كيف تقود التقنية الحيوية سفينة الأمن الغذائي العربي في مواجهة التغير المناخي وشح المياه؟
عندما تصبح الحبة حصناً للأمن القومي المصري
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 22 يوليو 2026
في زمن يمر فيه كوكب الأرض بتحولات مناخية غير مسبوقة، وتتسارع فيه ظاهرة الاحتباس الحراري وتذبذب دورات الأمطار، يجد الإنسان نفسه أمام معادلة وجودية شاقة: كيف نوفر القوت لمليارات البشر بينما تتراجع الموارد المائية وتتدهور الأراضي الزراعية؟
إن التاريخ البيولوجي للحضارات الإنسانية لم يكن سوى صراع مستمر بين الإنسان والبيئة من أجل استئناس النبات وتطوير قدراته الإنتاجية. وفي قلب هذه الملحمة يقف نبات الأرز ليس كمجرد محصول زراعي تقليدي، بل شرياناً حيوياً يعتمد عليه أكثر من نصف سكان العالم في غذائهم اليومي. وفي منطقتنا العربية والإفريقية، الممتدة في أقاليم جافة وشبه جافة، تحول الأرز من محصول مستهلك للمياه إلى عنوان للتحدي العلمي والتكنولوجي.
كيف يمكن للوراثة والتقنية الحيوية أن تعيد تشكيل شفرة الحياة للنبات، ليصبح زاهداً في استهلاك المياه، متحملاً للملوحة، ومضاعفاً للإنتاج؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد فرضيات معملية مدونة في أوراق بحثية أكاديمية، بل تجسدت واقعاً حياً ملهمًا من خلال الشراكة الاستراتيجية بين أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ومركز البحوث الزراعية في مصر، عبر “المشروع القومي لتطوير إنتاجية الأرز الهجين والسوبر تحت ظروف ندرة المياه والتغيرات المناخية”.
إن هذا الإنجاز التطبيقي، الذي يقوده الأستاذ الدكتور حمدي فتوح الموافي وفريقه العلمي المتميز بمحطة البحوث الزراعية بسخا، لا يمثل مجرد طفرة زراعية محلية، بل يعلن دخول العالم العربي مرحلة جديدة من توطين تقنيات التربية الوراثية المتقدمة لإنتاج هجن وأصناف فائقة الإنتاجية، لتصبح مصر الدولة الثانية عالمياً بعد الصين في امتلاك بعض تقنيات العقم الذكري البيئي المستحث.
التحدي المناخي والبيئي:
تحول الأرز من “شارب للمياه” إلى “حارس للأمن الغذائي”
تُصنّف زراعة الأرز التقليدية تاريخياً بأنها واحدة من أكثر المنظومات الزراعية استهلاكاً للمياه؛ حيث تتطلب الأصناف القديمة الغمر المستمر بالمياه وفترات نمو طويلة تمتد لأكثر من 150 إلى 160 يوماً، مضحية بآلاف الأمتار المكعبة من المياه الثمينة مقابل إنتاجية محدودة. وفي ظل أزمة الشح المائي والتغير المناخي الراهن، أصبحت هذه المعادلة غير قابلة للاستدامة البيئية أو الاقتصادية.
تتضح معالم الإجهاد البيئي في المنطقة العربية عبر ثلاثة محاور أساسية:
1. الانخفاض الحاد في حصة الفرد من الموارد المائية العذبة.
2. ظاهرة زحف الملوحة في أراضي نهايات الترع والدلتا نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر وتداخل المياه الجوفية المالحة.
3. الموجات الحرارية المتطرفة التي تؤدي إلى عقم حبوب اللقاح وانخفاض معدل عقد الثمار في أصناف الأرز التقليدية.
وهنا يظهر دور التقنية الحيوية والوراثة الزراعية كمطياف إنقاذ؛ حيث أدرك العلماء أن الحل لا يكمن في تقليص المساحات المزروعة وحرمان الشعوب من سلتها الغذائية، بل في إعادة إنتاج الطراز المورفولوجي والفيزيولوجي لنبات الأرز ليكون أقصر قامة، وأعمق جذراً، وأسرع نضجاً، وأعلى قدرة على التمثيل الضوئي.
ثانياً: هندسة الوراثة والتربية الحديثة: الأسرار البيولوجية للأرز الهجين والسوبر
ارتكز المشروع القومي المصري على تضافر أحدث المفاهيم العلمية في علوم تربية النبات والوراثة الكمية لإنتاج فئتين رئيسيتين من التراكيب الوراثية:
الأرز الهجين والأرز السوبر.
1. بيولوجيا قوة الهجين
تستند تقنية الأرز الهجين إلى ظاهرة بيولوجية مجربة ومثبتة علمياً تُعرف بـ قوة الهجين. وتعني هذه الظاهرة التفوق النوعي والكمي للنبات الناتج عن تهجين سلالتين أبويتين نقيتين ومتباعدتين وراثياً، حيث يظهر جيل الأبناء الأول تفوقاً ملحوظاً في معدلات النمو، وكفاءة التمثيل الضوئي، ومقاومة الأمراض، وحجم المحصول، مقارنة بمتوسط الأبوين أو أفضل الأبوين.
ولتحقيق ذلك تجارياً على مستوى الحقل، واجه العلماء معضلة طبيعية: نبات الأرز نبات ذاتي التلقيح بنسبة تتجاوز 99%، لأن أزهاره خنثى ومغلقة. ولكي يتم إنتاج تقاوي الهجين بنسبة 100% وبكميات تجارية، كان لا بد من تحييد التلقيح الذاتي عبر التحكم الوراثي في عقم حبوب اللقاح.
2. تقنية العقم الذكري البيئي المستحث (ESMS)
نجح الفريق العلمي المصري برئاسة أ.د. حمدي الموافي في استنباط سلالات عقيمة الذكر بيئياً (Environmentally Sensitive Male Sterile – ESMS Lines) لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
تعتمد هذه التقنية المتقدمة على العقم الجيني الذي يتأثر بالعوامل البيئية، وينقسم إلى نوعين رئيسيين:
● العقم الذكري الجيني الحساس لدرجة الحرارة: حيث تكون السلالة عقيمة الذكر تماماً عند زراعتها في درجات حرارة مرتفعة (أعلى من 28-30 درجة مئوية)، مما يتيح استخدامها كـ “أم” يتم تلقيحها بصبغات لقاح من سلالة “أب” لتخزين تقاوي الهجين. وعند زراعتها في درجات حرارة منخفضة، تستعيد السلالة قدرتها على التلقيح الذاتي لتكثير تقاويها الأم بشكل مستدام.
● العقم الذكري الجيني الحساس للفترة الضوئية: حيث يتأثر العقم وإعادة الخصوبة بطول ساعات النهار.
هذا التطور الوراثي جعل مصر الدولة الثانية عالمياً بعد جمهورية الصين الشعبية في إتقان وتطبيق تقنية سلالات العقم الذكري البيئي، وهو ما يعد رصيداً تكنولوجياً ووراثياً فريداً للعلوم الزراعية العربية.
3. ثورة “الأرز السوبر” ومفهوم النمط النباتي المثالي
أما في مسار “الأرز السوبر” (Super Rice)، فقد اعتمدت المدرسة البحثية المصرية على إعادة تصميمه وفقاً لمفهوم النمط النباتي المثالي الذي أطلقه المعهد الدولي لبحوث الأرز (IRRI).
يتميز نبات الأرز السوبر بصفات مورفولوجية وفيزيولوجية قياسية:
● ساق قصيرة وقوية: مقاومة للرقاد، مما يسمح بزيادة التسميد دون خوف من انحناء النبات.
● أوراق قائمة وعريضة: تسمح بنفاذ الضوء إلى الأوراق السفلى، متيحة أعلى معدل تمثيل ضوئي واستفادة من الطاقة الشمسية.
● مجموع جذري عميق وسميك: يسمح بامتصاص الماء والعناصر الغذائية من طبقات التربة السفلى حتى في ظروف الجفاف.
● سنابل عملاقة: تحمل السنبلة الواحدة في الأرز السوبر ما بين 300 إلى 500 حبة، مقارنة بـ 120 إلى 150 حبة فقط في الأصناف التقليدية القديمة.
خريطة الأصناف المستنبطة: قراءة في الخصائص الإنتاجية والجينية
أسفر المشروع القومي القائم تحت مظلة التعاون بين الأكاديمية والمركز عن استنباط وتسجيل أكثر من 20 صنفاً وهجيناً وسلالة أبوية جديدة، ألقت بظلالها الإيجابية على الخريطة الزراعية.
1. الصنف العملاق “سخا سوبر 300”
يُطلق عليه المزارعون في الحقول لقب “الشبح” أو “الأرز العملاق” نظراً لشكله المورفولوجي القوي وإنتاجيته الاستثنائية:
● المحصول والإنتاجية: يحقق إنتاجية حقلية تتراوح بين 4.5 إلى 5.5 طن للفدان (تصل في بعض التقييمات النموذجية إلى 6 أطنان)، مقارنة بـ 3.5 إلى 4 أطنان للفدان للأصناف التقليدية.
● الترشيد المائي: يمتاز بأنه أرز جاف؛ حيث لا يحتاج للغمر المستمر بالمياه، بل يُروى بنظام المناوبة (كل 8 إلى 10 أيام). ويستهلك الفدان حوالي 4000 متر مكعب من المياه طوال الموسم، مقابل 6000 إلى 7000 متر مكعب للأصناف القديمة، موفراً أكثر من 30% إلى 40% من مياه الري.
● فترة النمو: تتراوح فترة مكوثه في الأرض بين 115 إلى 125 يوماً من النقع حتى الحصاد، وهو ما يوفر نحو شهر كامل من استهلاك المياه والخدمة الحقلية مقارنة بالأصناف القديمة (150-160 يوماً).
● تحمل الملوحة والإجهاد الحراري: تتحمل ملوحة التربة والمياه حتى 4000 جزء في المليون، مع احتفاظه بالمرونة الفيزيولوجية أثناء الموجات الحرارية العالية.
● ترشيد الأسمدة النيتروجينية: يحتاج فقط لشيكارتين من سماد اليوريا للفدان بدلاً من 3-4 شكائر للأصناف العادية، مما يقلل من الانبعاثات الكربونية والتلوث البيئي للتربة.
● تصافي التبييض: تصل نسبة تصافي التبييض فيه إلى 75%، وهي من أعلى النسب عالمياً، مما يرفع من قيمته التنافسية والتجارية في المطاحن.
[وصف الصورة: صورة حقلية مقارنة تظهر سنبلة صنف “سخا سوبر 300” الكثيفة والكبيرة الحجم بجوار سنبلة أرز تقليدية، مع عرض توضيحي لمعدل امتلاء الحبوب]
2. “جيزة بسمتي 201″ و”هجين بسمتي 11”
طالما كانت الدول العربية تعتمد اعتماداً كلياً على استيراد أرز البسمتي طويل الحبة ذي النكهة العطرية من دول جنوب آسيا بتكاليف استيرادية باهظة. نجح المشروع في كسر هذه التبعية من خلال:
● جيزة بسمتي 201: صنف بسمتي مصري تم استنباطه ليتلاءم مع الظروف المناخية المحلية، ويمتاز بطول الحبة ونسبة تمدد ممتازة عند الطهي مع إنتاجية عالية تتجاوز 4 أطنان للفدان.
● هجين بسمتي 11: يدمج بين القيمة العطرية وجودة الأكل العالية لأرز البسمتي وبين قوة النمو والإنتاجية المرتفعة للهجن، محققاً تأقلماً عالياً مع التربات شديدة التباين.
3. “هجين مصر 1” والأجيال السوبر الحديثة (سخا سوبر 301، 302، 303)
استمراراً لحماية الابتكارات الزراعية من ظاهرة “كسر المقاومة” التي تسببها الطفرات الجينية المفاجئة لفطريات الأمراض (مثل مرض لفحة الأرز، طور الفريق البحثي سلسلة أجيال حديثة مثل سخا سوبر 301، 302، و303 للتأكد من المحافظة على التنوع الجيني وتثبيت صفات المقاومة البيولوجية عبر الأجيال.
الاستدامة المائية والتأقلم مع التغيرات المناخية: قراءة في الأرقام والفيزيولوجيا
تتكامل التقنية الحيوية مع العلوم البيئية في تقييم كفاءة المحاصيل المستنبطة. إن خفض استهلاك المياه وزيادة المحصول يمثلان ما يُعرف في الأدبيات العلمية الحديثة بـ كفاءة استخدام المياه. هذا يعني أن كفاءة إنتاجية المتر المكعب الواحد من الماء قد تضاعفت لأكثر من الضعف (زيادة بنسبة 115%)، وهي قفزة فيزيولوجية زراعية هائلة تدعم إدارة الموارد المائية في الأقاليم التي تعاني من الشح المائي.
تُسهم الزراعة الجافة للأرز السوبر (الري كل 8-10 أيام) في الحد من فترات الغمر المائي الطويلة. والغمر المائي الدائم في مزارع الأرز التقليدية هو المسؤول الأول عن توفير بيئة خالية من الأكسجين تنشط فيها بكتيريا الميثان، مما يجعل الأرز التقليدي مصدراً لانبعاثات غاز الميثان – أحد أقوى غازات الاحتباس الحراري.
وبالتالي، فإن الانتقال إلى الأصناف السوبر والجافة يقلل بشكل مباشر من انبعاثات الميثان والغازات الدفيئة، محققاً هدفين بيئيين في وقت واحد: التكيف مع التغير المناخي والتخفيف من آثاره.
المردود الاقتصادي وتوطين صناعة التقاوي: تجسيد “اقتصاد المعرفة”
لا تكتمل قيمة الأبحاث العلمية المتقدمة إلا إذا تحولت إلى عائد مادي وتنموي يلمسه المواطن واقتصاد الدولة. وهنا نجح المشروع القومي للأرز الهجين والسوبر في تجسيد مفهوم اقتصاد المعرفة.
1. الوفر المالي المباشر وغير المباشر
● توفير العملة الأجنبية: ساهم استنباط التقاوي المحلية للأرز الهجين والبسمتي في تقليل الاستيراد من الخارج، موفراً ما يقرب من 300 مليون دولار سنوياً كان يتم إنفاقها في استيراد التقاوي والأرز الفاخر.
● زيادة العائد القومي: أضافت الأصناف الجديدة عوائد ملموسة للإنتاج المحلي تقدر بـ مئات الآلاف من أطنان الأرز الأبيض المباشر، بزيادة قيمتها مليارات الجنيهات لصالح المزارعين والمستهلكين.
● خفض تكاليف الإنتاج: من خلال توفير 30% من مياه الري، وتقليل جرعات الأسمدة النيتروجينية والمبيدات نتيجة المقاومة الوراثية للأمراض، ينخفض العبء المالي الاستثماري على كاهل المزارع الصغير.
2. التسويق التجاري ونقل التكنولوجيا
تجسد النموذج الإداري الناجح للمشروع في الاستفادة من الذراع التسويقي لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا؛ المتمثل في “شركة الأكاديمية لتسويق الابتكارات ومخرجات البحث العلمي ونقل وتوطين التكنولوجيا”.
تعمل هذه المنظومة على:
• تحويل حقوق الملكية الفكرية للبراءات والأصناف إلى عقود ترخيص تجاري مع شركات إنتاج التقاوي.
• إعادة توظيف العوائد المالية والتنسيقية الناجحة لدعم المعامل والمختبرات البحثية وشراء الأجهزة المتقدمة لضمان استدامة الابتكار والتربية الوراثية.
• ترسيخ مكانة مصر كـ مركز إقليمي لإنتاج وتسويق وتصدير تقاوي الأرز الهجين والسوبر والبسمتي إلى دول الشرق الأوسط وأفريقيا.
التقدير الدولي والتكامل المؤسسي الوطني
إن النتائج المبهرة التي حققها المشروع القومي للأرز الهجين والسوبر حظيت بتقدير دولي وأكاديمي واسع النطاق، مما يثبت دقة ورصانة الأبحاث العلمية المصرية:
1. الميدالية الذهبية بمعرض جنيف الدولي للاختراعات (2022):
حصد الصنف “سخا سوبر 300” الميدالية الذهبية في معرض جنيف الدولي للاختراعات – أحد أكبر المحافل الدولية للابتكار – متفوقاً على ابتكارات قدمتها عشرات الدول، تقديرًا لخصائصه المبتكرة في توفير المياه والإنتاجية الفائقة وتحمل ظروف التغير المناخي.
2. جائزة الأمن الغذائي العربي (2023):
تتويجاً للمشروع كأحد أفضل الابتكارات التطبيقية المعنية بحل أزمة الغذاء والنقص المائي في الوطن العربي.
3. جائزة جامعة الدلتا للأمن الغذائي:
تكريماً للمردود التطبيقي والميداني للمشروع في حقول المزارعين بالدلتا والصعيد.
التكامل بين مؤسسات الدولة
وفي هذا الصدد، أوضح الأستاذ الدكتور ممدوح معوض (القائم بأعمال رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا) أن هذا الإنجاز البيولوجي والتطبيقي الرائد يعكس بجلاء استراتيجية الأكاديمية الممتدة في جسر الفجوة التاريخية بين أبحاث المعامل والمختبرات المفهومية والقطاع الإنتاجي والميداني، عبر تحويل المخرجات والابتكارات العلمية إلى تطبيقات اقتصادية وصناعية ذات أثر مباشر وملموس على المجتمع. وأكد سيادته أن الأكاديمية لم تعد تكتفي بدعم النشر العلمي الأكاديمي مجرداً، بل تبنّت فلسفة استراتيجية تقوم على توجيه التمويل البحثي نحو المشروعات القومية الموجهة بحسب الاحتياجات التنموية، ومحاربة ما يُعرف في أدبيات السياسات العلمية بـ “وادي الموت للبحث العلمي”– وهو المرحلة الحرة والشاقة الممتدة بين الاكتشاف المعملي الأولي وتطوير المنتج التجاري القابل للتطبيق في الحقول والأسواق.
وأشار د. ممدوح معوض إلى أن تجسيد هذا النجاح جاء عبر تدشين وتسخير منظومة متكاملة لدعم الابتكار، تشمل مكاتب نقل وتوطين التكنولوجيا (TICO) والتحالفات التكنولوجية والصناعية القومية، بالإضافة إلى الذراع التسويقي المؤسسي المتمثل في “شركة الأكاديمية لتسويق الابتكارات ومخرجات البحث العلمي ونقل وتوطين التكنولوجيا”. وتعمل هذه المنظومة على حماية حقوق الملكية الفكرية للبراءات الزراعية والأصناف المبتكرة وإتاحتها عبر عقود ترخيص تجارية عادلة لشركات إنتاج التقاوي والمؤسسات الزراعية الوطنية. إن هذا التحول الفكري والمؤسسي يبرهن على أن رأس المال المعرفي والابتكار الجيني قادريْن على أن يكونا القاطرة الحقيقية لدعم الناتج المحلي الإجمالي، وتخفيف الضغط عن كاهل الميزانية العامة والعملة الأجنبية، وتحويل نتائج التجارب المعملية الصارمة إلى غذاء مستدام وأمن قومي حقيقي يلمس أثره المزارع في حرثه والمواطن في قوته اليومي.
ومن جانبه، أكد الأستاذ الدكتور عادل عبد العظيم (رئيس مركز البحوث الزراعية) أن هذا المشروع يمثل النموذج الأمثل للتكامل المؤسسي الذي يبرهن على قدرة الباحث العربي على تطوير حلول مستدامة لترشيد المياه وتعزيز القدرة التنافسية للقطاع الزراعي.
التوصيات المستقبلية
إن قصة نجاح الأرز الهجين والسوبر في مصر تقدم درساً بليغاً لكل بلدان المنطقة العربية: إن العلوم المتقدمة والتقنية الحيوية ليست رفاهية أكاديمية، بل هي خط الدفاع الأول عن وجودنا واستقلالنا الغذائي والمائي.
إن هذا المشروع أثبت إمكانية تطويع الوراثة والتربية النباتية لإنتاج غذاء أكثر بمياه أقل وتحت ظروف مناخية أشد قسوة. ولكي نستثمر هذه الطفرة العلمية ونعمم فوائدها على الامتداد العربي والإقليمي، نضع التوصيات الاستراتيجية والتفصيلية التالية:
توصيات ختامية هامة واستراتيجية:
1. التوسع في تطبيق الزراعة الجافة للهجن والسوبر: إقرار خطط زراعية وطنية تعتمد الأصناف المستنبطة (مثل سخا سوبر 300) في كل المناطق الزراعية المعرضة للشح المائي أو الملوحة.
2. إنشاء بنك وراثي عربي مشترك للهجن النباتية: تعزيز التعاون بين المراكز البحثية العربية لتبادل السلالات الأبوية وتطوير هجن تتكيف مع البيئات الصحراوية والشديدة الجفاف.
3. دعم شركات نقل وتوطين التكنولوجيا: تأسيس شبكات تسويق نقل التكنولوجيا لربط المخرجات البحثية بالقطاع الخاص والشركات الاستثمارية الزراعية.
4. تفعيل الإرشاد الزراعي الرقمي: استخدام التطبيقات الذكية لإرشاد المزارعين بالأساليب السمادية والمائية الدقيقة الخاصة بالأصناف السوبر والهجين (تجنب الإسراف في النيتروجين وتنظيم مناوبات الري).
5. تنسيق وتجميع الجهود البحثية في مجال التقنية الحيوية والوراثة الزراعية:
إن تسارع التغيرات المناخية يفرض علينا حتمية بناء وتطوير شبكات بحثية علمية مشتركة (Arab Biotechnology & Genomic Research Networks) تضم الكوادر والمختبرات في مصر والخليج وكافة الدول العربية لمواجهة المخاطر المستقبلية المتشابكة، وتتحقق هذه الاستراتيجية الشاملة من خلال خمسة محاور عملية متكاملة:
○ أ. تقنيات التحرير الجيني والهندسة الوراثية المتقدمة (CRISPR-Cas System & Precision Breeding):
لم تعد أساليب التهجين التقليدية وحدها كافية لمواكبة التغير السريع في المناخ، بل أصبحت الحاجة ماسة لاستخدام أدوات التحرير الجيني الدقيق مثل تقنية كريسبر (CRISPR-Cas9) لاستهداف جينات محددة مسؤولة عن الإجهاد البيئي، مثل جينات تنظيم التوازن الأسموزي (Osmoregulation Genes)، وجينات عوامل الاستجابة للجفاف (DREB/WRKY Transcription Factors). تتيح هذه التقنيات اختصار زمني هائل لعمليات التربية يمتد من 8-10 سنوات إلى سنتين أو ثلاث سنوات فقط.
○ ب. الهرم الجيني والمقاومة متعددة السلالات (Gene Pyramiding & Disease Resistance):
مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، تظهر سلالات وطفرات مرضية جديدة وأكثر شراسة من الفطريات والبكتيريا (مثل طفرات مرض لفحة الأرز Magnaporthe oryzae والبكتيريا المسببة لمرض اللفحة البكتيرية Xanthomonas oryzae). لذلك يستوجب التنسيق البحثي استخدام التربية بمساعدة المعلمات الجزيئية (Marker-Assisted Selection – MAS) لتجميع وتدشين عدة جينات مقاومة مختلفة داخل صنف واحد (ما يُعرف بالهرم الجيني Gene Pyramiding)، مما يحول دون قدرة الممرض على كسر مقاومة النبات على المدى البعيد.
○ ج. مواجهة الإجهاد الحراري وتأثيره على الخصوبة وحبوب اللقاح:
تؤدي موجات الحرارة المتطرفة المرتفعة أثناء مرحلة التزهير (أعلى من 35 درجة مئوية) إلى عقم حبوب اللقاح وفشل عملية الإخصاب. يتطلب هذا المحور البحثي دعم مشاريع دراسة بروتينات الصدمة الحرارية، وآليات الحماية الخلوية، واستنباط سلالات ذات متك وحبوب لقاح تتمتع بمرونة حرارية عالية تضمن استمرار عقد الثمار حتى تحت أشد ظروف الصيف قسوة.
○ د. المنصات المفتوحة للمعلوماتية الحيوية والجينوم الزراعي
إنشاء قاعدة بيانات علمية عربية موحدة لبنوك الجينات والأنماط الجينية للأنواع والأقارب البرية للأرز والمحاصيل الاستراتيجية. هذه الأقارب البرية تختزن صفات وراثية نادرة للتحمل الفائق للجفاف والملوحة والقسوة البيئية، ومن شأن تحليل مسلسلات القواعد النيتروجينية لها أن يزود الباحثين بمخزون لا ينضب من الجينات النافعة.
○ هـ. التحالفات البحثية الإقليمية وشبكات الإنذار الوراثي المبكر:
تأسيس شبكة إنذار مبكر لرصد السلالات الممرضة المترصدة بالمحاصيل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتبادل المادة الوراثية والسلالات الأبوية المصرح بها وفق الأطر القانونية ومعايير الملكية الفكرية الدولية، مع تدريب شباب الباحثين العرب على تقنيات التحليل الجيني متعدد الأومكس للنهوض بالقدرات الاستباقية للقطاع الزراعي العربي.
هاشتاجات:
#الأرز_الهجين – #الأرز_السوبر – #سخا_سوبر_300 – #التقنية_الحيوية – #الوراثة_الزراعية – #الأمن_الغذائي_العربي – #ترشيد_المياه – #التغير_المناخي – #توطين_التكنولوجيا – #مركز_البحوث_الزراعية – #أكاديمية_البحث_العلمي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز