شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 13 أغسطس 2026
عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة التنمية المستدامة 2030 بأهدافها السبعة عشر، كان ينظر إليها في البداية باعتبارها إطاراً دولياً لمعالجة قضايا الفقر، والتعليم، والصحة، والمناخ، والمياه، والطاقة، والمدن، والاقتصاد. إلا أن التطبيق العملي لهذه الأهداف خلال العقد الأخير كشف حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن تحقيق معظمها يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على القرارات والحلول الهندسية.
فالسياسات العامة تستطيع أن تحدد الرؤية، والتشريعات تستطيع أن تنظم التنفيذ، والتمويل يستطيع أن يسرّع الإنجاز، غير أن تحويل هذه العناصر إلى واقع ملموس يظل رهناً بقدرة المهندس على تصميم حلول قابلة للتطبيق، وآمنة، وذات جدوى اقتصادية، ومستدامة بيئياً واجتماعياً. ومن هنا، أصبحت الهندسة اللغة العملية التي تُترجم من خلالها أهداف التنمية المستدامة إلى مشاريع وبنى تحتية وخدمات وأنظمة تؤثر في حياة الناس.
إن هذا التحول يفرض إعادة النظر في الصورة التقليدية للهندسة بوصفها مهنة تقنية، إذ بات المهندس اليوم مسؤولاً عن تصميم منظومات متكاملة تراعي دورة حياة المشروع بأكملها، وتأخذ في الاعتبار أثره على البيئة، وكفاءة استخدام الموارد، ومرونة المجتمعات، وعدالة توزيع المنافع بين الأجيال الحالية والمقبلة.
الهندسة… القاسم المشترك بين معظم أهداف التنمية المستدامة
عند تحليل أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، يتضح أن عدداً كبيراً منها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالهندسة، ليس بوصفها قطاعاً منفصلاً، بل باعتبارها أداة تنفيذ رئيسية.
ففي الهدف السادس المتعلق بالمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، يعتمد النجاح على تصميم شبكات المياه، ومحطات التحلية والمعالجة، وإدارة الموارد المائية، وتقنيات إعادة الاستخدام، وهي جميعها اختصاصات هندسية متقدمة.
أما الهدف السابع الخاص بالطاقة النظيفة وبأسعار معقولة، فلا يمكن تحقيقه دون تطوير محطات الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، وتصميم الشبكات الذكية، وتخزين الطاقة، والهيدروجين الأخضر، وهي مجالات تقودها الهندسة الحديثة.
وفي الهدف التاسع المرتبط بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، تمثل الهندسة الركيزة الأساسية لبناء بنية تحتية مرنة، وتعزيز الابتكار الصناعي، وتطوير التقنيات المتقدمة، وتحسين الإنتاجية.
كما يعتمد الهدف الحادي عشر الخاص بالمدن والمجتمعات المستدامة على قدرة المهندسين على تصميم مدن ذكية، وشبكات نقل منخفضة الانبعاثات، ومبانٍ عالية الكفاءة، ومساحات حضرية أكثر ملاءمة للإنسان والبيئة.
أما الهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي، فهو ربما أوضح مثال على التحول الذي شهدته المهنة، إذ أصبحت الهندسة مسؤولة عن تصميم حلول التخفيف من الانبعاثات، والتكيف مع آثار تغير المناخ، وحماية البنية التحتية من الظواهر المناخية المتطرفة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز مرونة المجتمعات.
ومن هنا، لم تعد الهندسة قطاعاً يخدم التنمية المستدامة، بل أصبحت إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمد عليها لتحقيق أهدافها.
من بناء المشروعات إلى بناء المنظومات
لقد كان نجاح المشروع الهندسي في الماضي يقاس بمدى الالتزام بالمواصفات الفنية والجدول الزمني والميزانية المقررة. أما اليوم، فقد اتسع نطاق التقييم ليشمل أسئلة أكثر عمقاً:
• هل يحقق المشروع كفاءة في استهلاك الطاقة؟
• هل يقلل الانبعاثات الكربونية؟
• هل يحافظ على الموارد الطبيعية؟
• هل يعزز العدالة في الوصول إلى الخدمات؟
• هل يستطيع الصمود أمام المخاطر المناخية؟
• وهل يترك أثراً إيجابياً طويل الأمد في المجتمع؟
إن هذه الأسئلة تعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة العمل الهندسي، حيث لم يعد التركيز على المنتج النهائي وحده، بل على الأثر الذي يتركه المشروع طوال دورة حياته. ولذلك أصبح مفهوم التفكير المنظومي أحد أهم المهارات المطلوبة للمهندس المعاصر، لأنه يساعد على فهم العلاقات المعقدة بين البيئة والاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا، بدلاً من التعامل مع كل عنصر بصورة منفصلة.
