الموارد المائية والتنمية الزراعية في الوطن العربي

دراسة مرجعية
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، كلية الاقتصادـ جامعة دمشق 08 نوفمبر 2026
قدّم الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري مساهمات بحثية قيّمة لـ مجلة “التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي” الصادرة عن منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية بالقاهرة. تماشت أبحاثه المنشورة في المجلة مع التوجه العام للمنظمة، حيث ركزت على الأمن المائي والغذائي، والتنمية المستدامة، والتعاون الإقليمي كأدوات لتحقيق الاستقلال الاقتصادي في العالم العربي والنامي.

ومن أبرز أبحاثه الموثقة في المجلة: بحث: “الموارد المائية والتنمية الزراعية في الوطن العربي”. الأطروحة التاريخية للأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري والواقع الجيوسياسي والاقتصادي الراهن:
المضمون والتحليل: ناقش البحث أزمة الأمن المائي في المنطقة العربية وأثرها المباشر على خطط التنمية المستدامة والأمن الغذائي.

استعرض التحديات الهيكلية والمستقبلية التي تواجه إدارة المياه العذبة، لا سيما في ظل تنامي الأطماع الخارجية والنزاعات حول المياه الإقليمية (مثل حوض دجلة والفرات والنيل). وقدّم استراتيجيات تنموية تدعو إلى ضرورة التنسيق والتعاون العربي المشترك للاستثمار في تقنيات الري الحديثة، وتحلية المياه، وحماية الحقوق المائية العربية كركيزة أساسية للتحرر الاقتصادي.

يقدم الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري في دراسته المرجعية “الموارد المائية والتنمية الزراعية في الوطن العربي”، المنشورة في المجلة تحليلاً استشرافياً وهيكلياً لأزمة المياه في المنطقة العربية وربطها المباشر بالتنمية الزراعية والأمن الغذائي والسيادة السياسية والاقتصادية.

تناولت دراسة د. مصطفى العبد الله الكفري العلاقة البنيوية بين شح الموارد المائية وتفاقم الفجوة الغذائية في الوطن العربي، مشددة على مخاطر تبعية مياه المنبع لدول الجوار. ودعا البحث إلى تبني استراتيجية مائية عربية موحدة، وتحديث تقنيات الري، وتعزيز الاستثمار في تحلية المياه لتحقيق استدامة زراعية. للاطلاع على المزيد، يمكن مراجعة مقال “الموارد المائية والتنمية الزراعية في الوطن العربي” المنشور في مجلة التنمية والتقدم.

أولاً – الإطار المفاهيمي (مفهوم “الري التنموي”):
1 – التعريف العلمي: ينطلق الدكتور الكفري من تعريف الري كعملية توظيف تكنولوجي بشري وهندسي بهدف تعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة، والسيطرة عليها لضمان استقرار إنتاج المحاصيل.
2 – كسر التذبذب الطبيعي: يرى البحث أن “الري التنموي” هو الآلية الوحيدة القادرة على تحرير القطاع الزراعي العربي من اعتماده المفرط على مياه الأمطار المتذبذبة والموسمية، وتحويل الزراعة إلى قطاع إنتاجي مستدام ومنتظم.

ثانياً – التحديات الهيكلية للموارد المائية العربية:
شخّصت الدراسة مجموعة من التهديدات الجيوسياسية والطبيعية التي تواجه المياه في الوطن العربي أهمها:
• التبعية المائية: ركز الدكتور الكفري على حقيقة أن أكثر من 65% من المياه العذبة المستهلكة في العالم العربي تأتي من منابع تقع خارج الحدود السياسية للدول العربية (مثل نهري دجلة والفرات من تركيا، ونهر النيل من الهضبة الإثيوبية والاستوائية).
• الأطماع والمشاريع الإقليمية: حذرت الدراسة من خطورة السدود والمشاريع المائية التي تبنيها دول الجوار دون التنسيق مع دول المصب العربية، عادّاً هذه المشاريع أداة ضغط سياسي واقتصادي مباشر لتقييد التنمية العربية.
• التغير المناخي والشح الطبيعي: رصدت الدراسة وقوع معظم الأراضي العربية في مناطق جافة وشبه جافة، مما يجعلها من أكثر مناطق العالم فقراً مائياً وعرضة للتصحر.

ثالثاً – أثر الأزمة المائية على التنمية الزراعية والأمن الغذائي:
1 – اتساع الفجوة الغذائية: ربطت الدراسة طردياً بين نقص المياه وتزايد العجز العربي في إنتاج السلع الاستراتيجية (خاصة الحبوب والقمح)، مما يضطر الدول العربية إلى استيراد غذائها من الخارج والوقوع في شرك التبعية الاقتصادية.
2 – ضعف الكثافة الاستثمارية والتكنولوجية: انتقد البحث غياب الأساليب المتطورة في الإدارة المائية؛ حيث يُهدر جزء كبير من المياه في الشبكات التقليدية التالفة وفي طرق الري القديمة كـ “الري بالراحة” أو الغمر، بدلاً من استخدام الري بالتنقيط والرذاذ.

رابعاً – الرؤية الاستراتيجية والحلول المقترحة:
قدم الدكتور الكفري في ختام دراسته خريطة طريق وخطة عمل تجاوزت الطروحات النظرية إلى خطوات عملية شاملة أهمها:
1 – صياغة استراتيجية مائية عربية موحدة: دعا إلى إنشاء تكتل أو مجلس مائي عربي موحد لإدارة الأحواض المائية المشتركة، والتفاوض ككتلة واحدة قوية مع دول المنبع لحماية الحقوق المائية التاريخية.
2 – الاستثمار في تكنولوجيا المياه البديلة: شدد على ضرورة توجيه الرساميل العربية نحو مشاريع تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير ومعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي لاستخدامها في الأغراض الزراعية.
3 – إعادة هيكلة السياسة المحصولية: اقترح مراجعة نوعية المحاصيل المزروعة، والتركيز على النباتات والبذور التي تقاوم الجفاف وتستهلك كميات أقل من المياه، مع وقف زراعة المحاصيل المستنزفة للمياه في المناطق التي تعاني عجزاً حرجاً.
4 – التكامل الزراعي العربي: طالبت الدراسة بتطبيق مفهوم “الميزة النسبية” عبر التكامل بين الدول العربية؛ بحيث يتم توجيه الاستثمارات المالية (من الدول ذات الفائض المالي) نحو الدول العربية التي تمتلك مساحات شاسعة صالحة للزراعة ووفرة مائية نسبية (مثل السودان والعراق) ليكونوا سلة غذاء العالم العربي.

خامساً – مقارنة مؤشرات دراسة 2002 بالتقارير العربية والدولية الحديثة:
تثبت البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية والعربية (مثل الفاو ومجلس وزراء المياه العرب) أن التحذيرات الاستشرافية التي أطلقها الدكتور الكفري عام 2002 قد تفاقمت بالفعل لتصبح واقعاً حرجاً:

في دراسة الكفري (2002): ركّز على خطر تحكم دول الجوار (تركيا، إثيوبيا) في أكثر من 65% من المياه العذبة الواردة للمنطقة العربية عبر السدود (مثل سد أتاتورك وسدود النيل المبكرة). بينما نلاحظ في التقارير الحديثة قد ارتفعت حدة التهديد بشكل حرج مع تشغيل سد النهضة الإثيوبي وتأثيره على حصص مصر والسودان، إضافة إلى استمرار مشاريع سدود “الشرق الأوسط الكبير” التركية (GAP) التي خفّضت تدفقات نهري دجلة والفرات نحو سوريا والعراق إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تسببت في جفاف أجزاء واسعة من الأهوار والأراضي الزراعية في سورية والعراق.

1 – حصة الفرد من المياه وفطام الشح المائي:
في دراسة الكفري (2002): حذّر من أن معظم الدول العربية تقترب أو هبطت بالفعل تحت خط الفقر المائي العالمي البالغ (1000 متر مكعب للفرد سنوياً). في التقارير الحديثة: انخفضت الحصة المتوسطة للمواطن العربي إلى ما دون 500 متر مكعب سنوياً (خط الفقر المائي المطلق)، وتصنّف الأمم المتحدة الآن 19 دولة عربية من أصل 22 كدول تعاني شحاً مائياً حرجاً.

2 – فجوة الأمن الغذائي المستورد:
في دراسة الكفري (2002): أشار إلى أن العجز عن توفير المياه للري يوسع فجوة الغذاء ويجبر المنطقة على استيراد السلع الاستراتيجية كالحبوب. في التقارير الحديثة: أصبحت المنطقة العربية الآن أكبر مستورد للقمح في العالم بنسبة اعتماد تتجاوز 60% في بعض الدول، وظهرت هشاشة هذا الاعتماد بوضوح خلال الصدمات اللوجستية العالمية والنزاعات الدولية الأخيرة التي هددت سلاسل الإمداد الغذائي.
3 – تكنولوجيا التحلية وإعادة التدوير (الحلول المطبقة):

في دراسة الكفري (2002): قدّم توصية استراتيجية بضرورة توجه الرساميل العربية نحو تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي. في التقارير الحديثة: تحولت هذه التوصية إلى الركيزة الأساسية لسياسات المياه؛ حيث تستحوذ دول الخليج العربي حالياً على نحو 50% من القدرة العالمية لتحلية المياه. كما توسعت دول مثل مصر والأردن والمغرب في إنشاء محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعي والصناعي لإعادة استخدامها في ري غابات الأشجار والمحاصيل المقاومة.
بيانات النشر: نُشر في مجلة التنمية والتقدم، العدد 83، القاهرة، ديسمبر 2002 (الصفحات 24–34).

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

صندوق النقد العربي وتعزيز الاستدامة في القطاع المالي العربي

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، كلية الاقتصادـ جامعة دمشق 04 …

اترك تعليقاً