الضجيج اللغوي: حين تكثر الكلمات ويقل المعنى

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 16 يوليو 2026
ليست كل أشكال التلوث مرئية. ففي الدراسات البيئية يظهر مفهوم التلوث الضوضائي بوصفه أحد أنواع التلوث التي لا تفسد الهواء أو الماء، لكنها تُنهك الإنسان وتؤثر في تركيزه وتوازنه النفسي. فالمشكلة ليست في وجود الصوت ذاته، وإنما في تحوله إلى ضجيج مستمر يفقد الأذن قدرتها على التمييز والراحة.

وكما تتعب الضوضاء الأذن، قد تُرهق كثرة الكلام المعنى نفسه. فليست كل كثرة في الكلام دليلًا على حيوية، كما أن كثرة الأصوات ليست دليلًا على حياة أكثر. أحيانًا يتحول الخطاب إلى ضجيج لغوي؛ كلمات كثيرة، وأصوات مرتفعة، ونصوص طويلة، لكن المعنى فيها قليل، أو غائب أصلًا.

نرى ذلك في خطابات تمتلئ بالعبارات الكبيرة وتفتقر إلى الفكرة الواضحة، وفي اجتماعات يزداد فيها الكلام وتقل النتائج، وفي محتوى رقمي يتدفق بلا توقف، حتى يصبح المتلقي محاطًا بفيض من الكلمات التي تمر سريعًا دون أن تترك أثرًا حقيقيًا. وكأننا انتقلنا من مشكلة قلة الكلام إلى مشكلة فائضه.

وربما يظهر الضجيج اللغوي أحيانًا في صور أكثر هدوءًا وأناقة من مجرد ارتفاع الأصوات. فقد يجتمع الناس حول قضية مهمة، وتُرفع شعارات جميلة، وتتكرر العبارات ذاتها: اللغة هويتنا، اللغة تواجه التحديات، اللغة في خطر، اللغة أساس الحضارة. تبدو الكلمات في ظاهرها صحيحة، لكنها مع كثرة التكرار قد تتحول إلى قوالب جاهزة تنتقل من منصة إلى أخرى دون أن تنتج أسئلة جديدة أو حلولًا جديدة. وعندها لا تكون المشكلة في صحة الكلام، وإنما في توقفه عند حدود التكرار.

وقد يمنح الضجيج اللغوي انطباعًا زائفًا بالإنتاجية؛ فالمشهد يبدو ممتلئًا بالحركة والكتابة والتفاعل، بينما لا يحدث تقدم حقيقي في الفكرة أو المعرفة. تمامًا كما قد توحي الضوضاء في مكان مزدحم بالحيوية، مع أنها قد تخفي اضطرابًا في العمق.

وفي البيئة، ليست كثرة الأصوات علامة على وجود حياة صحية دائمًا؛ فقد تكون أحيانًا مؤشرًا على اضطراب يملأ المكان بالحركة ويترك أثرًا أقل مما يوحي به المشهد. واللغة أيضًا قد تحتاج أحيانًا إلى تقليل الضجيج وزيادة الأثر؛ إلى مشروع صغير يغيّر واقعًا، أكثر من حاجتها إلى خطاب كبير يعيد وصف المشكلة ذاتها.

ولهذا فإن الحاجة ليست دائمًا إلى مزيد من الكلام، وإنما إلى مزيد من المعنى. فاللغة لا تُقاس بعدد الكلمات التي ننتجها، وإنما بقدرتها على الإضاءة والتأثير. وكما تحتاج البيئة إلى مساحات من الهدوء، تحتاج اللغة أيضًا إلى مساحات من الصفاء؛ لأن المعنى، في كثير من الأحيان، يولد في المناطق الأقل ضجيجًا.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الكائنات الدخيلة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً