هل تنجح ثورة الهندسة الوراثية تحت الماء في ترميم رئة الكوكب المنسية؟
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 29 مايو 2026
يقف الصياد الستيني “أبو محمد” على شاطئ البحر مع بزوغ الفجر، يتأمل الأفق الممتد حيث تلتقي السماء بالماء. يسحب شباكه التي غدت أخف وزناً عاماً بعد عام، ويلحظ بقلق تلك القطع البيضاء الشاحبة التي تشبه العظام الميتة العالقة في خيوط شبكته، بعد أن كانت قبل عقود صخوراً ملونة تنبض بالحياة. هذا المشهد اليومي المتكرر على سواحلنا العربية ليس مجرد حكاية محليّة عن شح الأسماك؛ بل هو العَرَض الظاهري لمرض عضال يصيب قلب كوكبنا. فالكثير منا لا يعلم أن كل نَفَس ثانٍ نأخذه – حرفياً – مصدره ليس أشجار اليابسة، بل كائنات مجهرية تعيش في المحيطات. إننا نتنفس من رئتين: رئة خضراء على الأرض، ورئة زرقاء تقبع في أعماق البحار.
وفي هذا السياق، يأتي الملف الخاص الذي فتحته مجلة “تايم” (TIME) العالمية مؤخراً تحت عنوان “عدد المحيطات” ليدق ناقوس الخطر في توقيت بالغ الحرج؛ حيث تشهد درجات حرارة البحار ارتفاعات قياسية غير مسبوقة. وفي كل عام، تغوص مجلة “تايم” في الأعماق لتسليط الضوء على الجهود الاستثنائية المبذولة للحفاظ على محيطاتنا وحمايتها. في هذا العدد، اكتشفنا كيف يعمل الباحثون على إنقاذ شعابنا المرجانية من خلال دراسة مدى استجابتها لتقلبات درجات الحرارة وعملياتها التكاثرية. وتعرفنا على التنوع البيولوجي المذهل داخل غابات عشب البحر والقوى التي تهددها. إننا نكتب عن هذا الموضوع اليوم لأن بقاء الإنسان وترابطه الصحي والاقتصادي مع بيئته وصحته العامة بات رهناً بمدى فهمنا لما يحدث في تلك الأعماق.
هذا التقرير يبسط أحدث ما توصل إليه العلماء في كبرى الجامعات والمراكز البحثية لإنقاذ هذه المنظومة الحيوية، مسلطاً الضوء على الابتكارات الحيوية والاستثمارية التي قد تشكل طوق النجاة الأخير للبشرية.
المرجان في غرفة العناية المركزة: تقنيات “أطفال الأنابيب” تحت الماء
تُوصَف الشعاب المرجانية (Coral Reefs) بأنها مدن البحار المكتظة بالسكان؛ فهي تغطي مساحة ضئيلة جداً لا تتجاوز 1% من قاع المحيط، لكنها تحتضن وتغذي أكثر من 25% من إجمالي الكائنات البحرية. وتُعد الشعاب المرجانية (Coral Reefs) بمثابة “غابات أمريكا الاستوائية المطيرة” ولكن تحت الماء، نظراً لكثافة التنوع الحيوي الذي تحتويه. على الرغم من أنها تغطي أقل من 1% من مساحة قاع المحيط، إلا أنها توفر مأوى لربع الكائنات البحرية تقريباً.
ظاهرة الابيضاض: عندما يطرد المرجان شريك حياته
تواجه هذه المدن المائية ظاهرة كارثية تُعرف بـ “ابيضاض المرجان” (Coral Bleaching). تحدث هذه الظاهرة عندما ترتفع درجات حرارة المياه بمقدار درجة أو درجتين فقط عن المعدل الطبيعي؛ حيث يصاب المرجان بالتوتر ويقوم بطرد الطحالب المجهرية المتعايشة معه والتي تمنحه الغذاء والألوان الزاهية. المرجان في الأصل حيوان رخو يبني لنفسه بيتاً كلسياً صلباً، ويعيش في شراكة استراتيجية مع طحالب مجهرية تمنحه الغذاء والألوان المبهجة. عندما ترتفع حرارة المياه بمقدار درجتين مئويتين فقط عن المعدل الطبيعي بفعل الاحتباس الحراري، يصاب المرجان بالتوتر، ويقوم بطرد هذه الطحالب الصديقة. النتيجة؟ يتحول المرجان إلى هيكل أبيض باهت، وإذا استمر الارتفاع الحراري، يتحول المرجان إلى اللون الأبيض الهيكلي ويموت جوعاً.
أطفال أنابيب المرجان
لم يقف العلماء مكتوفي الأيدي أمام هذه الكارثة. يشير تقرير “تايم” إلى أن الباحثين يدرسون الآن بدقة “مدى تفاعلية المرجان مع تقلبات الحرارة”. ولمواجهة هذا الفناء الجماعي، لجأ الباحثون إلى حلول مبتكرة مستوحاة من الطب البشري، ومن أبرز التقنيات الحالية:
• التطور الموجه (Assisted Evolution): حيث يتم تهجين سلالات من المرجان في المختبرات قادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، ومن ثم إعادة زراعتها في البحار. ويتم تعريض يرقات المرجان في المختبرات لدرجات حرارة مرتفعة تدريجياً، لانتخاب السلالات الأكثر صبراً وتحملاً للمستقبل الحراري القاسي.
• التلقيح الاصطناعي للمرجان (Coral IVF): يقوم العلماء بجمع ملايين البويضات والحيوانات المنوية التي يطلقها المرجان في مواسم التكاثر الجماعي، ويتم تخصيبها داخل بيئات مخبرية محمية لإنتاج يرقات قوية ومقاومة، ثم تُعاد اليرقات القوية إلى البيئة الطبيعية وزراعتها في المناطق المتضررة لضمان معدلات بقاء أعلى.
تدهور الشعاب المرجانية يؤثر مباشرة على صحة الإنسان؛ فهي مصدر أساسي للمركبات الحيوية المستخدمة في صناعة أدوية السرطان والأمراض الفيروسية، فضلاً عن دورها كحواجز طبيعية تحمي المدن الساحلية من أمواج التسونامي والفيضانات المدمرة. ويرى الأكاديميون أن هذه التجارب، رغم نجاحها المبهر في أحواض المختبرات والمساحات التجريبية الصغيرة، لا تزال تواجه تحدي “المقياس الواسع”. فهل يمكن لتقنية “أطفال الأنابيب” أن ترمم آلاف الكيلومترات من الشعاب المرجانية في البحر الأحمر أو الخليج العربي بالسرعة الكافية قبل أن تلتهمها حرارة الصيف القادم؟ الإجابة تستدعي تفاؤلاً حذراً ومزيداً من الأبحاث المستمرة.
غابات الأعشاب البحرية: جنات المحيطات المخفية ومصائد الكربون
بينما تحظى الشعاب المرجانية بشهرة واسعة، تقبع في المياه الباردة والمعتدلة جنات أخرى لا تقل أهمية، وهي غابات عشب البحر (Kelp Forests). وعشب البحر هو نوع من الطحالب البنية الكبيرة التي تنمو عمودياً من قاع البحر لتشكل غابات كثيفة تشبه الغابات البرية. وإذا كانت الشعاب المرجانية هي الغابات الاستوائية للبحار، فإن غابات عشب البحر (Kelp Forests) هي رئة المناطق المائية الباردة والمعتدلة.
التنوع البيولوجي المذهل وقدرة الامتصاص الخارقة
تتميز هذه الغابات بتنوع بيولوجي مذهل (Stunning biodiversity). فهي توفر المأوى لآلاف الأنواع من الأسماك، وقناديل البحر، والثدييات البحرية. بالإضافة إلى ذلك، لكن الميزة الأهم لهذه الغابات في عصرنا الحالي هي قدرتها الفائقة على عزل الكربون (Carbon Sequestration)؛ إذ تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي بمعدلات تفوق الغابات البرية بمرات عديدة، مما يساهم بفعالية في كبح جماح الاحتباس الحراري (Global Warming). مما يجعلها. وتُعد هذه الغابات من أهم “بالوعات الكربون الطبيعية”، وخط الدفاع الأول ضد التغير المناخي.
التهديدات المزدوجة: قنافذ البحر وموجات الحر
تتعرض غابات الأعشاب البحرية “الكيلب” لتهديد مرعب؛ حيث أدت موجات الحر البحرية (Marine Heatwaves) إلى إضعاف نموها، بالتزامن مع اختلال التوازن البيئي الناتج عن الصيد الجائر. فمع غياب المفترسات الطبيعية مثل قضاعة البحر، تضاعفت أعداد قنافذ البحر بشكل جنوني، وتحولت إلى ما يشبه “الجراد تحت الماء”، حيث تلتهم جذور هذه الغابات وتترك قاع البحر صحراء قاحلة.
الاقتصاد الأزرق المستدام: حماية المحيطات كاستثمار رابح
لعقود طويلة، كانت الشركات تنظر إلى المحيطات كمصدر للموارد اللامتناهية (صيد، نفط، غاز) أو كمكب للنفايات البلاستيكية. أما اليوم، يسلط عدد مجلة “تايم” الضوء على تحول فكري جذري وثوري في فكر قطاع الأعمال؛ حيث بدأت الشركات ترى قيمة اقتصادية حقيقية في حماية المحيطات، وهو ما يُعرف بـ “الاقتصاد الأزرق المستدام” (Sustainable Blue Economy).
لماذا تتجه الأنظار نحو الأعماق؟
يتزايد الاهتمام بالأعماق السحيقة (The Deep) لسببين متناقضين يتطلبان توازناً حذراً:
• البحث عن المعادن الحرجية: تحتوي أعماق المحيطات على صخور صغيرة غنية بالمعادن النادرة مثل الكوبالت والنيكل، وهي عناصر أساسية لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والتحول نحو الطاقة النظيفة.
• الاستثمار في السندات الزرقاء (Blue Bonds): وهي أدوات مالية مبتكرة تتيح للمستثمرين تمويل مشاريع حماية البيئة البحرية وإعادة ترميمها، مقابل عوائد مالية مجزية مدعومة من الحكومات والمنظمات الدولية.
إن التحدي الراهن أمام المجتمع الأكاديمي والرقابي والشركات هو ضمان ألا تؤدي عمليات التنقيب في أعماق البحار إلى تدمير أنظمة بيئية فريدة لم تكتشفها البشرية بالكامل بعد، وكبح جماح الجشع التجاري في الأعماق السحيقة، والتأكد من أن الاستثمار في حماية البيئة ليس مجرد شعارات تسويقية، بل هو التزام حقيقي مبني على بيانات علمية رصينة وموثوقة.
توصيات واعدة
إن العلم ليس مجموعة من الحقائق الثابتة الجامدة، بل هو رحلة مستمرة من البحث والتدقيق والشك البناء والتعلم من الأخطاء. وما يخبرنا به هذا التقرير المستفيض هو أن مصير المدن الساحلية العربية، وأمننا الغذائي وصحتنا العامة، مرتبط برباط وثيق بسلامة تلك المياه التي تحيط بعالمنا العربي من كل جانب.
توصيات ونصائح عملية للجمهور العام:
• حرب النفايات: قلل بشكل صارم من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام (مثل الأكياس والقش والمطارات البلاستيكية)؛ فكل قطعة بلاستيك تلقيها قد تنتهي في أحشاء كائن بحري أو تتحلل إلى جزيئات دقيقة تدخل في السلسلة الغذائية لتصل إلى مائدتك مجدداً.
• الاستهلاك المسؤول: احرص على شراء المأكولات البحرية من مصادر تعتمد الصيد المستدام وتتجنب الصيد الجائر في أوقات تكاثر الأسماك.
• نشر المعرفة البيئية: ساهم في نشر الوعي بين عائلتك وأصدقائك حول أهمية البحار؛ فالشعوب التي تفهم قيمة بيئتها هي الأقدر على حمايتها وصناعة مستقبل أفضل لأبنائها.
حماية المحيطات ليست مسؤولية العلماء والشركات الكبرى وحدها، بل هي قرار يومي يبدأ من سلوكنا الفردي وبث الوعي الصحي والبيئي في مجتمعاتنا.
هاشتاجات:
# #أطفال_أنابيب_المرجان – #الهندسة_الوراثية – #التطور_الموجه – #الاقتصاد_الأزرق – #السندات_الزرقاء – #التغير_المناخي – #الاحتباس_الحراري – #صون_الطبيعة – #التنوع_البيولوجي – #عشب_البحر – #التكنولوجيا_الحيوية – #ابيضاض_المرجان – #التنقيب_في_الأعماق – #الكربون_الأزرق – #الاستثمار_المستدام – #الأخلاقيات_البيئية – #الوعي_العلمي – #الأمن_البيئي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل.
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز