شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 05 نوفمبر 2026
بصفتي باحثًا مهتمًا بالشأن اللغوي، لست عادة ضيفًا مفضّلًا في البرامج الإعلامية؛ فالموضوع اللغوي لا يدخل غالبًا ضمن قائمة الموضوعات الجاذبة للمشاهدات. لكن المشهد يتغير بصورة لافتة في الأسبوع الثالث من الشهر الأخير من السنة. فجأة يتذكر الجميع اليوم العالمي للغة العربية؛ البرامج الحوارية تبحث عن ضيف، والقنوات تبحث عن برنامج، وهاتفي لا يكاد يتوقف عن الرنين.
وفي كل مرة يتكرر هذا المشهد يخطر في بالي سؤال: هل أصبحت اللغة تعيش نوعًا من الاحتباس اللغوي؟
فاللغة، مثل الهواء، لا تؤدي وظيفتها حين تُخزَّن للمواسم، وإنما حين تجري بصورة طبيعية في الحياة اليومية. ليست حاجتنا إلى يوم نتذكر فيه اللغة، وإنما إلى مناخ لغوي يجعلها حاضرة في التعليم والإعلام، والاقتصاد، والبيت، والعمل.
وفي البيئة لا تنشأ المشكلة من وجود الحرارة نفسها، وإنما حين تُحبس داخل نظام يفقد قدرته على التوازن. وربما تعرف اللغة شيئًا قريبًا من ذلك؛ فالمشكلة ليست في كثرة الاحتفاء بالعربية، وإنما في أن يتحول حضورها إلى نشاط موسمي مكثف، ثم تنسحب بعدها من تفاصيل الحياة اليومية. فتمتلئ أيام قليلة بالندوات والخطب والبرامج والشعارات، ثم يعود كل شيء إلى هدوئه المعتاد.
ولعل أخطر ما في موسمية اللغة أنها تمنح شعورًا مؤقتًا بالطمأنينة. فالمشهد يبدو غنيًا بالحركة؛ مؤتمرات، ولقاءات، ومنشورات، وتغطيات إعلامية، حتى يخيل للمرء أن اللغة تعيش أفضل أحوالها. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما يحدث في أسبوع واحد، وإنما بما يحدث في بقية العام.
وقد لا يحدث الاحتباس اللغوي في الزمن وحده، وإنما في المكان أيضًا. فنحبس اللغة حين تصبح حبيسة الأوراق الأكاديمية والمنصات المتخصصة، وتتسع المسافة بينها وبين الناس. تبقى المعرفة موجودة، وتكثر المصطلحات والدراسات والبحوث، لكن أثرها لا يصل إلى المجال الحيوي الذي يفترض أن تعيش فيه. فالكلمات، مثل الهواء، لا تؤدي وظيفتها حين تبقى محصورة داخل أنظمة مغلقة، وإنما حين تتحرك في فضاء أوسع وتصل إلى الناس في تعليمهم، وإعلامهم، وحياتهم اليومية.
وربما لهذا لا يكفي أن تنتج اللغة معرفة، وإنما تحتاج أيضًا إلى أن تملك طرقًا تجعل هذه المعرفة قابلة للحياة خارج حدودها الضيقة.
فاللغة لا تعيش بالخطب التي تُلقى عنها، وإنما بالخطب التي تُلقى بها. ولا تحيا بالاحتفال بها وحده، وإنما بحضورها الطبيعي في تفاصيل الحياة؛ في الفصل الدراسي، وفي السوق، وفي البحث العلمي، وفي لغة المؤسسة، وفي حوار الأسرة.
وحين أتأمل المشهد من جديد، لا أجد مشكلة في اليوم العالمي للغة العربية نفسه؛ فالاحتفاء باللغات فعل حضاري جميل. لكن المشكلة تبدأ حين نؤجل علاقتنا باللغة إلى موعد محدد في التقويم، ثم نكتفي بعده بالاطمئنان إلى أننا أدينا ما علينا.
فاللغة لا تختنق من قلة الاحتفاء بها، وإنما من حبسها داخل المناسبات. وربما لا تحتاج العربية إلى موسم تتذكر فيه نفسها، بقدر حاجتها إلى حياة كاملة تعيشها كل يوم.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز