شبكة بيئة ابوظبي، بقلم فؤاد خوري، حابا، سوريا 14 آب 2026
في اسمها شيء يشبه أهلها؛ فـ «حابا» في الآرامية تعني حسن الضيافة، وكأن القرية حملت في اسمها منذ زمن بعيد صفة من صفات ناسها، وظلت تحفظها جيلاً بعد جيل.
ترتفع حابا أقل من أربعمئة متر عن سطح البحر، وتبعد نحو 18 كيلومتراً عن مدينة صافيتا، و45 كيلومتراً عن مدينة طرطوس، فيما يفصلها عن البحر، بخط النظر، قرابة 38 كيلومتراً. قرية سورية بسيطة، تستريح بين خضرة الأرض وذاكرة أناس عاشوا عليها وتركوا في ترابها شيئاً من حكاياتهم.
ومن بين أشجار حابا، بقيت شجرة الزيتون صاحبة المكانة الأهم. زرعها الأوائل منذ نحو مئتي عام، ولم تكن بالنسبة إليهم مجرد شجرة تعطي محصولاً، بل كانت جزءاً من حياة الأسرة واقتصادها وذاكرتها. كبرت الأشجار مع الناس، وتعاقبت عليها الأجيال، حتى غدا الزيتون واحداً من ملامح القرية التي يصعب أن نتخيل حابا من دونها.
ومع انتشار زراعة الزيتون، عرفت القرية صناعة الزيت منذ وقت مبكر، وكان فيها أكثر من خمس معاصر قديمة تعتمد على حجر البازلت لهرس ثمار الزيتون واستخلاص زيتها. كان الحجر يدور، والموسم يبدأ، وتجتمع حول المعاصر حكايات المزارعين وتعب سنة كاملة وانتظار محصول الأرض.
وظلت هذه الطريقة التقليدية مستخدمة حتى عام 1941، عندما شهدت حابا تحولاً مهماً في تاريخ صناعة الزيت فيها.
ففي ذلك العام، قام إبراهيم زيد الخوري، المولود عام 1900 والمعروف بـ«أبو زيد»، بتركيب أول معصرة زيتون حديثة تعمل على الديزل. ولم تكن المعصرة تخدم حابا وحدها، بل كانت، في ذلك الوقت، مقصداً لجميع أهالي قرى وادي النصارى، من قلعة الحصن وصولاً إلى قرى صافيتا الشرقية.
وهكذا تحولت المعصرة في موسم الزيتون إلى مكان يتجاوز وظيفته الإنتاجية. يأتي إليها الناس بمحاصيلهم، ينتظرون دورهم، يتبادلون الأخبار والحكايات، ثم يعود كل منهم بزيت أرضه وتعب عام كامل.
استمرت معصرة أبو زيد، أو «المكبس» كما عرفها أهل المنطقة، في العمل حتى عام 1985، حين بدأت المعاصر الحديثة التي تعتمد تقنيات الفصل الآلي للزيت بالانتشار. أما مكبس أبو زيد فكان يعتمد طريقة الترقيد أو الفصل على البارد، وهي واحدة من الطرق القديمة التي عرفها أبناء ذلك الجيل جيداً.
واليوم، ما زالت صناعة زيت الزيتون حاضرة في حابا. ففي القرية معصرة يملكها بسام توفيق جريج وإخوته، وأخرى يملكها أبناء المرحوم إلياس حنا ديب.
أما معصرة أبو زيد القديمة، فلم تختفِ تماماً. فقد اختار أبناؤه أن يمنحوها حياة أخرى، وحولوها إلى مطعم حمل اسم «مطعم أبو زيد»، تيمناً بصاحب المعصرة إبراهيم زيد الخوري، المعروف بين الناس بأبو زيد.
وربما في هذه الحكاية الصغيرة شيء من حكاية حابا نفسها؛ فالأماكن لا تموت حين تتوقف الآلات عن الدوران، ما دام هناك من يحفظ أسماء أصحابها وقصصهم.
لقد توقف حجر المعصرة، وسكت المكبس، وتغيرت طرق استخراج الزيت، لكن أشجار الزيتون ما زالت هناك. تقف على أرض حابا كما وقفت منذ أجيال، تحمل في جذوعها ذاكرة الذين زرعوها، وفي أغصانها تعب الذين اعتنوا بها، وفي ثمارها رزق الذين ما زالوا ينتظرون موسمها كل عام.
وحين تعيش شجرة في أرض سورية مئتي عام، فهي لا تعود مجرد شجرة؛ بل تصبح جزءاً من ذاكرة المكان.
وحابا واحدة من آلاف القرى السورية التي قد تبدو صغيرة على الخريطة، لكنها كبيرة بما تختزنه من حكايات الناس والأرض والعمل. ومن هذه الحكايات البسيطة تتشكل الذاكرة السورية؛ ذاكرة لا تصنعها المدن الكبرى وحدها، بل تصنعها أيضاً قرية صغيرة، وشجرة زيتون، وحجر معصرة، ورجل قرر ذات يوم أن يأتي بآلة جديدة إلى قريته.
وهكذا تبقى حابا… قرية تحمل حسن الضيافة في اسمها، والزيتون في أرضها، وحكايات أهلها في ذاكرتها.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز