شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 25 مايو 2026
تُروى حكاية قديمة عن جبلٍ ظل صامدًا في وجه العواصف والسيول والرياح لقرون طويلة، حتى سُئل يومًا: ما الذي تخشاه بعد كل هذا الثبات؟ فأجاب: أخشى الفأر. تعجّب السائلون؛ فالجبل الذي لم تُسقطه الرياح، كيف يخاف مخلوقًا صغيرًا؟ فجاء الجواب أن العواصف تُرى وتُقاوَم، أما الفأر فيحفر بصمت، ويبدأ من الداخل، ويترك في الصخور شقوقًا صغيرة تتسع مع الزمن حتى تُضعف ما بدا راسخًا.
تسللت هذه الحكاية إلى ذاكرتي وأنا أكتب في مقال (رياح التغيير) عن جبل العربية الذي لا تهزه ريح، وبدا لي أن قصة الفأر والجبل يمكن أن تُسقط على اللغات أيضًا؛ فاللغات الكبيرة لا تنهار غالبًا بضربة واحدة، ولا تذوب فجأة أمام لغة أخرى، وإنما يبدأ الضعف فيها من أشياء صغيرة متسللة، تبدو في بدايتها عابرة أو غير مؤثرة، ثم تتحول مع الوقت إلى ما يشبه الكائنات الدخيلة في البيئة الطبيعية.
في علم البيئة، يُطلق مصطلح الكائنات الدخيلة على الكائنات التي تدخل نظامًا بيئيًا لا تنتمي إليه، فتُربك توازنه، وتنافس عناصره الأصلية، وقد تنتهي بإضعافها أو إقصائها. والبيئة اللغوية تعرف شيئًا مشابهًا؛ فبعض الألفاظ الوافدة، أو الأساليب المترجمة ترجمة ركيكة، أو المحتوى السريع الذي يشيع لغة مشوشة وفقيرة، لا يكون خطره في ظهوره المفاجئ، وإنما في تراكمه اليومي حتى يصبح مألوفًا.
قد يحدث انهيار صخري في جبل راسخ ثابت، ذلك أن شقوقًا صغيرة صنعتها كائنات دخيلة كانت تحضّر لهذا الانهيار في صمت. ومع الزمن اتصلت ببعضها حتى أضعفت البنية وأوهنت البناء. والبنية اللغوية، مثل الأبنية الكبرى، لا تنهار غالبًا من الضربات الظاهرة، وإنما من التشققات الصغيرة التي تتسلل إليها ببطء حتى تصبح جزءًا من تكوينها اليومي.
وليست المشكلة هنا في التفاعل بين اللغات؛ فالعربية نفسها لغة عرفت الأخذ والعطاء، واحتضنت الترجمة، واستوعبت مفردات من أمم كثيرة ثم أعادت صهرها داخل بنيتها الخاصة. الخطر يبدأ حين تدخل العناصر الوافدة دون حاجة حقيقية، أو دون قدرة على هضمها وإعادة تشكيلها، فتتحول اللغة من كائن حي قادر على الامتصاص والنمو إلى بيئة مضطربة تفقد انسجامها الداخلي.
ولهذا فإن حماية اللغة لا تعني إغلاق الأبواب والنوافذ، فالكائن الحي الذي يُغلق على نفسه تمامًا يختنق. لكنها تعني امتلاك جهاز مناعة لغوي؛ تعليم قوي، وذائقة لغوية واعية، ومؤسسات قادرة على إنتاج المصطلح الجيد والمحتوى الجيد والخطاب الجيد. فالبيئات القوية لا تخشى التفاعل، لأنها تملك القدرة على التمييز بين ما يغذيها وما يهدد توازنها.
وربما لهذا لم يكن الجبل يخشى الريح بقدر ما كان يخشى الفأر؛ فالكائنات الصغيرة المتسللة، حين تُترك طويلًا دون انتباه، قد تفعل ما لا تفعله العواصف الكبرى.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز