بين الاستراتيجيات الحكومية القطاعية وتداعيات التغيرات المناخية: دراسة تحليلية مقارنة مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 26 يوليو 2026
الفصل الأول: واقع الغابات بالمغرب وتطور حرائق الغابات خلال الفترة (2021–2025)
المبحث الأول: واقع الغابات بالمغرب وأهميتها البيئية والاقتصادية
1.1 الغطاء الغابوي بالمغرب : الخصائص والتوزيع المجالي
يشكل المجال الغابوي بالمغرب أحد أهم المكونات الاستراتيجية للرأسمال الطبيعي الوطني، بالنظر إلى أدواره البيئية والاقتصادية والاجتماعية المتعددة. وتبلغ المساحة الغابوية الوطنية حوالي 9 ملايين هكتار، أي ما يقارب 12.7% من المساحة الإجمالية للمملكة، تضم الغابات الطبيعية والأحراش ومناطق الحلفاء، مما يجعل المغرب من بين الدول ذات التنوع الإيكولوجي المرتفع بمنطقة البحر الأبيض المتوسط (ANEF, 2024؛ FAO, 2024).
وتتوزع الغابات المغربية بشكل غير متجانس تبعاً للخصائص المناخية والطبوغرافية، حيث تتركز الكثافة الغابوية أساساً في سلاسل الريف والأطلس المتوسط والأطلس الكبير وبعض المناطق الأطلسية، بينما تقل كثافتها بالمناطق الجنوبية وشبه الصحراوية. وتتميز هذه الغابات بتنوع كبير في أصنافها النباتية، من أهمها غابات الأرز بالأطلس المتوسط، وغابات البلوط الفليني بالريف والمعمورة، وغابات العرعار بالأطلس الكبير، وغابات الأركان بسوس، إضافة إلى غابات الصنوبر الحلبي والكاليبتوس التي تمثل جزءاً مهماً من برامج التشجير الوطنية (FAO, 2024).
ويُصنف المغرب ضمن أبرز النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي (Mediterranean Biodiversity Hotspot)، إذ تحتضن غاباته آلاف الأنواع النباتية والحيوانية، من بينها عدد كبير من الأنواع المتوطنة والمهددة بالانقراض، وهو ما يمنحها قيمة إيكولوجية عالمية. كما تؤدي هذه الغابات أدواراً حيوية في حماية التربة من الانجراف، وتنظيم الدورة الهيدرولوجية، وتغذية الفرشات المائية، والحد من الفيضانات، ومكافحة التصحر، فضلاً عن مساهمتها في امتصاص ثاني أكسيد الكربون والتخفيف من آثار التغيرات المناخية (IPCC, 2023).
اقتصادياً، تساهم الغابات في توفير الخشب والفلين والنباتات الطبية والعطرية، وإنتاج العسل، والرعي، والسياحة البيئية، كما تشكل مورداً أساسياً لآلاف الأسر القروية التي تعتمد عليها في أنشطتها اليومية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من سبعة ملايين مواطن يستفيدون بشكل مباشر أو غير مباشر من الخدمات البيئية والاقتصادية التي توفرها المنظومات الغابوية بالمغرب (ANEF, 2024).
ورغم هذه الأهمية، تعرف الغابات المغربية ضغوطاً متزايدة نتيجة التوسع العمراني، والرعي الجائر، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، وتكرار موجات الجفاف، إضافة إلى تزايد حرائق الغابات، مما أدى إلى تراجع جودة العديد من النظم الإيكولوجية وارتفاع معدلات تدهور الغطاء النباتي (World Bank, 2022).
1.2 الغابات المغربية في مواجهة التغيرات المناخية
أكدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تُعد من أكثر المناطق تأثراً بظاهرة الاحترار العالمي، حيث ارتفع متوسط درجات الحرارة بحوالي 1.5 إلى 2 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، مع توقع استمرار هذا الارتفاع خلال العقود المقبلة، وهو ما ينعكس مباشرة على الغابات من خلال زيادة الإجهاد المائي، وانخفاض رطوبة التربة، وتكرار موجات الحر والجفاف (IPCC, 2023).
وفي المغرب، سجلت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الأيام الحارة، وتراجعاً في معدلات التساقطات، وزيادة في تواتر موجات الحر، وهي عوامل تؤدي إلى جفاف الكتلة النباتية وتحولها إلى وقود سريع الاشتعال. كما تسهم الرياح الشرقية القوية (الشركي) في تسريع انتشار النيران، خاصة خلال شهري يوليوز وغشت، اللذين يمثلان ذروة موسم حرائق الغابات (ANEF, 2024).
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التغيرات المناخية لا تؤدي فقط إلى ارتفاع عدد الحرائق، بل تزيد أيضاً من شدتها ومدتها وصعوبة السيطرة عليها، وهو ما يفرض الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الحريق إلى منطق الوقاية الاستباقية والتكيف مع المخاطر المناخية (UNEP, 2022).
المبحث الثاني: تطور حرائق الغابات بالمغرب (2021–2025)
2.1 الاتجاهات العامة
عرف المغرب خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025 تذبذباً في عدد حرائق الغابات والمساحات المتضررة، حيث ارتبطت هذه التغيرات أساساً بالظروف المناخية، ولا سيما موجات الحر والجفاف، إضافة إلى فعالية التدخلات الوقائية والاستباقية. وقد سجلت سنة 2022 إحدى أكثر السنوات خطورة، نتيجة تزامن موجات حر استثنائية مع انخفاض رطوبة الغطاء النباتي، بينما شهدت سنتا 2024 و2025 تحسناً نسبياً بفضل تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ورفع جاهزية فرق التدخل، وتوسيع برامج المراقبة الجوية والفضائية (ANEF, 2024؛ EFFIS, 2025).

يتضح من الجدول السابق أن سنة 2022 شكلت نقطة تحول في سجل حرائق الغابات بالمغرب، حيث ارتفعت المساحة المتضررة إلى أكثر من 22 ألف هكتار نتيجة موجات الحر القياسية التي شهدتها المملكة، بينما انخفضت المساحات المحترقة بشكل ملحوظ خلال سنتي 2024 و2025، وهو ما يعكس تحسن فعالية منظومة الوقاية والتدخل السريع، رغم استمرار تسجيل عدد معتبر من الحرائق.

2.2 الخصائص الموسمية لحرائق الغابات
تشير المعطيات الوطنية إلى أن أكثر من 80% من الحرائق تندلع خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى شتنبر، مع تسجيل الذروة خلال شهري يوليوز وغشت، حيث تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع انخفاض الرطوبة النسبية وهبوب الرياح الشرقية الجافة، مما يسرع انتشار ألسنة اللهب ويزيد من صعوبة عمليات الإخماد (ANEF, 2024).
وتؤكد بيانات كوبرنيكوس (Copernicus, 2024) أن معظم الحرائق الكبرى بالمغرب تقع ضمن المناطق ذات الكثافة الغابوية المرتفعة، خاصة غابات الريف التي تتميز بتضاريس وعرة تعيق وصول فرق التدخل، وهو ما يفسر الحاجة إلى الاعتماد على الطائرات المتخصصة وتقنيات الرصد الفضائي.
المبحث الثالث: العوامل المؤثرة في حرائق الغابات بالمغرب
يمكن تصنيف العوامل المفسرة لتزايد حرائق الغابات إلى ثلاثة أصناف رئيسية:
أولاً: العوامل المناخية
• ارتفاع درجات الحرارة. – تواتر موجات الحر، انخفاض التساقطات، الجفاف طويل الأمد، انخفاض رطوبة الغطاء النباتي والرياح القوية.
وتؤكد تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن هذه العوامل أصبحت أكثر تواتراً بمنطقة البحر الأبيض المتوسط خلال العقدين الأخيرين، وهو ما يرفع من قابلية الغابات للاشتعال (IPCC, 2023).
ثانياً: العوامل البشرية
تمثل الأنشطة البشرية السبب الرئيس لمعظم حرائق الغابات بالمغرب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتشمل الإهمال أثناء التنزه، وإشعال النيران، وحرق المخلفات الزراعية، والاستغلال غير المشروع للغابات، والتوسع العمراني، وبعض الأعمال الإجرامية. وتشير تقارير الوكالة الوطنية للمياه والغابات إلى أن نسبة كبيرة من الحرائق ترتبط بالسلوك البشري، الأمر الذي يبرز أهمية برامج التوعية والوقاية (ANEF, 2024).
ثالثاً: العوامل البيئية
تشمل كثافة الغطاء النباتي، وتراكم الكتلة الحيوية الجافة، ووعورة التضاريس، وبعد بعض المناطق الغابوية عن مراكز التدخل، وهي عوامل تزيد من سرعة انتشار الحرائق وتعقد عمليات الإخماد.
خلاصة الفصل
يُبرز تحليل واقع الغابات بالمغرب أنها تمثل رصيداً استراتيجياً للتنوع البيولوجي والتنمية المستدامة، إلا أنها تواجه تحديات متزايدة ناجمة عن التغيرات المناخية والضغوط البشرية. كما أظهرت المعطيات الإحصائية أن الفترة 2021–2025 تميزت بتفاوت واضح في عدد الحرائق والمساحات المتضررة، مع تسجيل سنة 2022 أعلى مستويات الخسائر، مقابل تحسن ملحوظ في سنتي 2024 و2025 بفضل تعزيز منظومة الوقاية والتدخل. ويشكل هذا الواقع منطلقاً لتقييم فعالية الاستراتيجية الحكومية المغربية، وهو ما سيتم تناوله في الفصل الموالي، مع مقارنته بتجارب عدد من الدول المتوسطية.
(*) مصطفى بنرامل
استشاري مغربي في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، بخبرة تفوق 25 سنة في التأطير وتطوير البرامج. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. حاصل على عدة شهادات متخصصة في تكوين المكونين وتدبير الكوارث من جامعات ومؤسسات دولية ووطنية مرموقة. ساهم في تصميم وتنفيذ برامج التربية البيئية والمناخية وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة لدى مختلف الفئات.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز