من تقييم المخاطر قبل تنفيذ المشروعات إلى اتخاذ القرار البيئي الرشيد… منهجية علمية متكاملة لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز الاستدامة، تجمع بين الدراسة الفنية والمشاركة المجتمعية والرقابة البيئية.
شبكة بيئة ابوظبي، الدكتور عبد الحميد محمود عثمان (*)، أستاذ الكيمياء التحليلية والبيئية بجامعة مدينة السادات، 07 نوفمبر 2026
من المعرفة البيئية إلى التطبيق… قراءات في الإدارة البيئية الحديثة
في إطار رسالتها الرامية إلى نشر المعرفة البيئية وتعزيز ثقافة الاستدامة، تقدم شبكة بيئة أبوظبي لقرائها سلسلة من ست مقالات علمية مختارة من كتاب “الإدارة البيئية في ضوء المتغيرات الحديثة”، من تأليف الأستاذ الدكتور عبد الحميد محمود عثمان، أستاذ الكيمياء التحليلية والبيئية المتفرغ بجامعة مدينة السادات.
ويقدم الكتاب رؤية علمية وتطبيقية تجمع بين المفاهيم الحديثة للإدارة البيئية وأدواتها التنفيذية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التغير المناخي والاقتصاد الدائري والحوكمة البيئية والاستدامة المؤسسية.
وتأتي هذه السلسلة بهدف إتاحة المعرفة العلمية للمهتمين والباحثين والممارسين، وتسليط الضوء على أهمية الانتقال من المفاهيم النظرية إلى الممارسات العملية التي تسهم في حماية البيئة، وترشيد استخدام الموارد، وتعزيز جودة القرارات التنموية، وصناعة أثر بيئي مستدام.

مقدمة: تقييم الأثر البيئي
تعد مهارة تقييم الاثر البيئي للمشروعات من أهم الأدوات التنفيذية التي يمارسها المسؤول البيئي والاستشاري ومدير المشروع فعليًّا، لأنها الأداة الوحيدة التي تعمل قبل وقوع الأثر لا بعده. حيث أن قرار الموافقة على المشروع ينبغي أن يُتَّخذ وصانعُ القرار على علم بما سيترتب عليه من آثار بيئية واجتماعية، وبالبدائل المتاحة، وبتكلفة تجنّب هذه الآثار أو تخفيفها. فهي إذن أداة «إعلام القرار» قبل أن تكون أداة منع؛ ومن ثَمَّ فإن قيمتها الحقيقية تتحقق حين تُجرى مبكرًا وتؤثر في التصميم، لا حين تُعَدّ متأخرة لاستيفاء شكلي لمتطلب الترخيص.
المفهوم والتطور
يمكن تعريف تقييم الأثر البيئي بأنه عملية منهجية لتحديد الآثار البيئية والاجتماعية المحتملة لمشروع مقترح والتنبؤ بها وتقييم أهميتها، واقتراح التدابير لتجنبها أو تخفيفها، وعرض النتائج على متخذ القرار والجمهور قبل الترخيص بالتنفيذ. وقد بدأت هذه الأداة (تقييم الاثر البيئي) بصدور قانون السياسة البيئية الوطنية NEPA في الولايات المتحدة سنة 1969 الذي ألزم الجهات الاتحادية بإعداد «بيان الأثر البيئي» EIS للمشروعات ذات الأثر الجسيم، ثم انتشرت خلال السبعينيات والثمانينيات إلى معظم دول العالم، وتبنّتها مؤسسات التمويل الدولية شرطًا للإقراض، وقنّنتها اتفاقية إسبو (1991) في الإطار العابر للحدود، ثم أكدت محكمة العدل الدولية طابعها العرفي في قضية أوروجواي (2010).
تعريفات وفروق هامة
• EIA مقابل ESIA: الأولى تركز على الآثار البيئية، والثانية تضيف إليها البُعد الاجتماعي (النزوح، سبل العيش، الصحة المجتمعية، التراث الثقافي) وهي الصيغة التي تشترطها جهات التمويل الدولية عادةً.
• EIA مقابل SEA: الأولى على مستوى المشروع، والثانية «تقييم بيئي استراتيجي» على مستوى السياسة أو الخطة أو البرنامج، وتُجرى في مرحلة مبكرة.
• الدراسة مقابل الخطة: تقرير الدراسة EIA Report وثيقة تحليلية تنتهي بقرار، أما خطة الإدارة البيئية والاجتماعية ESMP فهي الوثيقة التنفيذية المُلزِمة التي تُطبَّق طوال عمر المشروع.
• التقييم مقابل التدقيق: التقييم استشرافي يسبق التنفيذ، والتدقيق البيئي Environmental Audit تقييم لاحق يقيس الأداء الفعلي مقارنةً بما التُزم به.
تصنيف الآثار البيئية
الأثر Impact هو التغير في أحد عناصر البيئة الناتج عن نشاط المشروع، ويقع على «متلقٍّ» Receptor قد يكون بشريًّا أو طبيعيًّا. وتُصنّف الآثار البيئية والاجتماعية في مشروعات التنمية والإنشاءات بناءً على ستة معايير رئيسية تُساعد الاستشاري والمدير البيئي على تقييم خطورة الأثر وتحديد إجراءات التخفيف المناسبة:
1. معيار الاتجاه (Directional Impact):
يصنف الأثر إلى إيجابي يُعزز التنمية (مثل توفير فرص العمل وتنفيذ البنية التحتية)، أو سلبي يؤثر على البيئة (مثل انبعاثات الأتربة وتدهور جودة الهواء).
2. معيار العلاقة السببية (Causality):
o أثر مباشر: يقع فوراً نتيجة النشاط الإنتاجي (مثل ضوضاء معدات الحفر).
o أثر غير مباشر (ثانوي): ينشأ نتيجة التغيرات المترتبة على الأثر المباشر (مثل الضغط على الخدمات الصحية والمحلية نتيجة استقرار العمالة الوافدة).
3. معيار المدى الزمني (Temporal Scope):
يتنوع بين مؤقت/قصير الأجل يزول بانتهاء مرحلة الإنشاء (مثل التحويلات المرورية المؤقتة)، أو طويل الأجل/دائم يستمر طوال دورة حياة المشروع (مثل تغيير استخدامات الأراضي والمظاهر الطبيعية).
4. معيار قابلية الاسترداد (Reversibility):
o قابل للإنعكاس: يمكن استعادة الوضع الأصلي بعد تطبيقه أو معالجته (مثل استصلاح التربة المنضغطية).
o غير قابل للإنعكاس: يسبب فقداناً دائماً لا يمكن تداركه (مثل تجريف وتدمير المواقع الأثرية أو التنوع البيولوجي المهدد).
5. معيار النطاق الجغرافي والمكاني (Spatial Boundaries):
يتراوح نطاق التأثير من موقعي محصور داخل حدود المشروع (كاهتزازات الأساسات)، إلى محلي وإقليمي، أو عابر للحدود (كتلوث المجاري المائية والأنهر المشتركة).
6. معيار التراكمية (Cumulative Nature):
يُميز بين الأثر الفردي المستقل للمشروع، والأثر التراكمي المركّب الذي ينتج عن تزامن أنشطة المشروع مع مشروعات صناعية أو إنشائية مجاورة في نفس النطاق الزمني والمكاني.
ويُعد إغفال الآثار التراكمية من أكثر أوجه القصور شيوعًا في الدراسات، لأن كل مشروع يُقيَّم بمعزل عن جيرانه فتبدو آثاره «مقبولة» بينما يكون المحصلة الكلية على المنطقة غير مقبولة.
مراحل وخطوات دراسة تقييم الأثر البيئي (EIA)
تمر دراسة تقييم الأثر البيئي بمراحل منهجية متكاملة تضمن الانتقال السلس من مرحلة الفكرة إلى اتخاذ القرار والمتابعة الميدانية، وإن كانت العودة إلى مرحلة سابقة أمرًا معتادًا كلما ظهرت معلومات جديدة وتتمثل هذه المراحل في الأحد عشر خطوة التالية:
1. الفرز البيئي (Screening):
تُمثل الخطوة الأولى لتحديد مدى حاجة المشروع لإجراء دراسة تقييم أثر بيئي، وتحديد مستوى الدراسة المطلوب بناءً على طبيعة النشاط، وحجمه، وحساسية الموقع.
o المخرج الأساسي: تصنيف المشروع ضمن إحدى الفئات البيئية المعتمدة (البيضاء/أو القائمة أ، الرمادية/أو القائمة ب، السوداء/أو القائمة ج).
2. تحديد النطاق (Scoping):
تركز هذه المرحلة على حصر القضايا البيئية والاجتماعية الجوهرية، وتحديد المتلقين الحساسين، وتعيين الحدود المكانية والزمنية للدراسة، مما يحمي جهود الفريق من التشتت في مسائل جانبية.
o المخرج الأساسي: وثيقة الشروط المرجعية (Terms of Reference – ToR).
3. وصف المشروع ودراسة البدائل (Project Description & Analysis of Alternatives):
تشمل تقديم توصيف فني شامـل لكافة دورات حياة المشروع (الموقع، المكونات، المدخلات والمخرجات، العمليات، والجدول الزمني)، إلى جانب إجراء مقارنة منهجية بين بدائل التكنولوجيا، والموقع، والتصميم، بما في ذلك دراسة سيناريو «بديل عدم تنفيذ المشروع».
4. توصيف بيئة خط الأساس (Baseline Environmental Study):
إجراء مسوح وميدانيات معملية لقياس جودة عناصر البيئة الفيزيائية والحيوية والاجتماعية (الهواء، الضوضاء، التربة، المياه، التنوع البيولوجي، والتركيبة السكانية).
o المخرج الأساسي: مرجع كمي ودقيق تُقاس عليه التغيرات والآثار لاحقاً.
5. التنبؤ بالآثار وتقييم أهميتها (Impact Prediction & Significance Assessment):
تقدير حجم ونوع التغيرات البيئية المتوقعة باستخدام التنسيق الرياضي، والنمذجة، والخبرة الفنية، ثم الحكم على «مدى أهمية الأثر» (Significance) بالربط بين شدة الأثر ومدى حساسية البيئة المحيطة.
6. تحديد تدابير التخفيف (Mitigation Measures):
تطبيق التسلسل الهرمي للتخفيف عبر أربع خطوات رئيسية (التجنب ← التقليل ← الاستصلاح وإعادة التأهيل ← التعويض).
o المخرج الأساسي: قائمة تدابير وإجراءات محددة لكل أثر بيئي جوهري.
7. تقييم الأثر المتبقي (Residual Impact Assessment):
إعادة قياس وتحليل الآثار المتوقعة بعد السيطرة عليها وافتراض تنفيذ تدابير التخفيف، حيث يُمثل الأثر المتبقي المعيار الحقيقي الذي يُبنى عليه قرار قبول المشروع أو رفضه بيئياً.
8. إعداد خطة الإدارة والرصد البيئي والاجتماعي (ESMP):
ترجمة تدابير التخفيف إلى التزامات تشغيلية محددة بمسؤوليات، وتكاليف، وجداول زمنية.
o المخرج الأساسي: خطة رصد دقيقة تُحدد مؤشرات القياس، ومواقعها، وتكرارها، والحدود المرجعية للمطابقة.
9. إعداد وتكامل تقرير الدراسة (EIA Report Preparation):
صياغة وتحرير التقرير النهائي بلغة علمية دقيقة ومنظمة، مع إرفاق ملخص غير فني (Non-Technical Summary) مُوجّه لصناع القرار والجمهور العام.
o المخرج الأساسي: التقرير النهائي لدراسة تقييم الأثر البيئي.
10. المراجعة الفنية والمشاركة المجتمعية (Review & Public Consultation):
فحص التقرير بواسطة الجهة الإدارية المختصة، وإتاحته لأصحاب المصلحة، وعقد جلسات التشاور والاستماع المجتمعي، وتوثيق جميع التعليقات والردود الفنية عليها.
11. إصدار القرار والمتابعة البيئية (Decision-Making & Follow-up):
تصدُر الموافقة البيئية المشروطة (أو الرفض المسبب) من الجهة المختصة، لتبدأ بعدها مرحلة المتابعة والتحقق من الالتزام الميداني عبر التفتيش، والتدقيق البيئي، ومراجعة تقارير الرصد الدورية طوال فترة المشروع.
هرم التخفيف Mitigation Hierarchy
يُعد ترتيب تدابير التخفيف مبدأً حاكمًا لا مجرد تفضيل فالتجنُّب (تغيير الموقع أو المسار أو التوقيت) أرخص وأكثر فاعلية من التقليل (فلاتر، حواجز صوتية، رش المياه)، والتقليل أفضل من المعالجة بعد الإضرار، ويأتي التعويض في المرتبة الأخيرة باعتباره اعترافًا بأن الأثر لم يُمنَع. والقفز مباشرةً إلى التعويض المالي لتجاوز عقبة الموافقة، وهو ما يُفرغ الأداة من مضمونها الوقائي.
المكونات والأقسام الرئيسية لتقرير دراسة تقييم الأثر البيئي (EIA)
يُصاغ تقرير تقييم الأثر البيئي في هيكل علمي متكامل يضمن العرض المنطقي للبيانات والتحليلات، ويتكون من الأقسام التالية:
1. الملخص غير الفني (Non-Technical Summary):
يُمثل واجهة التقرير، وهو عرض موجز ومباشر بلغة بصرية وسلسة بعيدة عن التعقيد الفني؛ يستعرض أهم نتائج الدراسة وتدابير التخفيف المقترحة، ويُصمّم خصيصاً ليخاطب الجمهور العام، وأصحاب المصلحة، وصناع القرار.
2. الإطار القانوني والتنظيمي والمؤسسي (Policy, Legal & Administrative Framework):
يستعرض البنية التشريعية الحاكمة للمشروع، بما يشمل القوانين واللوائح التنفيذية الوطنية، والمعايير البيئية الملزمة، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، بالإضافة إلى اشتراطات جهات التمويل الدولية (مثل البنك الدولي أو مؤسسة التمويل الدولية IFC) والجهات الحكومية صاحبة الولاية.
3. الوصف التفصيلي للمشروع (Project Description):
تقديم توصيف فني وهندسي شامل لكافة مراحل المشروع؛ يتضمن الموقع الجغرافي والإحداثيات، المكونات والإنشاءات، طبيعة العمليات التشغيلية، احتياجات الطاقة والمياه والمواد الخام، نوعية وحجم الانبعاثات والمخلفات المتولدة، إلى جانب الجدول الزمني للتنفيذ وحجم العمالة المستهدفة.
4. تحليل ودراسة البدائل (Analysis of Alternatives):
مقارنة منهجية ومسببة بين الخيارات المختلفة المتاحة للمشروع من حيث: خيارات الموقع، والتقنيات التكنولوجية المستخدمة، وتصاميم الهندسة، وتوقيتات التنفيذ، مع دراسة تفصيلية لـ «سيناريو عدم تنفيذ المشروع»، وبيان المبررات الفنية والبيئية والاقتصادية للبديل المختار.
5. توصيف الوضع البيئي والاجتماعي القائم (Baseline Environmental & Social Conditions):
توثيق النتائج والمخرجات الناتجة عن القياسات الميدانية والمسوح المعملية للبيئة الفيزيائية والحيوية والاجتماعية قبل بدء المشروع، مع إرفاق خرائط الحساسية البيئية وتحديد المتلقين الحساسين في منطقة التأثير.
6. تقييم وتقصي الآثار البيئية والاجتماعية (Environmental & Social Impact Assessment):
تحليل تفصيلي ومُمنهج للآثار المتوقعة عبر مختلف مراحل المشروع (ما قبل الإنشاء، الإنشاء، التشغيل، وإيقاف التشغيل/إعادة التأهيل). يشمل هذا القسم تقدير أهمية وحجم كل أثر على العناصر البيئية المختلفة قبل تطبيق إجراءات التخفيف وبعدها (الأثر المتبقي).
7. خطة الإدارة والرصد البيئي والاجتماعي (ESMP – Environmental and Social Management Plan):
القلب التنفيذي للدراسة؛ وتأتي في شكل إطار عمل يربط كل أثر جوهري بتدبير التخفيف المناسب له، مع تحديد الجهة المسؤولة عن التنفيذ، والتكلفة التقديرية، والجدول الزمني، ومؤشرات الرصد البيئي ومعدل تكرار القياس.
8. المشاركة المجتمعية وإشراك أصحاب المصلحة (Public Consultation & Stakeholder Engagement):
توثيق كامل لكافة جلسات الاستماع والتشاور المجتمعي التي عُقدت مع المجتمعات المحلية والجهات المعنية، وإدراج سجل التعليقات والآراء الواردة، وبيان كيفية معالجتها والأخذ بها داخل التقرير.
9. الملاحق والوثائق الداعمة (Appendices):
تجميع كامل للوثائق والمستندات الفنية المؤيدة للدراسة؛ وتتضمن شهادات اعتماد المعامل، ونتائج القياسات التحليلية الخام للهواء والضوضاء والمياه، والخرائط عالية الدقة، بالإضافة إلى السِيَر الذاتية (CVs) لفريق الاستشاريين والخبراء المشاركين في إعداد الدراسة.
البُعد الاجتماعي: من EIA إلى ESIA
اتسع نطاق الدراسة تدريجيًّا ليشمل الآثار الاجتماعية، بعد أن أثبتت التجربة أن أكثر ما يعرقل المشروعات الكبرى ليس الأثر البيئي بل الرفض المجتمعي. وتشمل الجوانب الاجتماعية عادةً:
• الآثار على سبل العيش والأنشطة الاقتصادية القائمة (الزراعة، الصيد، التجارة الصغيرة).
• حيازة الأراضي وإعادة التوطين غير الطوعي والتعويض العادل.
• صحة المجتمع وسلامته: المرور، والضوضاء، والغبار، والتدفق العمالي.
• ظروف العمل وحقوق العمال والسلامة المهنية، بما يشمل مقاولي الباطن.
• التراث الثقافي والمكتشفات الأثرية العارضة.
• الفئات الأضعف والمساواة بين الجنسين وآلية التظلم المجتمعية.
الإطار المصري لتقييم الأثر البيئي
أرسى قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 التزام المنشآت الجديدة والتوسعات بتقديم دراسة تقييم أثر بيئي إلى الجهة الإدارية المختصة المانحة للترخيص، التي تحيلها إلى جهاز شؤون البيئة لإبداء الرأي، فإذا صدر الرأي بالموافقة أو بالموافقة المشروطة التزمت المنشأة بشروطها.
ويعتمد الجهاز في الفرز على أدلة إرشادية تُصنِّف المشروعات إلى ثلاث فئات بحسب حجم أثرها المتوقع:
• الفئة (أ) – القائمة البيضاء: مشروعات ذات آثار بيئية محدودة، يكفي فيها استيفاء نموذج فرز بيئي مبسّط.
• الفئة (ب) – القائمة الرمادية: مشروعات قد تُحدِث آثارًا جوهرية، وتتطلب دراسة مركَّزة على القضايا ذات الأهمية.
• الفئة (ج) – القائمة السوداء: مشروعات ذات آثار جسيمة أو تقع في مواقع حساسة، وتستوجب دراسة كاملة الأركان مع مشاركة عامة.
ويلعب عاملان دورًا حاسمًا في التصنيف إلى جانب طبيعة النشاط: حجم المشروع، وحساسية الموقع فالمشروع نفسه قد يُصنَّف في فئة أعلى إذا وقع داخل محمية طبيعية أو على ساحل أو بجوار مجرى مائي أو منطقة سكنية كثيفة.
المقارنة بين تقييم الأثر البيئي (EIA) والتقييم البيئي الاستراتيجي (SEA)
تتكامل الأدوات البيئية في مستويات اتخاذ القرار المختلفة؛ حيث يُركّز تقييم الأثر البيئي (EIA) على الأداء الميداني للمشروعات المنفردة، بينما يعمل التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA) على مستوى التخطيط والرؤية الكلية. ويتضح التمايز بينهما عبر المحاور الخمسة التالية:
1. موضوع التقييم (Subject of Assessment):
o تقييم الأثر البيئي (EIA): يستهدف مشروعات محددة وملموسة على أرض الواقع (مثل إنشاء محطة طاقة، أو مصنع، أو طريق).
o التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA): يمتد لتغطية الأطر والمستويات الأعلى، كأن يتناول سياسة عامة، أو خطة تنموية، أو برنامجاً قطاعياً (مثل استراتيجية الطاقة الوطنية أو المخطط الهيكلي للمدن).
2. التوقيت الزمني للتدخل (Timing):
o تقييم الأثر البيئي (EIA): يُجرى في مرحلة لاحقة؛ بعد اتخاذ القرار المبدئي بالتوجه نحو المشروع وقبل إصدار التراخيص التشغيلية النهائية.
o التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA): يُصاحب البدايات الأولى لصياغة السياسات والإعداد للخطة، أي قبل تحديد وتخصيص المشروعات الفردية.
3. نطاق البدائل المتاحة (Scope of Alternatives):
o تقييم الأثر البيئي (EIA): يقتصر فيه التحليل على بدائل محدودة في النطاق التنفيذي (مثل تفاصيل موقع المشروع، أو التقنيات المستخدمة، أو التصاميم الهندسية).
o التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA): يتعامل مع بدائل خيارات تنموية واسعة وشاملة (مثل تحديد نمط التنمية المستهدفة، أو توزيع استخدامات الأراضي، أو التفضيل بين البدائل القطاعية الكبرى).
4. معالجة الآثار التراكمية (Cumulative Impacts):
o تقييم الأثر البيئي (EIA): يواجه صعوبة في قياس أو معالجة الآثار التراكمية المترتبة على عدة مشروعات مجاورة نظراً لتركيزه على نطاق مشروع منفرد.
o التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA): يُعتبر الإطار الطبيعي والأكثر كفاءة لرصد ومعالجة الآثار التراكمية والتدافع البيئي المترتب على منظومة الأنشطة المتعددة.
5. طبيعة المخرج المباشر (Nature of Output):
o تقييم الأثر البيئي (EIA): ينتهي بإصدار موافقة بيئية تتضمن باقة من الاشتراطات والالتزامات التنفيذية على المقاول والمطور.
o التقييم البيئي الاستراتيجي (SEA): يُثمر عن توجيهات وإرشادات استراتيجية تُدرج صلب الخطة العامة، لتصبح إطاراً مزمـاً وموجهاً لكافة دراسات تقييم الأثر البيئي للمشروعات اللاحقة.
الأخطاء الشائعة في إعداد الدراسة
• التأخر في توقيت الدراسة: إعدادها بعد اكتمال التصميم يجعل توصياتها غير قابلة للتطبيق عمليًّا، فتتحول إلى إجراء شكلي.
• ضعف بيانات الخط الأساسي: الاعتماد على بيانات قديمة أو قياسات في موسم واحد، ما يُفقد المقارنة اللاحقة قيمتها.
• إغفال البدائل: عرض بديل واحد مع «بديل صوري» لتبرير الاختيار المتخذ سلفًا.
• تجزئة المشروع: تقسيم المشروع الكبير إلى مراحل صغيرة للتهرب من التقييم الشامل.
• تجاهل الآثار التراكمية وآثار مرحلة إنهاء الخدمة.
• خطة إدارة غير قابلة للقياس: عبارات عامة مثل «سيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة» بلا مسؤول ولا تكلفة ولا مؤشر ولا تكرار.
• النسخ من دراسات سابقة: أوصاف بيئية لا تطابق الموقع الفعلي، وهي من أكثر أسباب رفض الدراسات.
• مشاركة مجتمعية شكلية: جلسة واحدة بإخطار متأخر ودون توثيق للردود على التعليقات.
ويُختبَر مدى جدية أي دراسة بسؤال بسيط: هل غيّرت شيئًا في المشروع؟ فإن لم تُنتج تعديلًا في الموقع أو التصميم أو أسلوب التنفيذ أو الجدول الزمني، فالغالب أنها وُضعت لتبرير قرار لا لتقييمه.
أماكن الحصول وتصفح على الكتاب
على منصة بوكلاود
https://bookcloudme.com/book/6adf6c7ad1d9d329338bd214
على جوجل بلاي
https://books.google.com.eg/books/about?id=znUcEgAAQBAJ&redir_esc=y
على أمازون KDP
https://www.amazon.com/dp/B0HN5VYSTP
#الاستدامة_المؤسسية #التغير_المناخي #الإدارة_البيئية #الحياد_الكربوني #الاقتصاد_الدائري #تقارير_ESG
(*) الدكتور عبد الحميد محمود عثمان، أستاذ الكيمياء التحليلية والبيئية بجامعة مدينة السادات واستشاري معتمد بوزارة التنمية المحلية والبيئة المصرية،
المراجع
1. Glasson, J., & Therivel, R. (2019). Introduction to environmental impact assessment (5th ed.). Routledge.
2. Noble, B. F. (2020). Introduction to environmental impact assessment: A guide to principles and practice (4th ed.). Oxford University Press.
3. Therivel, R. (2010). Strategic environmental assessment in action (2nd ed.). Earthscan.
4. Arab Republic of Egypt. (1995). Prime Ministerial Decree No. 338 of 1995 issuing the Executive Regulation of the Environment Law, and its amendments. Official Gazette.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز