقيقيين في خطط إدارة وصون المحميات الطبيعية ومكافحة التصحر، والاعتراف الدستوري والتشريعي بتكامل المعرفة التقليدية الموروثة للأهالي مع الأبحاث الأكاديمية المعاصرة لضمان نجاح أي مشروع تنموي بيئي على الأرض.
6. إعادة صياغة المناهج التعليمية والجامعية في العالم العربي لإبراز قضايا البيئة والتصحر كأولوية أمن قومي وبناء جيل جديد من الباحثين المتسلحين بأدوات العصر الرقمي والوفاء الأكاديمي لمدرسة القصاص.
هاشتاجات:
#محمد_عبد_الفتاح_القصاص – #مكافحة_التصحر – #البيئة_الصحراوية – #التنوع_البيولوجي – #الاتحاد_الدولي_صون_الطبيعة – #الذكرى_105 – #مؤتمر_الرياض_COP16 – #الأمن_البيئي_العربي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
(*) الكاتب:د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز