• من العمل غير المرئي إلى الاستثمار المنتج… نحو اقتصاد عربي يعترف بقيمة الرعاية، وينصف المرأة، ويوسع فرص العمل، ويجعل الحماية الاجتماعية ركيزة للنمو المستدام.
شبكة بيئة ابوظبي، أ.د. مصطفى العبد الله الكفري، كلية الاقتصاد، جامعة دمشق، سوريا، 01 نوفمبر 2026
اقتصاد الرعاية (Care Economy) هو عبارة عن شبكة الأنشطة والخدمات مدفوعة الأجر وغير مدفوعة الأجر، المخصصة لتلبية الاحتياجات الجسدية، والنفسية، والتنموية لمختلف أفراد المجتمع. ويشمل هذا المفهوم رعاية الأطفال، والمسنين، والمرضى، والأشخاص ذوي الحاجات الخاصة، بالإضافة إلى تقديم خدمات التعليم، والصحة، والعمل المنزلي. ويعد العمود الفقري الذي يضمن استمرار الإنتاجية والحياة اليومية، إلا أن جزءاً كبيراً منه يقع ضمن “العمل غير المرئي” الذي لا يُحتسب عادةً في الناتج المحلي الإجمالي.
لتوضيح أبعاد مفهوم اقتصاد الرعاية، يمكن تقسيمه إلى عدة محاور أساسية:
1. الرعاية المدفوعة مقابل الرعاية غير المدفوعة:
الرعاية غير مدفوعة الأجر: تشمل الجهود التي يبذلها أفراد الأسرة (وخاصة النساء) داخل المنازل، مثل الطهي، والتنظيف، وتربية الأطفال، والعناية بالمسنين دون مقابل مالي.
الرعاية مدفوعة الأجر: قطاع رسمي يشمل العاملين في مجالات الطب والتمريض، المعلمين ومربيات الأطفال في الحضانات، ومقدمي خدمات الرعاية المنزلية والاجتماعية المحترفين.
2. البعد الجندري (النوع الاجتماعي) في العالم العربي:
يتحمل العبء الأكبر لاقتصاد الرعاية غير المدفوع في المنطقة العربية النساء. ووفقاً لتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة:
تؤدي المرأة في الدول العربية أعمال رعاية غير مدفوعة الأجر بمعدل 4.7 مرات أكثر من الرجل، وهي النسبة الأعلى عالمياً.
تشكل مسؤوليات الرعاية المنزلية السبب الرئيسي وراء بقاء حوالي 59% من النساء خارج سوق العمل في البلدان العربية.
يؤدي غياب الدعم المؤسسي (مثل الحضانات المتاحة) إلى اضطرار الكثير من النساء لترك وظائفهن أو قبول أعمال أقل أجراً للاستمرار في التوفيق بين المنزل والعمل.
3. الأهمية الاقتصادية والتنموية:
الاستثمار في تحويل “اقتصاد الرعاية” من قطاع غير رسمي إلى قطاع منظم يحمل فوائد تنموية هائلة، تسعى منظمات مثل منظمة العمل الدولية ولجنة الإسكوا لتسليط الضوء عليها:
• خلق فرص عمل: يعد قطاع الرعاية مساراً كثيف العمالة وقادراً على توليد ملايين الوظائف الجديدة والمستدامة.
• زيادة الناتج المحلي: دمج هذه الخدمات في الاقتصاد الرسمي يرفع من قيمة الناتج المحلي الإجمالي ويحفز النمو.
• تمكين المرأة: توفير خدمات رعاية مؤسسية وبأسعار معقولة يتيح للمرأة الانخراط في القوى العاملة وتحقيق الاستقلال المالي.
• مواجهة التحديات الديموغرافية: مع زيادة شيخوخة السكان وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة عالمياً وإقليمياً، يصبح بناء نماذج رعاية حديثة ضرورة لا غنى عنها لتخفيف العبء المالي على المنظومات الصحية.
الفئات المستهدفة للرعاية والحماية الاجتماعية:
يعمل اقتصاد الرعاية والحماية الاجتماعية على تقديم الرعاية والخدمات لعدة فئات من الأفراد وبهدف لتعزيز الصمود والرفاه الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع ومن أهم الفئات المستهدفة:
• الأطفال من خلال توفير الرعاية اليومية والدعم النفسي لهم ولأسرهم.
• كبار السن، حيث لتلبية احتياجاتهم الصحية والاجتماعية لضمان حياتهم بكرامة واستقلالية.
• الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ليوفر لهم خدمات الرعاية والتأهيل لتمكينهم من المشاركة الفعالة في المجتمع.
• الأشخاص في وضعية العزلة، من خلال توفير الرعاية اللازمة والتواصل الاجتماعي.
• الأفراد الذين تتطلب حالتهم الصحية والاجتماعية رعاية خاصة، لضمان حصولهم على الدعم اللازم للحياة بكرامة.
• النساء لتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً من خلال توفير فرص عمل لائقة وتحسين ظروفهن المعيشية وكذا تمكينهن من تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.
لخدمات الرعاية المدفوعة الأجر دور رئيس في إعادة توزيع أعمال الرعاية لتوظيف المرأة غير مدفوعة الأجر. يتفاوت توزيع أعمال الرعاية المدفوعة الأجر في الدول العربية، إذ يقع الجزء الأكبر من هذه المسؤولية على عاتق النساء المتزوجات، وهو ما يمثل عائقاً كبيراً أمام زيادة نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة، وهي من أدنى المعدلات في العالم.
من الضروري تسليط الضوء على المفاهيم والمنهجيات المعتمدة في مجال اقتصاد الرعاية، ورصد وتشخيص السياسات العمومية والتشريعات والقوانين الداعمة لمأسسة اقتصاد الرعاية، باعتباره محركاً فعلياً مساعداً للتنمية ورافعة لتعزيز سياسات الحماية الاجتماعية وتحقيق المساواة بين الجنسين، والاستفادة من الممارسات الجيدة الدولية في هذا المجال وبحث سبل الترسيخ القانوني لمختلف مهن الرعاية الاجتماعية.
حقائق رئيسية عن الرعاية في المغرب والدول العربية:
وفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية، فإن كل دولار يُستثمر في قطاع الرعاية يمكن أن يولد ما بين 2.5 و3.8 دولار إضافية من الناتج المحلي الإجمالي.
5% فقط من احتياجات رعاية الأطفال للسن 0-3 يتم تغطيتها حالياً (وزارة الشباب والثقافة والتواصل، المغرب).
88% من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر يتم تنفيذها بواسطة النساء (المندوبية السامية للتخطيط، المغرب).
النساء في الدول العربية يقضين 5 ساعات و5 دقائق (أو 305 دقائق) يومياً في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر؛ الرجال يقضون 43 دقيقة. مشاركة النساء في القوى العاملة تظل أقل من 20%). اقتصاد الرعاية في المغرب يمكن أن يولد ما يصل إلى 1.26 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2035.
العائد الإجمالي لاقتصاد الرعاية:
“بناءً على تقرير لجنة ‘الإسكوا’، تبين أن العائد الإجمالي لاقتصاد الرعاية يتحدد بمعادلة بسيطة: كل دولار نستثمره اليوم في بنية الرعاية التحتية والتشريعية، يعود على الناتج المحلي الإجمالي بـ 3 أضعاف قيمته. ولتحقيق ذلك في الدول العربية، لا بد من اتخاذ خطوات عاجلة أهمها:
أولاً: تطوير أدوات إصدار ‘الحسابات التابعة للرعاية’ لقياس حجم هذا الاقتصاد بدقة.
ثانياً: تحديث قوانين العمل لتوسيع إجازات الأمومة والأبوة وحماية العمالة المنزلية.
ثالثاً: تشجيع تمويل الشراكات بين القطاع الخاص والقطاع العام (PPP) لإنشاء الحاضنات في المناطق والمدن الصناعية الجديدة وتوفير حوافز ضريبية للمنشآت.
رابعاً: إطلاق دبلومات تخصصية ورخص مزاولة مهنة للمربيات ومقدمي الرعاية لرفع جودة الخدمة.
خامساً: الاستثمار في حلول تكنولوجيا الرعاية (CareTech) والتحول التدريجي نحو الرعاية المنزلية والنهارية الذكية.”
لا ينبغي النظر إلى الرعاية باعتبارها مجرد إنفاق اجتماعي فقط، بل هي استثمار استراتيجي يحقق مكاسب اقتصادية واجتماعية ويعزز المساواة بين الجنسين. فالاستثمار في خدمات الرعاية الجيدة يسهم في الحد من العبء غير المتكافئ لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر التي تتحملها النساء أساساً كما يلي:
• توسيع فرص مشاركة النساء في سوق العمل.
• خلق فرص عمل لائقة.
• تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية.
• وتبيّن الأدلة أن الاستثمار في الرعاية يحقق ثلاثة مكاسب رئيسية:
• تحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية.
• خلق وظائف لائقة من خلال توسيع خدمات الرعاية واحترافيتها.
• تعزيز المساواة بين الجنسين عبر توزيع أكثر عدالة لمسؤوليات الرعاية.
توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج منها:
1. صعوبة تحديد أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، لافتقادها لصفتي الإلزام والتعاقد، وثمة روابط أسرية تفرض الشراكة بين أفراد الأسرة ومُقدمي الرعاية.
2. التباين في أوجه الرعاية المُقدمة لكبار السن، واحتياجاتهم وفقاً إلى النوع الاجتماعي،
3. انحصرت الرعاية على عاتق الإناث ورسختها ثقافة الريف، التي فرضت على زوجة الابن خدمة (كبار السن) بجانب أعبائها المنزلية الأخرى؛ وتباينت آراء مقدمي الرعاية حول اختلاف مسئولياتهم،
4. تزايدت المسئولية والوقت المنقضي عند تزايد عدد كبار السن داخل الأسرة.
5. تنفق المرأة وقتاً يمثل عائداً اقتصادياً؛ لأنَّ الموروث الثقافي يعزز مسئوليتها النابعة من دورها الوظيفي،
6. فرضت ثقافة المجتمع الريفي والحضري على المرأة عدم الاعتراف بهذه الأعمال بما يؤدي إلى الفجوات بين الجنسين؛
لذلك من الضروري تقسيم العمل داخل الأسرة بهدف تقليص الفجوة الجندرية.
الاستثمار في اقتصاد الرعاية ليس مجرد تكلفة اجتماعية أو بند من بنود الدعم، بل هو استثمار إستراتيجي فائق العائد في مستقبل رأس المال البشري. هو الوسيلة الأكثر استدامة لسحب ملايين الأسر من تحت خط الفقر، وتحويل المساعدات النقدية إلى طاقة إنتاجية مأجورة تزيد من مرونة وقوة الاقتصاد.
إحداث تحول في أنظمة الرعاية على المستوى العالمي:
على مدى العقد الثاني من الألفية الثانية، تعاونت هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص وكيانات الأمم المتحدة الأخرى وغيرها من الجهات الفاعلة، بهدف إحداث تحول في أنظمة الرعاية على المستوى العالمي وخاصة في الدول العربية. وتنفذ الهيئة حالياً برنامجين إقليميين رئيسيين في المنطقة العربية هما برنامج “تقدر” ومبادرة “معدل تشغيل النساء في الدول العربية”. وتُعد مبادرة “تطوير الرعاية” إحدى المبادرات العالمية الرائدة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وتهدف إلى معالجة التقليل من قيمة أعمال الرعاية والتوزيع غير المتكافئ لمسؤولياتها، بما يسهم في تحسين حياة النساء والفتيات.
(ومنذ عام 2021، عملت هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع الشركاء الوطنيين على تعزيز قاعدة الأدلة المتعلقة باقتصاد الرعاية، ودعم تطوير السياسات، وتعزيز الحوار حول كيفية جعل الرعاية محركاً للمساواة بين الرجل والمرأة والعمل اللائق والتنمية الشاملة. وشمل هذا العمل إجراء دراسات حول الإمكانات الاقتصادية للاستثمار في الرعاية، وتطوير أدوات لدعم قرارات الاستثمار العام، ورسم خرائط للجهات الفاعلة والقطاعات المرتبطة بالرعاية، إضافة إلى دعم المشاورات الوطنية والتفكير الاستراتيجي. تم تنفيذ هذه العملية بالتعاون مع الجهات الفاعلة الرئيسية، بما في ذلك المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية، كما جرت في انسجام وتكامل مع مبادرات إقليمية أخرى لهيئة الأمم المتحدة للمرأة).
استراتيجيات وطنية منسقة في الدول العربية لاقتصاد الرعاية:
تحاول الدول العربية تبني استراتيجيات وطنية منسقة لاقتصاد الرعاية، والتي يجب أن تسعى إلى موائمة سياسات إجازة الأمومة مع توصيات منظمة العمل الدولية وتقديم سياسات إجازة الأبوة أو إجازة الوالدين. ويجب أن تهدف هذه الاستراتيجيات إلى توسيع الرعاية والتعليم في مراحل الطفولة المبكرة والبدء في وضع خطة لمجموعة من خيارات الرعاية الطويلة الأجل.
بدأت خارطة السياسات والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة باقتصاد الرعاية في الدول العربية تتشكل تدريجياً، متحولةً من مبادرات قطاعية متفرقة إلى أطر وطنية مندمجة تهدف إلى تحويل الرعاية من مسؤولية عائلية غير مرئية إلى محرك اقتصادي رسمي. وتعكس الاستراتيجية الوطنية الجديدة لاقتصاد الرعاية في الدول العربية تحولاً عالمياً وإقليمياً أوسع نحو الاعتراف بالرعاية باعتبارها محركاً للمساواة والعمل اللائق والنمو الشامل. ومن خلال وضع الرعاية في صميم السياسات الاجتماعية والاقتصادية، يعزز المغرب جهوده الرامية إلى:
• تعزيز المساواة بين الجنسين من خلال معالجة التوزيع غير المتكافئ لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، وتهيئة الظروف التي تتيح للنساء والرجال المشاركة على قدم المساواة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
• تعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة من خلال الحد من العوائق التي تحول دون مشاركة النساء في سوق العمل، وتوسيع نطاق الوصول إلى خدمات الرعاية الجيدة.
• خلق فرص عمل لائقة من خلال الارتقاء بمهن الرعاية وإضفاء الطابع الرسمي عليها.
• تعزيز الحماية الاجتماعية من خلال دعم أنظمة رعاية أكثر شمولاً وإتاحة للجميع.
• بناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود يمكنه الاستجابة للتغيرات الديموغرافية والاقتصادية والصحية والمناخية.
تسهم هذه الاستراتيجية في دعم جهود الدول العربية الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة، كما تتماشى مع الالتزامات العالمية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والعمل اللائق والحماية الاجتماعية.
الركائز المشتركة للسياسات العربية المستهدفة مستقبلاً:
تتفق الهيئات الإقليمية (الإسكوا والأمم المتحدة للمرأة) على أن نجاح أي استراتيجية عربية للرعاية يتطلب الارتكاز على المبادئ الأربعة للربط بين الرعاية والحماية الاجتماعية”:
الاعتراف والتقييم: احتساب قيمة “العمل غير المدفوع” عبر استطلاعات استخدام الوقت الوطنية ودمجه في الحسابات القومية.
الحد وإعادة التوزيع: تحويل العبء من عاتق النساء بمفردهن إلى مسؤولية تضامنية مشتركة بين (الأسرة، والدولة، والقطاع الخاص) عبر توفير خدمات بأسعار معقولة.
مكافأة العمل اللائق: ضمان حقوق وحمايات اجتماعية وأجور عادلة للعاملين مدفوعي الأجر في قطاع الرعاية (بمن فيهم العمالة المنزلية والمهاجرة).
التمثيل والمساءلة: إشراك مقدمي الرعاية في صياغة القوانين والقرارات التي تمس الرعاية.
عندما نتحدث عن اقتصاد الرعاية، فإننا لا نتحدث عن مجرد أنشطة اجتماعية أو خيرية، بل نتحدث عن شبكة خدمات معقدة تمثل العمود الفقري لاستقرار رأس المال البشري وإنتاجية القوى العاملة. هدفنا اليوم هو استعراض كيف يمكننا تحويل أعباء الرعاية من مسؤولية عائلية غير مرئية تقع على عاتق الأسر، إلى قطاع اقتصادي رسمي يسهم بشكل مباشر في دفع عجلة النمو الاقتصادي وخلق ملايين فرص العمل اللائقة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز