عماد سعد:
• ارتفاع منسوب المياه وغمر القرى والحقول يعيدان إلى الواجهة تحديات التغير المناخي وإدارة الموارد المائية ومخاطر الظواهر المناخية المتطرفة في الجغرافية السورية.
• موجة فيضانات غير مسبوقة تشرد آلاف السكان وتكشف الحاجة الملحة إلى تعزيز التكيف المناخي وإدارة مخاطر الكوارث المائية.
• قراءة في الأسباب الهيدرولوجية والآثار البيئية والإنسانية للفيضانات الأخيرة، واستشراف الحلول اللازمة لتعزيز المرونة المناخية والأمن المائي.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد،خبير الاستدامة والتغير المناخي، 31 مايو 2026
شهدت مناطق واسعة على امتداد نهر الفرات في سوريا خلال الأيام الماضية ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب المياه، وصل في بعض المواقع إلى أكثر من مترين فوق المستويات المعتادة، ما أدى إلى غمر قرى وأراضٍ زراعية ومنشآت خدمية، وأجبر آلاف السكان على مغادرة منازلهم في محافظتي الرقة ودير الزور، في واحدة من أكبر موجات الفيضانات التي يشهدها النهر منذ عقود. وقد أعادت هذه الأزمة إلى الواجهة أهمية الإدارة المتكاملة للموارد المائية ومخاطر التغير المناخي في منطقة تعد من أكثر مناطق الشرق الأوسط هشاشة مائياً وبيئياً.
ما أسباب فيضان نهر الفرات؟
تعود أسباب الفيضان إلى تزامن عدة عوامل طبيعية وهيدرولوجية في وقت واحد. فقد شهدت مناطق المنابع في تركيا موسماً مطرياً استثنائياً ترافق مع تراكم كثيف للثلوج في المرتفعات الجبلية، أعقبه ذوبان سريع نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والأمطار الربيعية الغزيرة. وقد أدى ذلك إلى تدفق كميات ضخمة من المياه نحو مجرى نهر الفرات وامتلاء السدود التركية، الأمر الذي استدعى فتح بوابات المفيض في عدد من السدود، وفي مقدمتها سد أتاتورك، لتخفيف الضغط على المنشآت المائية.
وفي الوقت نفسه، كانت بحيرات السدود السورية قد وصلت إلى مستويات تخزين مرتفعة نتيجة الهطولات المطرية المحلية، ما دفع الجهات المشغلة إلى فتح بوابات مفيض سد الفرات لتصريف المياه وحماية السد من أي مخاطر إنشائية محتملة. وتشير التقارير إلى أن التدفقات المائية الواردة إلى سوريا ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثمانينات القرن الماضي.
إلى جانب ذلك، ساهمت سنوات الجفاف الطويلة التي سبقت الفيضان في تغيير نمط استخدام الأراضي على ضفاف النهر، حيث توسعت التجمعات السكانية والزراعية باتجاه مناطق كانت تاريخياً ضمن حرم النهر أو ضمن نطاق الغمر الطبيعي، ما جعل آثار الفيضان أكثر خطورة واتساعاً عند عودة المياه إلى مستوياتها المرتفعة.
الأضرار الإنسانية
أدت الفيضانات إلى تضرر آلاف الأسر في المناطق الواقعة على ضفاف النهر، خاصة في دير الزور والرقة، حيث غمرت المياه المنازل والأراضي الزراعية وأجبرت العديد من السكان على الإخلاء المؤقت. كما تضررت البنية التحتية المحلية، وانقطعت بعض طرق النقل نتيجة انهيار أو تضرر الجسور الترابية والمعابر المؤقتة.
وتكمن الخطورة الإنسانية أيضاً في فقدان مصادر الدخل لدى العديد من الأسر الزراعية، إضافة إلى تزايد احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الراكدة وتلوث مصادر مياه الشرب، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية نتيجة سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة.
الأضرار البيئية
على الصعيد البيئي، تسبب الفيضان بغمر آلاف الدونمات الزراعية وخسارة جزء من المحاصيل الموسمية، فضلاً عن انجراف التربة في بعض المناطق وتضرر البساتين والمنشآت الزراعية القريبة من مجرى النهر. كما أن اختلاط مياه الفيضان بالمخلفات المنزلية والزراعية قد يؤدي إلى تدهور جودة المياه وزيادة مستويات التلوث البيئي.
وفي المقابل، لا تخلو الفيضانات من بعض الآثار البيئية الإيجابية قصيرة المدى، مثل إعادة تغذية المياه الجوفية وترسيب الطمي والعناصر الغذائية في بعض الأراضي الزراعية، إلا أن هذه الفوائد تبقى محدودة مقارنة بحجم الأضرار الناتجة عن الغمر المفاجئ وغير المنظم.
ماذا تكشف هذه الأزمة؟
تكشف فيضانات الفرات عن حقيقة مهمة مفادها أن المنطقة العربية لم تعد تواجه فقط خطر الجفاف ونقص المياه، بل أصبحت معرضة أيضاً للظواهر المناخية المتطرفة والمتناقضة في الوقت نفسه، حيث يمكن أن تنتقل من سنوات جفاف قاسية إلى فيضانات مفاجئة خلال فترة زمنية قصيرة. ويعد ذلك أحد أبرز المؤشرات المرتبطة بتغير المناخ واضطراب الأنظمة الهيدرولوجية في المنطقة.
كما تؤكد الأزمة الحاجة إلى تطوير التعاون الإقليمي بين دول الحوض وتبادل البيانات المائية والإنذارات المبكرة بصورة أكثر فاعلية، بما يتيح إدارة أفضل للمخاطر وتقليل الخسائر المحتملة.
الحلول المقترحة
تتطلب مواجهة مثل هذه الأحداث اعتماد حزمة متكاملة من الإجراءات العاجلة والاستراتيجية.
على المدى القصير، ينبغي تعزيز عمليات الإخلاء الوقائي للمناطق المهددة، وتأمين مراكز إيواء مؤقتة للمتضررين، وإعادة تشغيل محطات المياه والخدمات الأساسية بأسرع وقت ممكن، إضافة إلى تقديم دعم عاجل للمزارعين والأسر المتضررة.
أما على المدى المتوسط، فمن الضروري إعادة تنظيم استخدامات الأراضي ضمن حرم نهر الفرات ومنع التوسع العمراني والزراعي في مناطق الغمر الطبيعية، وتطوير السواتر الوقائية والبنية التحتية المقاومة للفيضانات، وتحديث أنظمة الرصد والإنذار المبكر.
وعلى المدى البعيد، تبرز الحاجة إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة مخاطر الفيضانات والتكيف مع تغير المناخ، تشمل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد للتنبؤ بالتدفقات المائية، وإنشاء قواعد بيانات هيدرولوجية حديثة، وتعزيز التعاون الإقليمي بين سوريا وتركيا والعراق في إدارة حوض الفرات بصورة مستدامة.
خاتمة
إن فيضان نهر الفرات الحالي ليس مجرد حادث طبيعي عابر، بل يمثل إنذاراً واضحاً بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التحديات المناخية والمائية المعقدة. وبينما تتطلب الأولوية الحالية حماية السكان وتقليل الخسائر، فإن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومات استباقية للإنذار والتكيف والمرونة المناخية، بما يحمي الإنسان والبيئة والاقتصاد في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة التي أصبحت أكثر تكراراً وحدة في عالم اليوم.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز