من رؤية زايد إلى رؤية محمد بن زايد

في الذكرى الستين لتولي الشيخ زايد حكم أبوظبي…
كيف تحولت رؤية زايد البيئية إلى نموذج عالمي للتنمية المستدامة

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي 06 أغسطس 2026
قبل ستين عاماً، وتحديداً في السادس من أغسطس عام 1966، بدأت في أبوظبي مرحلة تاريخية لم تقتصر على انتقال مسؤولية الحكم إلى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بل مثّلت نقطة انطلاق لمشروع حضاري متكامل أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض، وبين التنمية والبيئة، وبين استثمار الموارد وصونها للأجيال القادمة. لقد كانت تلك اللحظة بداية رؤية استثنائية سبقت عصرها، حين أدرك الشيخ زايد أن بناء الدول لا يتحقق بالثروة وحدها، وإنما ببناء الإنسان، وإدارة الموارد الطبيعية بحكمة، وترسيخ قيم التنمية المستدامة قبل أن تصبح مفهوماً عالمياً متداولاً في الأدبيات الدولية.

وفي الذكرى الستين لتوليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، تستعيد دولة الإمارات هذه المسيرة الملهمة وهي تمضي بثقة نحو المستقبل بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أكد بهذه المناسبة أن هذه المحطة التاريخية “أرست أسس بناء الدولة الحديثة ومهدت الطريق نحو قيام اتحاد دولتنا، بفضل قيادة الشيخ زايد الحكيمة ورؤيته الملهمة التي آمنت بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية لبناء الوطن وأساس تقدمه وازدهاره”، مؤكداً أن الإمارات ستواصل السير على نهجه، مستلهمة رؤيته، ومواصلة مسيرته جيلاً بعد جيل.

هذه الكلمات لا تمثل مجرد استذكار لمسيرة وطنية عظيمة، بل تؤكد حقيقة استراتيجية مفادها أن المشروع البيئي والتنموي الذي أرساه الشيخ زايد لم يكن مرتبطاً بمرحلة زمنية معينة، وإنما تحول إلى نهج مؤسسي متجدد تتوارثه القيادة الإماراتية، وتتطور أدواته بما يواكب المتغيرات العالمية، مع الحفاظ على الثوابت التي وضعها المؤسس قبل ستة عقود.

فاللافت في تجربة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أنه لم ينظر إلى البيئة باعتبارها قطاعاً منفصلاً عن التنمية، بل جعلها جزءاً أصيلاً من عملية بناء الدولة. ففي وقت كانت فيه قضايا البيئة لا تزال هامشية على المستوى الدولي، كان يؤمن بأن حماية الموارد الطبيعية، والتوسع في التشجير، ومكافحة التصحر، والحفاظ على المياه، وصون الحياة الفطرية، تمثل جميعها ركائز للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وليست مجرد مبادرات بيئية أو تجميلية.

لقد سبق الشيخ زايد كثيراً من المفاهيم التي أصبحت اليوم أساس السياسات الدولية، وعلى رأسها مفهوم التنمية المستدامة الذي لم يتبلور عالمياً إلا مع تقرير “مستقبلنا المشترك” عام 1987، ثم تعزز لاحقاً عبر أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. وبينما كان العالم يبحث عن معادلة تحقق التوازن بين الاقتصاد والبيئة، كانت الإمارات قد بدأت بالفعل، منذ سنوات طويلة، في تطبيق هذا النهج على أرض الواقع، مستندة إلى رؤية قيادية بعيدة المدى تؤمن بأن الإنسان والطبيعة شريكان في صناعة المستقبل.

واليوم، وبعد مرور ستين عاماً على تلك البداية التاريخية، تبدو ملامح هذه الرؤية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فقد تحولت المبادئ التي وضعها الشيخ زايد إلى سياسات وطنية شاملة تقودها دولة الإمارات في مختلف القطاعات، بدءاً من الطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري، مروراً بالأمن الغذائي والأمن المائي، ووصولاً إلى العمل المناخي والابتكار البيئي والذكاء الاصطناعي في خدمة الاستدامة. كما أصبحت الإمارات شريكاً فاعلاً في صياغة الأجندة البيئية العالمية، ورسخت مكانتها باعتبارها نموذجاً يجمع بين التنمية الاقتصادية والمسؤولية البيئية، وهو ما تجسد في استضافتها لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP28)، وإطلاق العديد من المبادرات الدولية في مجالات المناخ والطاقة والتنمية المستدامة.

إن المتأمل في مسيرة الإمارات يدرك أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة استجابة ظرفية للتحديات البيئية، بل هو امتداد طبيعي لرؤية بدأت في السادس من أغسطس عام 1966، حين آمن الشيخ زايد بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، وأن حماية البيئة ليست عبئاً على التنمية، بل شرطاً لازدهارها واستمرارها.

وبين رؤية الشيخ زايد التي زرعت البذرة الأولى، ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة “حفظه الله” التي تقود اليوم مرحلة جديدة من الريادة العالمية في مجالات الاستدامة والعمل المناخي، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة كتابة فصل جديد من قصة نجاحها، مؤكدة أن التنمية المستدامة ليست شعاراً، بل نهج عمل، وأن حماية البيئة ليست مسؤولية حكومية فحسب، بل ثقافة وطنية ومسؤولية مشتركة تجاه الوطن والإنسان والأجيال القادمة.

وفي الذكرى الستين لتولي الشيخ زايد، طيب الله ثراه، حكم أبوظبي، لا نستحضر الماضي من باب الحنين، بل نستحضره بوصفه دليلاً عملياً على أن الرؤى العظيمة لا تقاس بطول عمرها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتجدد وصناعة المستقبل. وهذا هو جوهر التجربة الإماراتية؛ رؤية بدأت مع زايد، وتواصل نموها وازدهارها بقيادة محمد بن زايد، لتقدم للعالم نموذجاً فريداً في تحويل القيم البيئية إلى سياسات وطنية، والسياسات إلى إنجازات، والإنجازات إلى إرث حضاري مستدام يمتد أثره من الإمارات إلى العالم.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

التغير المناخي من منظور المسؤولية المجتمعية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، بالتوازي مع …

اترك تعليقاً