الاستدامة تبدأ من لوحة التصميم
من أكثر المفاهيم التي شهدت تطوراً خلال السنوات الأخيرة ما يعرف بـ “الاستدامة بالتصميم”، وهو مبدأ يقوم على دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية والاقتصادية منذ المراحل الأولى لتصميم المشروع، بدلاً من محاولة معالجة الآثار السلبية بعد التنفيذ.
فعندما يختار المهندس مواد بناء منخفضة الانبعاثات، أو يصمم مبنى يستهلك نصف كمية الطاقة مقارنة بالمباني التقليدية، أو يدمج أنظمة حصاد مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه، أو يخطط لمدينة تقلل الحاجة إلى التنقل بالمركبات الخاصة، فإنه لا يقدم حلاً هندسياً فحسب، بل يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بصورة مباشرة.
وهذا التحول يؤكد أن الاستدامة لم تعد مرحلة إضافية تُلحق بالمشروع، وإنما أصبحت جزءاً أصيلاً من عملية التصميم نفسها.
البنية التحتية في عصر المخاطر العالمية
لقد كشفت الأزمات المتلاحقة، من جائحة كوفيد-19 إلى موجات الحرارة القياسية والفيضانات والحرائق، أن البنية التحتية التقليدية لم تعد كافية لمواجهة عالم تتزايد فيه المخاطر وتعقيداتها.
ولهذا ظهر مفهوم البنية التحتية المرنة، التي لا تكتفي بالقيام بوظيفتها في الظروف العادية، بل تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها والتعافي بسرعة عند التعرض للأزمات والكوارث.
ويؤدي المهندس دوراً محورياً في تصميم هذه المنظومات من خلال دمج اعتبارات المخاطر المناخية، والمرونة التشغيلية، والاستدامة المالية، والأمن السيبراني، والاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأعطال وإدارة الأصول.
إن هذا التحول يوضح أن الهندسة أصبحت أداة لتعزيز الأمن الوطني والاقتصادي والبيئي، وليس مجرد وسيلة لإنشاء البنية التحتية.
من الكفاءة إلى صناعة الأثر
من أهم التحولات الفكرية التي ينبغي أن تستوعبها المؤسسات الهندسية اليوم هو الانتقال من ثقافة الكفاءة إلى ثقافة الأثر. فالكفاءة تعني تنفيذ المشروع بأفضل تكلفة وأعلى جودة، بينما يعني الأثر الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: ما القيمة التي سيضيفها هذا المشروع للمجتمع والبيئة والاقتصاد بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟
ولهذا أصبحت مفاهيم مثل قياس الأثر، والاستثمار المستدام، والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، والاقتصاد الدائري، وتحليل دورة الحياة، وإدارة أصحاب المصلحة جزءاً لا يتجزأ من الممارسة الهندسية الحديثة.
وبذلك لم يعد المهندس مجرد خبير في الحسابات والتصميم، بل أصبح قائداً لإدارة القيمة طويلة الأجل، وصانعاً للأثر التنموي الذي تسعى إليه المجتمعات.
خلاصة مفيدة
إن الربط بين الهندسة والتنمية المستدامة لم يعد خياراً فكرياً أو توجهاً مهنياً جديداً، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحديات العالمية. فكل مشروع هندسي، مهما كان حجمه، يحمل في داخله قراراً يتعلق بالمياه أو الطاقة أو المناخ أو الموارد أو جودة الحياة. وكل قرار تصميمي يتخذه المهندس اليوم يمتد أثره لعقود طويلة، ليؤثر في الاقتصاد والبيئة والمجتمع معاً.
ومن هنا، يمكن القول إن المهندس لم يعد ينفذ مشروعات التنمية المستدامة فحسب، بل أصبح أحد أهم القادة الذين يصنعونها ويحددون مسارها. وهذه الحقيقة تفسر لماذا انتقلت الهندسة من موقع الدعم الفني إلى موقع القيادة الاستراتيجية في مسيرة التنمية العالمية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز