ارتفاع مستوى سطح البحر وتهديد المدن الساحلية من الخطر المتدرج إلى الأزمة المركبة

نحو استراتيجية استباقية للتكيف الحضري

شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 20 أغسطس/ غشت 2026

الملخص
يمثل ارتفاع مستوى سطح البحر أحد أكثر الآثار طويلة الأمد لتغير المناخ تعقيداً، ليس فقط بسبب الارتفاع التدريجي لمنسوب المياه، وإنما لأن هذا الارتفاع يتفاعل مع العواصف، والمد البحري، والأمواج، وتآكل الشواطئ، والفيضانات الساحلية، وتملح المياه الجوفية، والهبوط الأرضي، والتوسع العمراني. وتزداد خطورة الظاهرة لأن نسبة كبيرة من السكان والأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية تتركز في المدن الساحلية.

تشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي بلغ في 2024 أعلى مستوى منذ بداية سجل الأقمار الصناعية سنة 1993، وأن معدل الارتفاع خلال الفترة 2015–2024 بلغ نحو 4.7 ملم سنوياً، مقابل 2.1 ملم سنوياً خلال 1993–2002؛ أي أن معدل الارتفاع أصبح أكثر من الضعف تقريباً (WMO, 2025).

ويقدر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن الارتفاع المرجح لمستوى سطح البحر، مقارنة بالفترة 1995–2014، قد يصل بحلول 2100 إلى 0.28–0.55 متر في سيناريو الانبعاثات المنخفضة جداً، وإلى 0.63–1.01 متر في سيناريو الانبعاثات المرتفعة جداً (IPCC, 2023).

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يمتلك ساحلاً يقارب 3,500 كيلومتر، وتتركز على ساحله نسبة كبيرة من السكان والصناعة والنشاط السياحي. وتظهر الدراسات أن بعض المدن والمناطق الساحلية المغربية، مثل طنجة والدار البيضاء والرباط والناظور وسعيدية، تواجه مستويات متفاوتة من مخاطر التعرية والفيضانات الساحلية وارتفاع مستوى البحر (World Bank, 2021; OECD, 2025).

الكلمات المفتاحية: ارتفاع مستوى سطح البحر، المدن الساحلية، تغير المناخ، التعرية الساحلية، الفيضانات، التكيف، المغرب، المرونة الحضرية، التخطيط الساحلي، العدالة المناخية.

مقدمة: البحر الذي يرتفع ببطء لكنه يغير شكل المدن
قد يبدو ارتفاع مستوى سطح البحر ظاهرة بطيئة مقارنة بالفيضانات المفاجئة أو الأعاصير، إلا أن بطء الظاهرة لا يعني ضعف آثارها. فكل سنتيمتر إضافي في مستوى البحر يمكن أن يزيد من: احتمال غمر المناطق المنخفضة، وصول مياه البحر إلى المناطق العمرانية، تآكل الشواطئ، ملوحة المياه الجوفية، مخاطر العواصف البحرية، الضغط على الموانئ، تكلفة حماية البنية التحتية.

وتكمن الخطورة الحقيقية في أن ارتفاع مستوى البحر يمثل “خلفية جديدة” تحدث فوقها الأحداث المتطرفة. فالعاصفة التي كانت تسبب فيضانا كل مئة سنة قد تصبح أكثر تكراراً عندما يرتفع خط الأساس لمستوى البحر. ولهذا تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC أن المخاطر الساحلية ستزداد بشكل كبير خلال القرن الحالي، وأن الأحداث القصوى لمستوى سطح البحر التي كانت نادرة تاريخياً يمكن أن تصبح سنوية في العديد من المناطق بحلول 2100 (IPCC, 2022).

1- لماذا يرتفع مستوى سطح البحر؟ وكيف يتسارع؟
توجد ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً: التمدد الحراري للمياه: عندما ترتفع حرارة المحيطات، تتمدد المياه ويزداد حجمها.
ثانياً: ذوبان الأنهار الجليدية: يؤدي فقدان الكتلة الجليدية إلى إضافة مياه جديدة إلى المحيطات.
ثالثاً: فقدان الكتلة الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية: ويمثل هذا العامل أحد أكبر مصادر عدم اليقين في التوقعات طويلة الأجل.

وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC أن استمرار الاحترار يعني استمرار ارتفاع مستوى البحر لقرون إلى آلاف السنين، حتى لو توقفت درجات الحرارة العالمية عن الارتفاع (IPCC, 2022, 2023) . وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص المشكلة: يمكن خفض الانبعاثات اليوم، لكن لا يمكن إيقاف ارتفاع مستوى البحر فوراً.

1.1 المؤشر العالمي: تسارع واضح
تكشف بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تغيرا مهماً في سرعة ارتفاع مستوى البحر. وتشير المعطيات المتعلقة بتطور معدل ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تسارع واضح خلال العقود الأخيرة. فقد بلغ متوسط ارتفاع مستوى البحر حوالي 2.1 ملم سنويًا خلال الفترة 1993–2002، قبل أن يرتفع بشكل ملحوظ ليصل إلى نحو 4.77 ملم سنويًا خلال الفترة 2014–2023. كما سجلت الفترة 2015–2024 معدلا يقارب 4.7 ملم سنويًا. وتبرز هذه الأرقام بوضوح تسارع وتيرة ارتفاع مستوى سطح البحر، بما يعكس أحد المؤشرات المهمة على تفاقم آثار تغير المناخ والاحترار العالمي. أي أن المعدل الحالي يقارب ضعف معدل بداية سجل الأقمار الصناعية (WMO, 2025) . وقد يبدو الرقم صغيراً: 4.7 ملم في السنة. لكن خلال عشر سنوات يعني نحو: 4.7 سنتيمتر، ومع استمرار الاتجاه التصاعدي. وهذه الزيادة تصبح أكثر خطورة عندما تتزامن مع: عاصفة + مد بحري + أمواج قوية + ارتفاع منسوب البحر.

2.1 ماذا يعني ارتفاع 30 أو 50 أو 80 سنتيمتراً؟
لا ينبغي تفسير ارتفاع مستوى البحر بطريقة خطية بسيطة.
فارتفاع: 20 سم؛ لا يعني غمر جميع المناطق الموجودة على ارتفاع 20 سم. لكن وجود ارتفاع إضافي في مستوى البحر يجعل الأحداث القصوى تبدأ من مستوى أعلى. ولهذا فإن: ارتفاع البحر + العاصفة، قد يؤدي إلى فيضان لم يكن يحدث في السابق إلا في ظروف استثنائية.

ويقدر IPCC أن عدد السكان المعرضين للفيضانات الساحلية التي تحدث مرة كل 100 سنة قد يرتفع بنحو:
• 20% عند ارتفاع مستوى البحر 0.15 متر؛
• يتضاعف تقريباً عند ارتفاع 0.75 متر؛
• يتضاعف ثلاث مرات تقريباً عند ارتفاع 1.4 متر،
مع افتراض ثبات عدد السكان ومستوى الحماية الحالي (IPCC, 2022).

3.1 توقعات القرن الحادي والعشرين
وفق IPCC، وبالمقارنة مع الفترة 1995–2014:
2100 2050 السيناريو
0.28–0.55 م 0.15–0.23 م SSP1-1.9
0.63–1.01 م 0.20–0.29 م SSP5-8.5
(IPCC, 2023)
لكن الخطر لا ينتهي سنة 2100. فبحلول 2150 يمكن أن يصل الارتفاع المرجح إلى:
• 0.37–0.86 متر في السيناريو منخفض الانبعاثات؛
• 0.98–1.88 متر في السيناريو مرتفع الانبعاثات.
وهذا يفرض سؤالاً استراتيجياً: هل نبني المدن الساحلية اليوم وفق مناخ الماضي أم وفق مناخ القرن القادم؟

2- المدن الساحلية: مركز الثقل الاقتصادي في مواجهة البحر
تتميز المدن الساحلية بتركيز مجموعة من الوظائف الحيوية: الموانئ، المطارات، المناطق الصناعية، السياحة، الصيد البحري، التجارة الدولية، شبكات الطرق والسكك الحديدية، محطات الطاقة، وشبكات المياه والصرف الصحي.
ولهذا فإن ارتفاع مستوى البحر لا يمثل مشكلة بيئية فقط، وإنما:
مخاطرة اقتصادية وطنية. فإذا تعطلت منطقة مينائية كبرى، فإن تأثير ذلك قد ينتقل إلى:
النقل  التجارة  الصناعة  الوظائف  الأسعار  الاقتصاد الوطني.

1.2 الخطر المركب: البحر لا يعمل وحده
أكبر خطأ في التخطيط الساحلي هو دراسة ارتفاع مستوى البحر باعتباره خطراً منفرداً. فالمدن الساحلية تواجه: ارتفاع مستوى البحر، العواصف، الأمواج، الأمطار الغزيرة، تصريف الأنهار، التعرية الساحلية، الهبوط الأرضي. وهذا ما يسمى: Compound Coastal Risk ؛ أي الخطر الساحلي المركب. وقد تكون آثاره أكبر بكثير من مجموع آثار كل عامل منفرد.

2.2 التعرية الساحلية: البحر لا يغمر فقط، بل يلتهم الشاطئ
يؤدي ارتفاع مستوى البحر إلى زيادة الضغط على الشواطئ، خاصة عندما يترافق مع: تراجع الرواسب، بناء الموانئ، السدود النهرية، استخراج الرمال، التوسع العمراني، تدمير الكثبان، وارتفاع طاقة الأمواج.
وفي المغرب، تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن التعرية الساحلية تؤثر في نحو % 42 من السواحل المغربية، وهو مؤشر بالغ الأهمية على أن المشكلة ليست مستقبلية بالكامل، بل توجد بالفعل مظاهر واضحة منها (OECD 2025).

3- المغرب: ساحل استراتيجي تحت الضغط
يمتلك المغرب ساحلاً يقارب: 3,500 كيلومتر على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن حوالي: 60% من سكان المغرب و 90% من النشاط الصناعي، يرتبطان بالمناطق الساحلية أو يتركزان فيها بدرجات كبيرة (World Bank, 2021). وهذا يجعل ارتفاع مستوى البحر قضية تتجاوز البيئة إلى: الأمن الاقتصادي والعمراني والغذائي والمائي للمغرب.

1.3طنجة: نموذج للمدينة الساحلية الحساسة
تقدم طنجة نموذجاً مهماً لفهم الخطر. فقد خلصت دراسة كمية حول خليج طنجة إلى أن مناطق ساحلية واسعة قد تكون معرضة للغمر والتعرية، وأن القطاعات الأكثر حساسية تشمل: الميناء، المناطق الحضرية، البنية السياحية، السكك الحديدية، المناطق الصناعية.

كما قدرت الدراسة أن التعرية قد تؤثر في نحو 20% من مساحة الشواطئ بحلول 2050 و45% بحلول 2100 في السيناريوهات التي درستها (Snoussi et al., 2009). وهذه النتائج لا ينبغي قراءتها كتوقع حتمي، وإنما كسيناريوهات تساعد على اختبار مدى هشاشة المجال الساحلي.

2.3 طنجة وخطر البنية التحتية
تظهر تقديرات البنك الدولي أن ارتفاع مستوى البحر بنحو: 0.86 متر بحلول 2100، يمكن أن يؤدي، في أحد السيناريوهات، إلى تعرض: 99.9% من البنية المينائية في خليج طنجة و63% من المنطقة الصناعية لخطر كبير (World Bank, 2021). كما أوردت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية هذه التقديرات ضمن تقييمها للمخاطر الساحلية بالمغرب (OECD, 2025). وهنا تظهر أهمية التخطيط بعيد المدى: البنية التحتية التي تبنى اليوم قد تعمل لمدة 50 أو 100 سنة. لذلك يجب أن تأخذ في الحسبان مستوى البحر في: 2050 و2100، وليس 2026 فقط.

3.3 الدار البيضاء: الخطر الاقتصادي والحضري
تعد الدار البيضاء من أكثر المدن المغربية ارتباطاً بالاقتصاد الوطني. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو: 40 سنتيمترا، يمكن أن يؤدي إلى خسائر سنوية متوسطة تصل إلى نحو: 1.256 مليار دولار في المدينة، وفق تقديرات دراسة أوردها تقرير البنك الدولي حول المناخ والتنمية في المغرب (World Bank, 2022).
ولا ينبغي التعامل مع الرقم باعتباره قيمة خسائر مستقبلية مؤكدة، بل باعتباره مؤشراً على الحجم المحتمل للتكلفة الاقتصادية إذا لم تُتخذ إجراءات التكيف المناسبة.

4.3 الرباط وسلا: البحر والنهر في فضاء واحد
تكتسب منطقة الرباط–سلا حساسية خاصة بسبب تداخل: المحيط الأطلسي، مصب نهر أبي رقراق، المناطق الحضرية، البنية السياحية، الميناء السياحي، شبكة الطرق. وهنا يصبح الخطر: بحريا + نهريا + حضريا.
فارتفاع البحر يمكن أن يقلل قدرة الأنهار على تصريف المياه خلال بعض حالات المد والعواصف، ما يزيد من احتمال حدوث فيضانات مركبة.

5.3 الناظور ومصب ملوية: هشاشة الأراضي المنخفضة
تعتبر الأراضي المنخفضة والمناطق الرطبة والدلتاوات من أكثر البيئات حساسية. ويشير البنك الدولي إلى أن: بحيرة الناظور، مصب ملوية، السهول الساحلية المنخفضة، من المناطق التي قد تتأثر بالفيضانات المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر (World Bank, 2021). وهنا لا يتعلق الأمر بالمباني فقط. فالأنظمة الرطبة الساحلية: تخزن الكربون، تحمي السواحل، توفر موائل للكائنات، تدعم الصيد، وتساعد على تنظيم المياه.

4- آثار ارتفاع مستوى سطح البحر
1.4 تملح المياه الجوفية: الخطر غير المرئي
من أخطر آثار ارتفاع مستوى البحر: أي تداخل مياه البحر المالحة مع المياه الجوفية العذبة. عندما يرتفع مستوى البحر أو ينخفض منسوب المياه الجوفية بسبب الضخ، يمكن أن تتقدم المياه المالحة نحو الخزانات الجوفية.
والنتيجة: انخفاض جودة مياه الشرب، تضرر الزراعة، ارتفاع تكلفة المعالجة، فقدان بعض الآبار، تدهور النظم الساحلية. وبالتالي يصبح ارتفاع البحر: مشكلة مياه أيضاً.

2.4 الزراعة الساحلية تحت الضغط
في المناطق الساحلية المنخفضة، يمكن للملوحة أن تؤثر في: التربة، المياه الجوفية، المحاصيل، الإنتاجية الزراعية. وقد يصبح المزارع أمام معادلة صعبة:
ارتفاع الملوحة + ارتفاع الحرارة + نقص المياه = انخفاض الإنتاج الزراعي.
وهذا يعزز أهمية إدارة المياه الجوفية ومراقبة الملوحة ضمن خطط التكيف الساحلي.

5- المدن الساحلية العربية: هشاشة متعددة الأبعاد
لا تقتصر المشكلة على المغرب. فالمنطقة العربية تضم مدناً ساحلية كبرى مثل: الإسكندرية؛ بورسعيد؛ تونس؛ طرابلس؛ الدار البيضاء؛ الرباط؛ طنجة؛ الجزائر؛ جدة؛ دبي؛ أبوظبي؛ مسقط.
وتختلف طبيعة المخاطر من مدينة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو: تركز السكان والأصول الاقتصادية في مناطق ساحلية معرضة للمخاطر المناخية.

1.5 الإسكندرية: مثال عالمي للمدينة المنخفضة
تمثل الإسكندرية نموذجاً بالغ الحساسية بسبب: انخفاض أجزاء من المدينة، التوسع العمراني، التعرية، العواصف، دلتا النيل، تداخل المياه المالحة. وتزداد المخاطر عندما يتزامن ارتفاع البحر مع تغيرات تدفق الرواسب في دلتا النيل.

2.5 الخليج العربي: تحديات مختلفة
تواجه المدن الساحلية الخليجية مجموعة خاصة من التحديات، منها: ارتفاع الحرارة، ارتفاع مستوى البحر، العواصف البحرية، الاعتماد الكبير على البنية التحتية الساحلية، وكثافة المنشآت الصناعية والموانئ.
وفي هذه المدن، قد تكون تكلفة حماية البنية التحتية مرتفعة جداً، لكنها في الوقت نفسه ضرورية لحماية: الطاقة، الموانئ، تحلية المياه، المناطق الصناعية، شبكات النقل.

6- المناطق الساحلية ليست كلها بحاجة إلى جدران بحرية
قد يبدو بناء: الحل الأكثر وضوحاً. لكن الجدران البحرية ليست مناسبة لكل مكان. فقد: تغير حركة الرواسب، تزيد التعرية في مناطق مجاورة، تضر بالنظم الساحلية، تنقل المشكلة إلى مناطق أخرى، وتحتاج إلى صيانة مستمرة.
ولهذا يجب اعتماد: حلول تكيف قائمة على طبيعة الساحل.

1.6 الحلول القائمة على الطبيعة
يمكن استخدام:
• الكثبان الرملية: كحاجز طبيعي أمام الأمواج.
• الأراضي الرطبة: لتخزين المياه وتقليل طاقة العواصف.
• غابات المانغروف: في المناطق التي تناسبها بيئيا.
• الشعاب المرجانية: لتخفيف طاقة الأمواج حيث توجد.
• استعادة الشواطئ: من خلال تغذيتها بالرمال عند توفر الشروط العلمية.
وهذه الحلول يمكن أن توفر: حماية + تنوعاً بيولوجياً + خدمات بيئية + قيمة سياحية.

2.6 المدينة الإسفنجية الساحلية
يمكن تطوير مفهوم: أي المدينة الساحلية القادرة على: امتصاص مياه الأمطار، تخزينها، تصريفها تدريجياً، وحماية المناطق المنخفضة. ويتم ذلك من خلال: الحدائق المطرية، الأسطح الخضراء، الأرصفة النفوذة، الأحواض التجميعية، المناطق الرطبة الاصطناعية، وشبكات تصريف ذكية. وهذا مهم لأن الخطر الساحلي لا يأتي دائماً من البحر؛ فقد يأتي: من البحر والسماء في الوقت نفسه.

3.6 التخطيط العمراني: أهم خط دفاع
يمكن للمدينة أن تقلل خسائرها قبل بناء أي حاجز بحري. وذلك من خلال: منع البناء في المناطق عالية الخطورة، تحديد ارتفاعات البناء الآمنة، فرض معايير للبنية التحتية، منع التوسع العمراني غير المنظم، حماية الكثبان والأراضي الرطبة، ووضع خرائط للغمر المتوقع. وهذا أقل تكلفة في كثير من الحالات من حماية مبانٍ بنيت أصلاً في مناطق معرضة للخطر.

4.6 مبدأ “لا ندم”
توصي الدراسات العلمية الساحلية عموما باتباع: أي إجراءات مفيدة حتى في حال كان تغير المناخ أقل أو أكبر من المتوقع. ومن أمثلتها: تحسين شبكات تصريف المياه، حماية الأراضي الرطبة، منع البناء في المناطق الخطرة، رفع كفاءة الإنذار المبكر، تحديث خرائط المخاطر، وحماية مصادر المياه. فهذه الاستثمارات تحقق فوائد حتى بعيداً عن تغير المناخ.

7- البنية التحتية الساحلية والعوامل الاجتماعية المقاومة للمناخ
يجب أن تعاد صياغة معايير تصميم: الطرق، الموانئ، محطات الطاقة، شبكات المياه، محطات الصرف، المطارات، السكك الحديدية. بحيث تأخذ في الاعتبار: المناخ المتوقع وليس المناخ التاريخي فقط.

1.7 الموانئ: الحلقة الاقتصادية الحساسة
الموانئ معرضة بشكل خاص لأنها: قريبة من البحر، تحتوي على منشآت كبيرة، تعتمد على الكهرباء والطرق، وترتبط بسلاسل التوريد العالمية.
وتشير دراسة حول ميناء طنجة المتوسط إلى أن قابلية تشغيل منشآته ستتأثر بدرجات مختلفة بحسب سيناريوهات الارتفاع وفترة الزمن، وأن التخطيط للتكيف يمكن أن يقلل مخاطر فقدان التشغيل والتكاليف المستقبلية (Jebbad et al., 2022).

2.7 تكلفة عدم التكيف
يمكن تقسيم تكلفة ارتفاع مستوى البحر إلى:
• تكلفة مباشرة: تدمير المباني، إصلاح الطرق، حماية الموانئ، واستبدال الشبكات.
• تكلفة غير مباشرة: توقف التجارة، فقدان الوظائف، تراجع السياحة، ارتفاع أسعار التأمين، وانخفاض قيمة الأراضي.
• تكلفة اجتماعية: نزوح السكان، فقدان سبل العيش، وارتفاع عدم المساواة.
ولهذا فإن: عدم الاستثمار في التكيف اليوم قد يعني دفع تكلفة أكبر بكثير غداً.

3.7 العدالة المناخية في المدن الساحلية
ليس جميع السكان متساوين أمام البحر. فالأسر ذات الدخل المرتفع تستطيع: الانتقال، تأمين الممتلكات، ترميم مساكنها، والوصول إلى الخدمات. بينما قد تكون الأسر الفقيرة أكثر تعرضاً لأنها تعيش في: المناطق المنخفضة، المساكن الهشة، الأحياء غير المنظمة. ويؤكد IPCC أن المجتمعات الأقل دخلاً والمستوطنات غير الرسمية تواجه تعرضاً أعلى وقدرة أقل على التكيف (IPCC, 2022).
إذن: التكيف الساحلي يجب أن يكون عادلاً، وليس هندسياً فقط.

4.7 الهجرة المناخية من الداخل إلى الساحل
تقدم الحالة المغربية مفارقة مهمة. فالجفاف وتدهور سبل العيش في بعض المناطق الداخلية قد يدفعان السكان نحو المدن الساحلية. ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن الهجرة الداخلية المرتبطة بالمناخ يمكن أن تزيد الضغط على مدن مثل: أكادير، الرباط، طنجة، وغيرها من المراكز الساحلية (World Bank, 2021).
وهكذا قد يؤدي تغير المناخ إلى: جفاف الداخل، فهجرة نحو الساحل، زيادة السكان الساحليين، زيادة التعرض لارتفاع مستوى البحر.
إنها حلقة تستحق اهتماماً خاصاً في التخطيط الوطني.

8- نحو نظام وطني للإنذار الساحلي
ينبغي إنشاء منظومة تجمع: الأقمار الصناعية، محطات قياس مستوى البحر، الأرصاد الجوية، قياس الأمواج، خرائط الغمر، نظم المعلومات الجغرافية، والذكاء الاصطناعي.
لتحديد: أين؟ وومتى؟ وبأي مستوى؟ يمكن أن يصل خطر الغمر.

1.8 الذكاء الاصطناعي في إدارة السواحل
يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بـ: ارتفاع الأمواج، مستوى البحر، المد والجزر، الأمطار، العواصف، التضاريس، واستعمالات الأراضي.
وبذلك يمكن إنشاء: أي توأم رقمي للمدينة الساحلية.
يمكن من خلاله محاكاة:
• ماذا يحدث إذا ارتفع البحر 30 سم؟
• ماذا يحدث إذا ارتفع 50 سم؟
• ماذا يحدث عند اجتماع ارتفاع البحر مع عاصفة وأمطار غزيرة؟
وهذا النوع من النمذجة يمكن أن يساعد صانعي القرار على اختيار الاستثمارات الأكثر فعالية.

2.8 استراتيجية تكيف المدن الساحلية العربية يمكن تكوينها من ثلاث طبقات
أقترح في هذا المقال كخبير بيئي (مصطفى بنرامل) للمدن الساحلية العربية استراتيجية تكيف من ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: حماية؛ تتكون من حواجز بحرية، حماية الموانئ، استعادة الكثبان، حماية الأراضي الرطبة.
الطبقة الثانية: التكيف؛ تعتمد على رفع المباني، تحسين التصريف، بنية تحتية مرنة، نظم إنذار.
الطبقة الثالثة: الانسحاب المنظم؛ تكون في المناطق التي يصبح الدفاع عنها (مكلفاً جداً، أو غير مستدام بيئياً، أو شديد الخطورة). وهنا يجب أن يكون: أي الانسحاب المخطط والمنظم، وليس النزوح القسري بعد وقوع الكارثة.

3.8 خارطة طريق للمغرب حتى 2050
كما يمكن اقتراح كخبير بيئي (مصطفى بنرامل) برنامج وطني للمغرب يتكون من خمس مراحل:

المرحلة الأولى 2026-2030: المعرفة
• تحديث خرائط المخاطر الساحلية؛
• قياس مستوى البحر؛
• تحديد المناطق منخفضة الارتفاع؛
• إنشاء قاعدة بيانات وطنية.

المرحلة الثانية 2030-2035: التخطيط
• إدماج سيناريوهات ارتفاع البحر في وثائق التعمير؛
• تحديد مناطق عدم البناء؛
• تحديث معايير البنية التحتية.

المرحلة الثالثة 2035-2040: الاستثمار
• حماية المدن الأكثر تعرضاً؛
• استعادة الأراضي الرطبة والكثبان؛
• تحديث شبكات التصريف.

المرحلة الرابعة 2040-2045: المرونة
• توسيع البنية التحتية المقاومة للمناخ؛
• تطوير المدن الإسفنجية؛
• تعزيز الإنذار المبكر.

المرحلة الخامسة 2045-2050 المراجعة
• تقييم المخاطر الجديدة؛
• تحديث السيناريوهات؛
• إعادة توجيه الاستثمارات.

9- عشرة (10) إجراءات ذات أولوية
يمكن اختصار الاستراتيجية في عشر توصيات:
1. إنشاء نظام وطني للرصد المستمر لمستوى البحر.
2. إعداد أطلس وطني للمخاطر الساحلية.
3. وقف التوسع العمراني في المناطق شديدة الخطورة.
4. إدماج ارتفاع مستوى البحر في قوانين التعمير.
5. حماية واستعادة الأراضي الرطبة والكثبان.
6. تحديث شبكات تصريف مياه الأمطار.
7. رفع مرونة الموانئ والبنية التحتية الحيوية.
8. مراقبة تملح المياه الجوفية.
9. تطوير أنظمة الإنذار والإجلاء.
10. إنشاء صندوق وطني للتكيف الساحلي.

خلاصة استنتاجية
إن ارتفاع مستوى سطح البحر ليس سيناريو بعيداً عن الواقع، بل اتجاه مناخي مستمر يمكن قياسه اليوم. فقد وصل مستوى سطح البحر العالمي في 2024 إلى أعلى قيمة منذ بداية سجل الأقمار الصناعية، وارتفع بمعدل يقارب 4.7 ملم سنوياً خلال 2015–2024، أي أكثر من ضعف المعدل المسجل في 1993–2002 (WMO, 2025).
ويشير IPCC إلى أن مستوى البحر قد يرتفع بحلول 2100 بما يتراوح تقريباً بين 0.28 و0.55 متر في سيناريو الانبعاثات المنخفضة جداً، وبين 0.63 و1.01 متر في سيناريو الانبعاثات المرتفعة جداً (IPCC, 2023).

وبالنسبة للمغرب، فإن وجود 3,500 كيلومتر من السواحل، وتمركز نحو 60% من السكان و90% من النشاط الصناعي في المجال الساحلي، يجعل القضية جزءاً من الأمن الاقتصادي والعمراني والبيئي الوطني (World Bank, 2021) . كما أن تقديرات تعرض طنجة والدار البيضاء وغيرها من المدن تكشف أن تكلفة عدم الاستعداد يمكن أن تكون هائلة، خصوصاً عندما تتفاعل ظاهرة ارتفاع البحر مع التعرية والفيضانات والعواصف والأمطار القصوى والتوسع الحضري. وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم السياسات العامة لم يعد: هل سيرتفع مستوى سطح البحر؟
فالإجابة العلمية أصبحت واضحة: نعم.

بل السؤال الحقيقي هو: هل ستكون مدننا الساحلية مستعدة للعيش مع مستوى بحر أعلى، وعواصف أشد، وسواحل أكثر هشاشة؟
إن المدن التي ستنجح في القرن الحادي والعشرين لن تكون بالضرورة المدن التي تبني أكبر عدد من الحواجز البحرية، وإنما المدن التي تستطيع التخطيط مسبقاً، وحماية الطبيعة، وتوجيه التوسع العمراني، وتحديث البنية التحتية، وتوظيف التكنولوجيا، وحماية الفئات الهشة، واتخاذ قرارات استثمارية مبنية على سيناريوهات مناخية طويلة الأمد.
وبالنسبة للمغرب، فإن الانتقال من إدارة الساحل إلى إدارة مخاطر الساحل أصبح ضرورة استراتيجية، خصوصاً في ظل تسارع الاحترار العالمي وارتفاع مستوى البحر وتزايد الأحداث المناخية المتطرفة.

المراجع
1. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022). Climate change 2022: Impacts, adaptation and vulnerability. Cambridge University Press.
2. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2023). Climate change 2023: Synthesis report. IPCC.
3. Jebbad, R., Sierra, J. P., Mösso, C., Mestres, M., & Sánchez-Arcilla, A. (2022). Assessment of harbour inoperability and adaptation cost due to sea level rise: Application to the port of Tangier-Med (Morocco). Applied Geography, 138, 102623.
4. Organisation for Economic Co-operation and Development. (2025). National urban policy review of Morocco. OECD Publishing.
5. Snoussi, M., Ouchani, T., Khouakhi, A., & Niang-Diop, I. (2009). Impacts of sea-level rise on the Moroccan coastal zone: Quantifying coastal erosion and flooding in the Tangier Bay. Geomorphology, 107(1–2), 32–40.
6. World Bank. (2021). Climate risk country profile: Morocco. World Bank.
7. World Bank. (2021). Groundswell: Preparing for internal climate migration. World Bank.
8. World Bank. (2022). Morocco country climate and development report. World Bank.
9. World Meteorological Organization. (2025). State of the global climate 2024. WMO.

(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هل بدأت القارة تدفع فاتورة التغير المناخي؟ (02 – 02)

انخفاض منسوب نهري الراين والدانوب وتهديد اقتصاد أوروبا شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*)خبير بيئي، …

اترك تعليقاً